معطيـات خفيَّة تبلور النظرية
دور الخلفيات المعرفية في تأسيس المناهج اللغوية واللسانية

 

د. عبداللطيف نجيد

من المؤكد أن النظريات العلمية لا تولد من فراغ، بل هي ثمرة مخاض فكري ناتج عن تساؤلات وإشكاليات تساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في تطوير الفكر الإنساني، وبذلك سيكون لكل نظرية منطلقاتها وخلفياتها المعرفية التي تكون بمثابة الحجر الأساس لاستيعابها وربطها بشبكة من العلاقات في إطار متماسك واضح المعالم والأهداف. وعليه يمكن اعتبار تأسيس النظريات كبناء تساهم فيه كل الثقافات الإنسانية.

ولعل أول سؤال يتبادر إلى الذهن هو ما المقصود بالخلفيات المعرفية؟

باختصار شديد يمكننا القول إن الخلفيات المعرفية هي كل المعطيات الخفية وغير المباشرة التي تساهم في بلورة نظرية من النظريات موضوعاً ومنهجاً، وعند تجاهلها يصعب على أي باحث أو مهتم أن يستوعب العمق الأبستمولوجي والإطار النظري لتيار فكري ما، ويصعب أيضاً تخزين المعلومات بشكل سليم في الذاكرة لتصبح سهلة الاسترجاع عند الحاجة.

وللبرهنة على هذه الفرضيات سنقدم بعض النماذج من منظومات مرجعية مختلفة. ويتعلق الأمر بعلم أصول النحو والنظرية التوليدية وعلم التداولية.

النموذج الأول: النحو وعلم أصوله
كل مهتم باللغة العربية يلاحظ أن المتعلم يحفظ القواعد النحوية عن ظهر قلب ثم ينساها مع مرور الزمن. كيف يمكننا أن نفسر هذه الظاهرة؟

لعل السبب الرئيس هو أن هذه القواعد لا توضع في إطار نسق مرتبط بأصولها ومصادرها، أي أن المتعلم يدرس القاعدة دون معرفة المنهج الذي سلك لإنجازها. لأن النحو عبارة عن قواعد إجرائية معياريه (إجرائية لأنها من وضع الإنسان ومعيارية لأنها معيار للتمييز بين الصواب والخطأ) وعلم أصول النحو هو المنهج الذي تستنبط به هذه القواعد ومن ثم فإن معرفة الأدلة التفصيلية (القواعد) متفرعة عن معرفة الأدلة الإجمالية (المناهج). إن علاقة النحو بأصوله نموذج مصغر لما كانت عليه العلوم العربية الإسلامية التي نشأت متزامنة وعرفت تداخلاً منهجياً وتصوراً موسوعياً أثريا الجانب المعرفي فهماً ودراسة وتفسيراً وتأويلاً. فالنحوي قد يكون فقيهاً وفيلسوفاً ولغوياً، مما أدى إلى تأثر علم أصول النحو بعلم أصول الفقه وبالمنطق والفلسفة،حتى إن هناك من يسميه فلسفة النحو.

والدليل الساطع على تداخل المناهج في العلوم العربية الإسلامية وحدة المصطلح مع مراعاة خصوصية كل علم من العلوم، فالعلة والقياس والحكم والأصل والفرع مصطلحات مشتركة بين علم أصول الفقه وعلم أصول النحو وعلم الكلام والفلسفة والمنطق. والقياس أساس النحو كما يقول ابن الأنباري:
«اعلم أن إنكار القياس في النحو لا يتحقق، لأن النحو كله قياس»(¹)، ثم يقول «فمن أنكر القياس فقد أنكر النحو»(²).

فلا يمكننا بأي حال من الأحوال أن ننكر علاقة النحو بالمنطق بالنسبة إلى قياس العلة في رفع ما لم يسم فاعله (نائب الفاعل) والأصل فيه النصب لوقوع فعل الفاعل عليه، والعلة الموجبة للخروج عن الأصل هي الإسناد. وقياس الشبه في المضارع الذي أعرب والأصل فيه البناء، وذلك لمشابهته الأسماء من حيث الموقع (يحل في موقع الاسم فنقول ليضرب ولضارب) وقبول الزوائد (السين وسوف في المضارع لتحديد الجهة في الزمن والألف واللام في الاسم للتعريف أي للتحديد بعد الشياع)(³). وبعلم الأصول بالنسبة إلى الأصل والفرع، ذلك أن الأصل عند الأصوليين عماده الكتاب والسنة والفرع مرتبط بالتفسير والتأويل والاجتهاد، وعند النحاة الأصل هو الصورة الأولية التي ينبني عليها الشيء والفرع هو ما يبنى على غيره.

وعلاقة النحو بعلم الكلام بالنسبة إلى التوحيد، لأن الله أحد وخالق للكون ومن ثم لا نسأل عن علة الوجود، وفي علم أصول النحو المفرد هو الأصل وما جاء على الأصل لا يسأل عن علته. وبالفلسفة في العلة لأن العلة عند الفلاسفة ملازمة للمعلول وجوداً وعدماً، كما أن العلة عند النحاة مرتبطة بالعامل وعلاقة العامل بالمعمول في النحو شبيهة بعلاقة العلة بالمعلول في الفلسفة.

ومن المؤكد أن علاقة علم أصول النحو باللغة وطيدة جداً ونمثل لذلك بحركات الإعراب، إذ إن الرفع في اللغة يحيل على رفع القيمة والشأن وفي النحو يكون الرفع للأقوى أي الفاعل والمبتدأ والخبر وللدلالة على الحال في الفعل المضارع، والنصب في اللغة أقل قوة من الرفع ومن ثم خصص في النحو للمفاعيل وللغاية في الفعل المضارع، أما الجر في اللغة فيكون للضعيف، والمجرور هو الاسم الذي تعمل فيه حروف الجر.

من خلال هذا العرض المقتضب يظهر بجلاء دور علم أصول النحو كخلفية معرفية للقواعد النحوية، تنير للدارس سبل الفهم والتطبيق والاسترجاع في إطار نسق ثقافي منسجم ومتكامل. لكن السؤال المطروح هو إذا كان نموذج علم أصول النحو قد اعتمد على ضوابط العلوم الشرعية في أدلته الإجمالية، كالسماع والقياس والاستصحاب والإجماع، وعلى الفلسفة الإسلامية والمنطق. فإلى أي حد يمكن اعتبار هذا التداخل المنهجي قاعدة عامة في تأسيس العلوم والنظريات كيفما كانت مرجعياتها؟

للإجابة عن هذا السؤال سنطرح الإشكالية من خلال نموذجين مختلفين تأسسا انطلاقاً من الفلسفة الغربية والرياضيات.

النموذج الثاني:
الخلفيات المعرفية للنحو التوليدي

عادة ما تواجه الطالب العربي بعض الصعوبات لاستيعاب النحو التوليدي، لأنه تعود على آليات نحو اللغة العربية وأضحت بالنسبة إليه نموذجاً مثالياً يقتضى به. لكن ما لا يُستوعب جيداً في البداية هو تغيير زاوية النظر للموضوع بالانتقال من نحو خاص بلسان محدد إلى نحو كلي كوني.

وغني عن البيان أن هذا التحول يفترض الإلمام بالخلفيات المعرفية للنظرية التوليدية التي نشأت في أحضان الفلسفة العقلانية، وتبنت منطلقات رياضية معلوماتية كالصورنة والترميز والبرهنة اعتماداً على الروائز والبرمجة. ولتوضيح ذلك سنقدم مثالاً بسيطاً من نموذج تشومسكي Chomsky «البنى التركيبية»(4) الذي اعتبر فيه اللغة كمركبات اسمية وفعلية، يتكون المركب الاسمي في اللغة العربية مثلاً من مبتدأ وخبر، والمركب الفعلي من فعل وفاعل إذا كان الفعل لازماً، أو فعل وفاعل ومفعول إذا كان الفعل متعدياً إلى مفعول واحد وقد يتعدى إلى مفعولين أو ثلاثة.
واعتماداً على قواعد إعادة الكتابة سنعبر على الجملة الفعلية البسيطة (أكل الولد الموز) بـ : م ف = ف س0 س¹

لكن عندما نطبق المنطق الرياضي على هذه المعادلة سيطرح الإشكال لأن كل المركبات الفعلية المكونة من: ف س0 س¹ ستصبح صحيحة كـ (شرب الولد الجبل).

ومن هذا المنطلق عدل تشومسكي Chomsky هذا النموذج وأدخل المكون الدلالي في النظرية (المعيار 1965)(5) كما أدخل مفهوم المقبولية، ومع ذلك ستطرح عدة إشكاليات لأن المقبولية ليست بالمفهوم العلمي الصارم ولا بالمفهوم المجرد المستقل عن الواقع الخارجي، وهذا مناف بطبيعة الحال لمبادئ النظرية التوليدية.

يمكننا القول إن الخلفيات المعرفية هي كل المعطيات الخفية وغير المباشرة التي تساهم في بلورة نظرية من النظريات موضوعاً ومنهجاً، وعند تجاهلها يصعب على أي باحث أو مهتم أن يستوعب العمق الأبستمولوجي والإطار النظري لتيار فكري ما، ويصعب أيضاً تخزين المعلومات بشكل سليم في الذاكرة لتصبح سهلة الاسترجاع عند الحاجة.

الخلفية الثانية في النظرية التوليدية خلفية معلوماتية، لأن العقل البشري يبرمج بقواعد مستبطنة تمثلها الملكة، قواعد كثيرة لكنها محدودة تؤهل المتكلم السليقي من إنجاز ما لا نهاية له من الجمل وفهم جمل لم يسمعها من قبل. كما أن برامج الحاسوب قد تنجز تطبيقات جديدة لم تكن مفترضة أو متوقعه ووجه الشبه بين الإنسان والحاسوب في هذا السياق هو إنجاز غير المحدود انطلاقاً من المحدود.

بناءً على هذه المعطيات تفرعت عدة نماذج ونظريات لكن الاستيعاب السليم للنظرية التوليدية من نموذج «البنى التركيبية» إلى نموذج «البرنامج الأدنى» عند تشومسكي Chomsky. وفهم مبدأ المقايسة بين الحاسوب والعقل الإنساني في العلوم المعرفية من حيث الإدراك والذاكرة القصيرة المدى والتخزين والاسترجاع رهين باستيعاب هذه الخلفيات والمنطلقات التي من دونها سيسقط الباحث في سوء الفهم، مما قد يؤدي إلى رفضه للنظرية التوليدية جملة وتفصيلاً.

 

النموذج الثالث:
الأصول الأبستمولوجية لعلم التداولية

التداولية علم نشأ في أحضان الفلسفة التجريبية موضوعه دراسة اللغات الإنسانية في أبعادها التواصلية الفعلية المؤثرة في العالم الخارجي والمتجاوزة للضوابط الإجرائية والصورية. وبذلك يقدم لنا هذا العلم مقاربة مخالفة لمستويات الدرس اللساني الأخرى، مقاربة تعيد الاعتبار للاستعمال وقدرته التأثيرية في سلوك الإنسان. ليتحول هذا الأخير من مستوعب للقواعد ومطبق لها إلى مؤثر وفاعل حقيقي في الواقع الخارجي وفق ضوابط جديدة تقارب المعطيات اللغوية من زاوية نظر مغايرة.

ومن المؤكد أن لكل علم ما يسوغ وجوده ومن ثم يساهم الإلمام بالمنطلقات الفلسفية في بناء المعرفة وتطويرها، خاصة أن العلوم عبارة عن سلسلة مكونة من حلقات مرتبطة ومتداخلة أساسها التكامل والاختلاف.

في هذا الإطار لا بد من التطرق إلى معطيين محوريين ساهما بفعالية في بناء علم التداولية:
أولهما التطور الذي عرفه الدرس اللساني وأدى إلى اعتبار علم التداولية كامتداد ضروري لعلم الدلالة(6)، وثانيهما القفزة النوعية التي أحدثتها فلسفة اللغة في الفكر الغربي.

إن المهتم بتطور اللسانيات يلاحظ تأخر ظهور علم الدلالة بالمقارنة مع المستويات الأخرى، وذلك بالرغم من عراقة المفاهيم الدلالية وارتباطها بحقول معرفية مختلفة كالبلاغة والمنطق والفلسفة، ومرد ذلك ارتباط المعنى بالعالم الخارجي وبالاستعمال.

بعد أن اجتاز علم الدلالة مرحلة تأسيس المفاهيم واجهته إشكالية أخرى ترتبط بالموضوع، علماً أن المعنى له علاقة بكل العلوم، ومن ثم اندمج في نظريات قائمة الذات كالبنيوية والتوليدية والوظيفية.

ومن المؤكد أن المعنى لا يوجد في الفضاء التصوري نظراً لعلاقته الوطيدة بالاستعمال، حتى إنه أصبح من الشائع ترديد قولة فتجنشتاين Wittgenstein المأثورة «لا تسألوا عن المعنى، اسألوا عن الاستعمال». ولعل هذا التصور يعتبر كرافد معرفي أول ساهم في ظهور علم التداولية كامتداد ضروري لعلم الدلالة اللساني.

أما الرافد المعرفي الثاني فقد تبلور مع الوضعية المنطقية التي نشأت لإنهاء الصراع بين التيارات الفلسفية انطلاقاً من الفهم العلمي للعالم، وفي هذا الإطار نشأت حلقة فيينا سنة 1929 بريادة شليك Chleck وفريجه Frege وكارناب Carnap وفتجنشتاين Wittgenstein، ووضعت مبادئ المنطق الرمزي الذي ساهم في صياغة لغة فلسفية علمية دقيقة وخالية من الثغرات. وبناءً عليه اعتبرت اللغات الطبيعية قاصرة من حيث إنها تحجب البنيات المنطقية الأساسية للفكر، وتم التأكيد على أن قوانين المنطق هي القوانين الأصلية للفكر(7).

موازاة مع هذا التيار كان راسل Russell رائد الفلسفة التحليلية ينتقد منطق اللغة غير الدقيق ومثل لذلك بالنحاة الذين يجمعون عناصر غير متكافئة في مقولة واحدة، كالاسم (زيد – إنسان – لاشعور – جبل – كرسي) غير القابل للاستبدال في نفس القضية فنقول (جاء زيد) ولا نقول (جاء جبل). وقد اعتمد راسل في هذه الملاحظة على نظرية المجموعات في الرياضيات، لأن العناصر المنتمية إلى مجموعة واحدة تكون قابلة أن يحل أي عنصر منها محل عنصر آخر.

من هذا المنطلق كان فلاسفة اللغة ينتقدون اللغات الطبيعية لغموضها ولبسها لأنك عندما تقول (قرأت كتاب زيد) لا نعرف هل الأمر يتعلق بالكتاب الذي ألفه أو الذي يملكه زيد. فاللغة إذاً غير مستقلة بذاتها وتحتاج في غالب الأحيان إلى مقام خارجي لتحديد المقاصد.
في هذه المرحلة نشأت مدرسة أكسفورد بريادة علماء مختصين في العلوم البحتة (خاصة الرياضيات)، وحاول كل من راسل Russell وفتجنشتاين Wittgenstein إنشاء اللغة المثالية من خلال نظرية عرفت بـ«الذرية المنطقية» ومفادها أن اللغة يجب أن تتكون من عدة عناصر مطابقة للواقع ومعبرة عليه بدقة متناهية دون لبس أو غموض(8)، لكن مآل هذه النظرية كان هو الفشل الذريع نظراً لطبيعة اللغة الإبداعية وخصائصها التواصلية، ذلك أنك قد تقول قولاً وتقصد نقيضه وهذا مناف بطبيعة الحال لمبادئ العلوم البحتة المعتمدة أصلاً على البرهنة وعدم التناقض.

إن المهتم بتطور اللسانيات يلاحظ تأخر ظهور علم الدلالة بالمقارنة مع المستويات الأخرى، وذلك بالرغم من عراقة المفاهيم الدلالية وارتباطها بحقول معرفية مختلفة كالبلاغة والمنطق والفلسفة، ومرد ذلك ارتباط المعنى بالعالم الخارجي وبالاستعمال.

كل هذه المعطيات ساهمت بشكل مباشر في تراجع رواد الفلسفة التحليلية والوضعية المنطقية عن موقفهم، وأصبحوا من أشد المدافعين عن اللغات الطبيعية، حتى إنهم سموها بـ«حدائق النعيم»، نظراً لقدرتها الإبداعية غير المحدودة، وبذلك مهدوا لظهور تيار جديد سمي «فلسفة اللغة العادية» وهو مهد علم التداولية.

 

الخلاصـة
من خلال عرضنا لهذه النماذج المختلفة يظهر بجلاء وجود ضوابط وآليات مشتركة لتطوير الفكر الإنساني المشكل من حلقات متصلة تطورت عبر مراحل مختلفة، مع العلم أن لكل حلقة قيمتها ما دامت تساهم في بناء المعرفة. وبناءً عليه فإن العلوم لايمكن أن تستوعب بعمق إلا باستيعاب خلفياتها ومنطلقاتها وأخطائها أيضاً لأن تاريخ العلم إنما هو تاريخ للأخطاء والهفوات (كما رأينا في النموذجين الثاني والثالث) التي يمكن أن نعتبرها بمثابة عوامل إيجابية تساهم في تطور الفكر العلمي السليم. وعلى هذا الأساس سيكون للمعرفة زمنها الخاص المختلف تماماً على الزمن الذي نعرفه ونؤرخ به، لأن الفكر يراجع ذاته باستمرار من أجل التطور والإبداع.

المراجــع:
1– لمع الأدلة لابن الأنباري، ص 98.

2– نفسه ص 99.

3– الكتاب لسيبويه، ص 16، الطبعة الثالثة 1988.

4– ينظر في كتاب البنى التركيبية لتشومسكي Structures syntaxiques. Chomsky

5– ينظر في كتاب مظاهر النظرية التركيبية لتشومسكي
Aspects de la théorie syntaxique. Chomsky

6– علم الدلالة لبريكل، ص 77
Sémantique H.E.Brekle

7– ينظر في اللغة والمنطق، د. حسان باهي، ص 48.

8– ينظر في فلسفة اللغة، د. محمود فهمي زيدان، ص 44.