الفنان أحمد عبد العزيز

أديب قاسم

Aug, 28 2018

الفنان أحمد عبد العزيز في معرض لوحاته..

التجريد يأخذ شكلاً إنسانيّاً معاصراً

 

(1)

ليس في قيد الإمكان الإحاطةُ بالنص التصويري التجريدي من النظرة الأولى.. إنه لا يقرأ إلا بتأملات ذهنية في أبعاد اللوحة: ألوانها وخطوطها، وكيف تشكلت بضربات ريشة الفنان، بإيحاء من ذهنه.. فتتكشف لك بالروية عندئذ: أحاسيسُه تجاه أشياء ارتسمت في وعيه؛ أمور لا تخرج عن الحياة والوجود والكون، وقل عن مصائر يمر بها الإنسان وتعتسف بها الحياة.. وتفيض عنها الرغبة إلى الانعتاق من الأزمات والذهاب إلى أفق جمالي فيه تبرئة لتعلّات الحياة.

وفي هذا كله نجد الفنان في مواجهة مع الذات حيال الظروف الإنسانية.. حيث الرسم أصبح يجسد واقع الحياة الإنسانية المعاصرة.. يتخذ من الحياة تعبيراً جديداً محمّلاً بأبعاد نفسية، وبألَقٍ روحيٍّ كأحاسيس يترجمها إلى بناء composing or structure يجد فيه كل إنسان تعبيراً عن لحظة من لحظات المعاناة في هذا الوجود، ولكن بمسحة من الحزن الجميل.. تلتقطها العين ببنية الموسيقى الداخلية في الشعر الذي يخاطب آماد النفس البعيدة بعد أن تطورت الموسيقى الشعرية إلى الإيقاعات الداخلية التي يجدها الناقد البريطاني هيربرت ريد Herbert Reed ويسميها Iner rhythm، مما أدى بالشعر إلى أن يغدو مدعاةً للقراءة والتأمل أكثر منه للإلقاء بنمط التغني.

هذه الفنون الحديثة لا تعطيك نسق معرفة بالطبيعة المنتهية، غير أنك تخلع عليها المعنى..

In ' Abstractionism ' is comprehended the abstruse and mysterious in which the work was executed for it may be interpreted in many ways and can only be understood in its motives. The painting without  motives is nothing.

ويفهم من كلمة "التجريدية": مبهم وغامض، وهي الطريقة أو الأسلوب الذي أنجز به هذا العمل؛ بحيث يمكن تفسيره بعدة طرق.. ولا يمكن فهمه إلا ببواعثه الخفية، فاللوحة بدون هذه البواعث تعد: لا شيئ!

هذا هو الفنان التشكيلي الحديث وقد انتهى إلى التجريد..

 

هكذا أصبح الفن التجريدي أسلوبَ تعبيرٍ تشكيليّ يقف على "موضوعٍ" ما في عصرنا بعد أن تعدى حقبة منتصف القرن الفارط بدء انطلاقاته بحثاً في فضاء الكون، ليغوص من بعد في طبيعة الحياة.. وتظهر الضربات اللونية الحرة في لوحات أحمد عبد العزيز انبثاقاتٍ عما يرتسم في اللاوعي الانساني، في النفس أحاسيس وليست انطباعات لمظاهر الحياة أو لمشاهد الطبيعة، التي تجاوزتها دائرة الفن الحديث إلى البحث في فضاء الحياة؛ في واقع الإنسان المتخم بالأزمات، ليجسد لنا تشكلاً على تماس بواقع الحياة في النفس البشرية: واقعها وتطلعاتها جرّاء معاناة شديدة ألمت بعصرنا وقد عصفت بالحياة أعاصيرُ الزمن الذي أحالنا إلى أن ننتظر شيئاً ينبثق من الكون، أحالنا إلى موضوع عنوان مسرحية بيكيت: "في انتظار جودو"!

 

 ( 2 )

هذه هي روح العصر.. وهو ما أجزل التعبير عنه شاعرنا الكبير عبد الله البردوني يوم سألته: ما هي المعاصرة شكلاً أو روحاً؟ وكنت أعني في الأدب، إلا أن إجابته انعكست على سائر أشكال الفن: تُتناول أشكاله من أشكال المجتمع بالطريقة القادرة على نقل الحس إلى المشاهد أو القارئ في كتاب الكون!

وأشار البردوني إلى أن تنويع الأشكال يغني الأسلوب بخصائص النفس، وذلك استجابةً للتطورات الاجتماعية وتطور الأحاسيس الفنية.

وهكذا تطورت الأشكال المعاصرة لتبلغ بتجريديتها "تكشُّف" الروح.. فغدت المعاصرة روحيةً أكثرَ منها شكليةً.

البردوني: "لأن قيمة الشكل تنبع من الروح؛ فالإضاءة الداخلية تجمل الشكل وتخصب إيقاعه وألوانه من ناحية شكلية وروحية"1.

وبالوقوف على تطور ظروف المجتمع محلياً وعالميّاً بكل تعقيداته المصنفة بإشكالية الحياة المعاصرة، نقف عند أعمال الفنان أحمد عبد العزيز؛ فنشاهد حياةً تمور في أعماق لوحاته التي تبدو لنا أشبه ما تكون بالرؤى المؤرّقة، لكنها رؤىً نهاريّةٌ تنبجس من شعور داخليّ عميق للفنان يحاكي الحدس intuition.. فلئن كان فيه غموض وإبهام فهو غموض في النفس حيالَ الكون، لا عن ماهيته بل مصير الإنسان فيه في حركته ضمن بواعث الحياة، أي أن الفنان يوظف أحاسيسه المتداخلة حيال الحياة؛ مشاعره وأفكاره وأحلامه في اللوحة، ليصل من خلالها إلى وجدان الإنسان.. فالألوان تتكشف لنا عن إيقاعات عاطفية هي حالات داخلية عميقة لانفعالاته إزاء المحسوس في الواقع.. قد تبدو ساخطة أو مغضبة في وجوه ترهقها غبرة من عذاب.. أو حزن.. أو إحساس بالضياع والإهمال.. وثمة وجه في إحدى لوحاته حيث ترى وجه إنسان (امرأة) تذهب نظرتها خارج بواعث اللون الأحمر الدامي، لتحقق انفراجات في اللونين الأخضر والأزرق الأكثرا اتساعاً: خط الأرض، والخط الأفقي خط العمق، أرض خضراء وسماء عميقة الزرقة محط تطلع إلى الماورائيات في هذا الكون.. فإن يظهر وجه يلطخه الأسى، هي لوحة أخرى، حيث يرسل إنسان ما عينيه إلى خارج الوجه، فما كنت لترى فيه غير ملمح للدهشة الصوفية لحظةَ انكشاف لعين متأمل يبحث عن شيء يخرجه من كابية تلك الألوان القاتمة التي تفترش اللوحة، وعلى الأرجح من واقع ضاقت به الحياة، وليس من تعبير يجسد هذا الانفعال غير تلك النخلة المشرئبة إلى السماء أو المتسامقة إلى الأفق الاعلى.. يقول أينشتاين: (إن أجمل انفعال يمكن أن تهتزّ له نفوسنا هو الانفعال الصوفي، فهو أصل كل فن وكل حق، فمن ينعدم فيه هذا الشعور، ولا تجد الدهشة سبيلاً إلى نفسه، ويحيا هلوعاً جزوعاً.. إن هذا ميت والسلام)2.

وإلى نفس المعنى يشير جيمس أ. كولان في كتابه "النسبية في متناول الجميع"، إذ يقول الشعر التالي:

غايتنا أن نعجب ونحن نجوب هذه الدنيا كثيرة الأسرار

هو تحقيق الغاية الكبرى

غاية الوجود وغاية الأقدار3.

 

غير هذا نشاهد في تلك اللوحات وجوهاً تظهر في فراغ تامّ! أو في مرايا تتوزع بين الخوف، القلق، الخيبة أو الانشراح!

فالفنان أحمد عبد العزيز يذهب في كل نصوصه إلى إعاده تشكيل تلك الأحاسيس = الرؤوية باحثاً عن عناصر للتحمل في الحياة!. ذلك أشبه "بحلم يعقوب" إزاء صنوف المعاناة التي خبَرها؛ يشاهد في حلمه: أرضاً شديدة الخضرة، وسماءً عميقة الزرقة، وسلّماً فضيّاً تصعد عليه الأرواح إلى الفردوس.. إن يعقوب (النبي) هنا يتحدث لا عن أشجار وثمار وعناق محبة بل عن لونين (أخضر وأزرق)، يصل بينهما لونٌ فضيٌّ ينفذ إلى أعماق لا ترى! هكذا تتشابك الألوان في النص التصويري التجريدي غموضاً، ثم تكشف لنا لُمعاً من ضوء فيما ورائيات هذه الحياة.

 

في لوحات أحمد عبد العزيز اضطراب الحياة التي تمور بداخلنا بانعكاسات الواقع الموضوعي لا الطبيعي، وإذ يصورها لنا من خلال أحاسيسه الراقية خاصية البعد الصوفي، نلمس إيقاع فرح قد يبدو قليل الضوء لما كنا لا نزال نحيا في عتمة الروح، هذا الضوء يكشف لنا في ثنايا ذلك الغموض وتلك الإبهامات المتداخلة المتشابكة، عن علاقات قافزة تتصل بالماورائيات، وذلك بلمسة من حنان ريشته.. الزرقة العميقة فضاء مفتوح على عوالمَ قد نصل إليها بعد أن نجتاز حقل ألغام الحياة.. وفي ألوانه الصفراء والبرتقالية والذهبية التي قد نتوجس من صفرتها، دليل علة في النفس أو الحياة، غير أننا نشرئبُّ من خلالها إلى شمس حنونة نهتبل منها عنصر فرح!

يحدث هذا في نصوص أحمد عبد العزيز التصويرية التجريدية حيث يختلط الغموض والإبهام إلى جانب الإبهار، بالواقع الملموس بغية تعميق حاجتنا إلى حدس يكشف لنا رؤى عن حياة مغيبة ذات إشراق!

 

 ( 3 )

إن تجليات الخط واللون في هذه اللوحات، تكشف لك إحداثيات الألم والحزن والفرح.. فتتلقاها بأحاسيسك التي قد تتجانس مع أحاسيس الفنان منتج هذا التشكيل، وقد تنبعث من داخلك دون هذا التجانس.. وهذا تعبير يُنبئك أنك لا تقرأ اللوحة وإنما تلمس نبضاتها بقلبك بطريقة تجد نفسك معها في حومة الموسيقى المنبعثة من القلب بدفع من إيقاعات الروح، جرّاء إحساسها بشيء ما يتحرك في صميم الحياة ويستشف في ما ورائيات الوجوديات لا في الذاكرة المادية.. إحساس صوفي؛ فالأصابع تذهب لتصور تلك الأحاسيس التجربدية العميقة التي تتماوج بخطوطها وألوانها المرهفة مثل غيمات شفافة.. فما من دسومة في الألوان وما من كثافة أو ثقل في الخطوط.. إنها المكونات "الجوانية" التي تبصر الأشياء في جوهرها لا في عرضها الزائل المنتهي، فيما هي تعانق ما وراء الطبيعة "شعوريا".. وإن اتصلت بالعناصر الظاهرية للوجود: الغيمات.. الأشجار.. الشمس.. الكتل من حجر أو بشر وغيرها من كائنات تعمر هذا الوجود المرئيَّ الذي يخفي وراء مظهره إحساساً عميقاً بالشفافية التي تنطوي عليها تلك المرئيات.. وهذا وقف على ما ندركه بالأحاسيس لا بمدركات الوعي.

 

(4)

في هذا وبحسب "هيدجر" الفيلسوف الوجودي الألماني في نظرته أو هي رؤيته لـ "العمل الفني"، يرى أنه في محصلته النهائية موضوعٌ يأتلف من مجموعة من المعطيات الحسية، وكأنما هي مجرد أحاسيسَ باطنة في صميم شعورنا.. إنه "المادة المتشكلة" التي تحمل صورة معينة تنفرط منها أحاسيس شتى لدى المتذوق.. هي تشكل خبرة جمالية يعانيها المتذوق في قرارة نفسه؛ أي كل يراها بمرآة نفسه.. فما يكون هكذا إلا شيء اتحد فيه شكل ومضمون خصب قابل للكثير من التفسيرات4.

هذا الأساس هو ما يتوقف عنده تفسيرنا للوحات الفنان "أحمد عبد العزيز" بنصوصها التجريدية التي أملتها عليه مجموعة أحاسيس يعانيها الآخرون في واقعه.. قابلة لأن نسقط عليها أحاسيسنا الخاصة ومشاعرنا الذاتية التي تلتقي في بعض ظروفها مع إيحاءات ذلك التشكيل الذي وقع في نفسه.. إنه في الأخير إحساس عام تنفرط منه عدة أحاسيس، غير أن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد.. ولكن فيما يرى هيدجر عندما قال عن لوحة فان جوخ "الحذاء" إنها ليست عملاً فنيّاً إلا لأنها قد كشفت لنا بصوره تحديدية عن حقيقة ذلك الحذاء الملطخ بالطين بما نحسه نحن.. فاللوحة ليست سوى منفذ نطل منه على حقيقة أمر ذلك الحذاء الذي يلبسه الفلاح.. وعليه يرى هيدجر أن العمل الفني هو بمثابة تفتُّحٍ للوجود أو انكشاف للحقيقة؛ أي إشعاع الحقيقة عبر الموجود الذي يصوره الفنان.

وهذه كانت بلاغة التشكيل في لوحات الفنان المبدع الأستاذ في توظيف تلك الأدوات: أحمد عبد العزيز، التي تتركب من بنائية موسيقية؛ من مرونة وتوتر، هبوط وصعود، صخب ورشاقة، أو انسياب إلى حد الذوبان في شيء أكبرَ لا نهائي! وتشي بقدرة إبداعية من مهمتها التساؤل بحاسة القلب: ما الإنسان؟.. ما الجبال؟.. ما الدموع؟.. ما البحار؟.. ما الغيمات، ما مختلف أشكال الصراع؟.. ما السماوات؟.. ما الموت؟.. ما الحياة؟

ويجيء الاكتشاف في هذا التكوين من ظلال وأضواء وحركة وخطوط وألوان.. تنسكب من أعماق الكون إلى النفس كما تنسكب الروح في تلافيف الحب.. ذلك تجريد يقف على ذاكرة اليقين المخزون في مطوى الروح من إحساسها بمصدرها الكوني.. بأصل وجودها الكلي الإلهي.

 

هوامش:

(1) مجلة "البلاغ" اللبنانية، الاثنين 9 أيلول سبتمبر، 1974، العدد: 139 السنة الثالثة، مقابلة أجراها الكاتب مع الشاعر اليمني عبد الله البردوني.

(2) الإنسان ومعجزة الحياة، للكاتب التركي الدكتور خلوق نور باقي، ترجمة: أورخان محمد علي، مؤسسة الرسالة ودار النشر، 1419 ه، 1998 م، بيروت، لبنان.

وتجد أصل العبارة في كتاب "أينشتاين والنظرية النسبية"، للدكتور عبد الرحمن مرحبا، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، ص: 129.

(3) الكتاب صادر عن دار المعارف مصر العربية، ترجمة الدكتور رمسيس شحاته.

(4) مقال "هيدجر زعيم الوجودية الألمانية يطبق فلسفته في الفن"، بقلم الدكتور زكريا إبراهيم، مجلة العربي، الكويت، عدد 73 ديسمبر 1964.

التعليقات

برجاء ملاحظة انه يجب ان تتم مراجعة التعليق قبل السماح بظهوره