الرافد الرقمي ليس الوجه الآخر لمجلة الرافد فحسب بل إنه أيضا المدى الجديد للتفاعل عبر الوسائط المتعددة بما يفضي إلى اتساع المساهمات والحضور الأفقي الشامل في الزمن الثقافي العربي

رسالة الغفران ورسالة الزوابع والتوابع

د. عبدالعظيم محمود حنفي

Oct, 28 2017


رسالة الغفران ورسالة الزوابع والتوابع 

وقد أتي بعض الباحثين المحدثين وجوها من الشبه بين رسالة  التوابع والزوابع لابن شهيد وبين رسالة الغفران لابي العلاء ورأي البعض ان ابا العلاء قد حاكى ابن شهيد، وقد جعل ابن شهيد وادى الجن مسرح رسالته ، أما ابو العلاء فجعل مسرحها الجنة .وكلاهما قد عنى بإظهار ثروته اللغوية وقدرته الانشائية.

وقد ذهب احمد ضيف في كتابه بلاغة العرب في الاندلس الى ان ابن شهيد في التوابع والزوابع كان يقلد ابا العلاء في رسالة الغفران وكانت حجته في ذلك ان شهرة ابي العلاء كانت ذائعة في المشرق والمغرب و وان اهل الاندلس كانوا يقلدون المشرق في كل شيء ورجح زكى مبارك  ان ابا العلاء هو الذي حاكى ابن شهيد في رسالته ، وحجته ان رسالة ابن الشهيد كتبت قبل الغفران بنحو عشرين سنة وفق راي بروكلمان.
وفي رسالة التوابع والزوابع اشارة الى انه كتب هذه الرسالة حينما ودع نضارة الشباب وهي سؤال الاوزة له ، ما ابقت الايام منك ،ولكن بها نص اخر حمل بعض الباحثين على الاعتقاد بانه كتبها وهو شاب فقد حدثنا ان الجن قالوا له قد بلغنا انك لا تجارى في ابناء جنسك ، ولا يمل من الطعن عليك ،والاعتراض لك فمن اشدهم عليك ؟ اجاب جاران ..الخ.. واستنتج مبارك من النص انه كتب الزوابع قبل الغفران بعشرين عاما
وقالت بنت الشاطئ في كتابها عن الغفران: " ونحن في الواقع لا ننكر ان في الرسالة ما يدل على انه كتبها في شبابه ولكن هذا لا يبيح لنا بحال ان نرجع بهذا الشباب الى  بعيد العشرين  لان في الرسالة نفسها ما يدل على انه كتبها  بعد ان قطع شوطا غير قليل  في نضاله الادبي والمادي في الحياة ، ثم يبقى بعد ذلك ان ابن شهيد مات وعمره أربعة وأربعون عاما فحسب ، أي قبل أن تدركه الشيخوخة الواهنة ، فحديثه عن الشباب يمكن ان يمتد الى قريب من عهد الغفران . وبعد تحليل لقصيدته التي كتبها في السجن يمكن استخلاص ان رسالة التوابع والزوابع  كتبت بعد  414 هجرية ". وقد لحظ  بطرس البستاني  في دراسته القيمة التي قدم فيها لطبعته  وتحقيقه لتلك الرسالة قول ابن شهيد في مدخ صديقه ابي محمد حزم في الرسالة واطراء شافعياته  بقوله عنه:

قل من التأويل فيها مهندا

أخو شافعيات كريم العنصر

وراي " مدح ابن شهيد له بشافعياته ينبغي ان يكون  خلال تلك السنوات لان ابن حزم عدل  بعد ذلك عن المذهب الشافعي بعد شدة دفاعه عنه وتحول الى الظاهرية وواضح ان التوقيت الذي حدده المستشرق بروكلمانوان التقدير السليم ان الرسالة كتبت بعد سنة 414 ه وان ابا عامر حين كتبها كان قد جاوز الثلاثين وقد نضجت شخصيته ، و اكتمل ادبه فاشبع اهل عصره سخرية وتنقصا وجعل الاوزة الحمقاء تابعة لشيخ من شيوخ النحاة وقال لبغله من اخوانك من بلغ الامارة وانتهى الى الوزارة" .
ويرى احمد هيكل  : "ان رسالة ابن شهيد سبقت رسالة ابي الغلاء بنحو تسعة اعوام ، وعلى هذا يترجح تأثر ابي العلاء بابن شهيد، برغم شهرة ابي العلاء في المشرق والمغرب".

واللافت أنه لم يشر الأدباء والنقاد ومؤرخو الأدب القدامى إلى هذه المشابهة بين رسالة التوابع والزوابع ورسالة الغفران ، والواقع أن فن كتابة الرسائل المطولة كان قد شاع في القرن الرابع الهجري، مثل رسائل ابن العميد والصاحب بن عياد وابي بكر الخوارزمي، كما ظهر اسلوب الحوار وخلق الشخصيات في مقامات بديع الزمان الهمزاني، أما إرسال الحكمة على ألسنة الحيوانات فقد قدم ابن المفقع نموذجا عنها في القرن الثاني الهجري حيث قام بترجمة كليلة ودمنة ، وقد اقتصر ابن شهيد في رسالته على مناقشة مشاكل الادب والنقد وعرض أشعاره ومختارات  من رسائله،  أما أبو العلاء فأنه عنى بذكر الزندقة والملحدين ، والمتأهلين ، وأخبار الشيعة والامامية والصوفية  والباطنية والهنود والفرس وقد حمل ذلك الذهبي ان يقول عن رسالة الغفران: " وقد احتوت على مزدكة واستخفاف، كما أخذ عليه ياقوت الحموي ما سماه استلذاذه رواية اشعار الزنادقة . أما رسالة التوابع والزوابع فلم تعرض بشيء للعقائد والمعتقدات ، ولا يمكن البت  في أن ابو العلاء قد اطلع عليها وأفاد منها الا اذا ظهرت شواهد ووثائق أدبية تسند هذا الرأي وتؤيده.

التعليقات

برجاء ملاحظة انه يجب ان تتم مراجعة التعليق قبل السماح بظهوره