صراع الشعر والفلسفة

سعيد الفلاق

Oct, 28 2017

​1 ـ الفن والشعر وعلاقتهما بالمحاكاة:

يعود أفلاطون في الكتاب العاشر إلى استئناف هجومه على الشعر الذي بدأه في الكتاب الثاني والثالث، لكن الملاحظ أنه  يقدم نظريته في الفن والشعر معا، على عكس الكتابين الآخرين، كما يبدو أن نظريته في الفن لم تكن إلا تقديما لنظريته في الشعر. فلكي يفهم المحاور ويصل إلى النتيجة التي يرتضيها أفلاطون لا بد أن ينطلق معه من بيان المقصود بالمحاكاة، لذا فقد ابتدأ معه مما هو محسوس ليصل إلى ما هو تجريدي عقلي. ومع ذلك يجب أن ننتبه إلى إشارة مهمة تأتي قبل الشروع في المحاجة على حظر الشعر القائم على المحاكاة، يقول أفلاطون على لسان سقراط: "إنني أصرح برأيي هذا لكم سرا، إذ أنكم لن تشوا بي لدى شعراء التراجيديا، وبقية الشعراء الذين تقوم أعمالهم على المحاكاة". فلماذا ينبه أفلاطون محاوره جلوكون إلى ضرورية الالتزام بالسرية؟ هل يخاف من رد فعل أنصار الشعر التراجيدي أو أنه فقط يريد أن يشد انتباه المُحاور إلى ما سيأتي ذكره، لأنه غاية في السرية؟ نعرف أن إفشاء ما هو سري قد يغير  كثيرا من الأشياء التي كانت سائدة، ومتحكمة في المجتمع الإغريقي أنذاك، لهذا يبدو أفلاطون متحفظا في البداية، غير أن ما يروج في خاطره يمنعه من الاستمرار في السكوت على الوضع الجديد الذي يرى فيه بأن الشعر يؤذي الأذهان ويفسد النفوس. يتدخل جلوكون مستفهما: ما أسباب قولك هذا؟ يتردد أفلاطون قبل الجواب، فيجد نفسه، في البداية، مضطرا للعودة إلى فترة الصبا، ليؤكد على حبه واحترامه لهوميروس. لكنه ما يفتأ يعود إلى الحاضر ليقر بأنه من غير "الواجب ألا نحترم إنسانا أكثر مما نحترم الحقيقة" وعليه، فإنه سيصرح برأيه دونما خوف أو وجل، فالحقيقة تقتضي الشجاعة الفكرية، لا أن نمجد الأشخاص حتى لو كانوا مخطئين، لهذا فهوميروس، حسب أفلاطون، ليس مخطئا فقط، بل سبب في ضلال الكثيرين عن درب الحقيقة.

أـ الفن باعتباره محاكاةً:

ينطلق أفلاطون من تقديم مثال لصنع الأسِرَّة والمناضد في العالم، ويرى أن الصانع يضع صورة معينة أمام عينيه حين يصنعها، هذه الصورة ليست من صنع أي أحد، إنها صورة مثالية مجردة من إنتاج صانع الموجودات جميعا، كما أن الصورة الأولى للسرير، كما يتصورها أفلاطون، لا يوجد منها إلا نسخة واحدة. أما النجار فإنه يعمل على صنع سرير معين وفق تصوره الشخصي للسرير الذي يوجد في عالم المثل، فهو إذن يحاول أن يحاكي النموذج الأول. في حين أن الرسام باعتباره لا يمتلك مهارة النجار ولا خبرته، فإنه يحاكي عمل هذا الأخير، وهي محاكاة باهتة بالمقارنة مع محاكاة النجار القريب من الصناعة الأولى. من هنا يخلص أفلاطون إلى وضع ثلاثة أنواع من الأسِرّة:

ـ السرير الأول من صنع الله؛ وهو صانع الطبيعة الحقة للسرير؛

ـ السرير الثاني من صنع النجار؛ وهو صانع السرير الملموس؛

ـ السرير الثالث من صنع الرسام؛ وهو مقلد السرير الذي صنعه الله والنجار.

مقتضى ذلك، حسب أفلاطون، أن الرسام مخادع فقط، ولا سبيل له إلى امتلاك الحقيقة، لأن عمله يظل دوما محاكاة لعنصر بدوره يحاكي عنصرا ثالثا. إن عمله لا يتجاوز أن يكون تصويرا لمظهر بعيد كل البعد عن الجوهر حيث الحقيقة ثابتة ومتجلية.

ب ـ الشعر درجة ثالثة من المحاكاة:

إذا كان أفلاطون يقرر من خلال مثال السّرير بأن الفن القائم على المحاكاة هو فن مشوّه للحقيقة، فإن هذا ينطبق أيضا على الشعر التراجيدي الذي يقع بدوره في الدرجة الثالثة للمحاكاة، وبما أنه كذلك فلا حاجة لأفلاطون بهذا الشعر الذي يسيء إلى المدينة الفاضلة القائمة على الحكمة، وليس على التدجيل والإغواء. ومن بين القضايا التي يطرحها في هذا الموضوع نذكر ما يلي:

قضية جدوى الشعر: يرى أفلاطون أن لا جدوى ترجى من الشعر، لأنه تصوير بالكلمة دون أن تكون له القدرة على الفعل، فنحن لم نر شاعرا قد شفى مريضا أو نقل علمه إلى تلاميذ له، كما يفعل أسقلبيوس، فهم لا علم لهم بالطب، بل أقصى ما يقومون به هو محاكاة كلام الأطباء. ثم حين يتحدث هوميروس عن قيادة الحرب أو إدارة شؤون الدولة والتعليم، فهل عُرف عنه في حياته أنه قاد حربا ما، أو أدار دولة معينة، أو شرَّع قانونا. إن هذا لم يحدث، فها هي كثير من الدول تدين بالكثير لمشرعيها، مثل ليكورجوس Lycurges في أسبرطة، وخارونداس Charondas في إيطاليا وصقلية، وسولون عند الإغريق. كما أنه لم ينسب إلى الشعر اختراع بارع في الفنون أو العلم، مثلما نسب إلى طاليس أو أناخارسيس Anacharcis. بالإضافة إلى كل ذلك فإن هوميروس لم يكن مرشدا أو معلما لأحد، ولم يكن له أصدقاء مخلصين ينقلون عنه طريقته في الحياة إلى الأجيال القادمة.

وهكذا، يبدو أن أفلاطون يحاكم الشعر وينبذه انطلاقا من مقارنته بعلوم أخرى كان لها تأثير أقوى في تغيير مجرى تاريخ الكثير من الشعوب. أما الشعر، في نظره، فلم يخلف لنا آثارا، ولم يصنع حضارات، ومن ثمة فلا جدوى منه، ولا قيمة لأن نعترف به.

الشعر مصدر إغواء، لا مصدر حقيقة:

يذهب أفلاطون إلى أن الشعر التراجيدي لا يمكنه أن يسهم في تعليم البشر، أو تحسين أحوالهم، ما دام لا يستهدف غرضا شريفا أو صحيحا، وما دام قد بُنيَ في أصله على المحاكاة المزيِّفة لحقيقة الأشياء، وكما أن الرسم يخدع العين، فيجعلها تظن أن ما تراه حقيقة، كذلك الأمر بالنسبة للأذن التي تنخدع بما تسمعه من شعر سيء، ولكنها تظنه غاية الكمال. من هنا يرى أنه من اللازم التنبيه إلى هذا الأمر الخطير القادر على تخريب الدولة من الداخل. إن الشعر عنده لا يميل بطبيعته إلى المبدأ العاقل في النفس أو إلى ذلك المزاج الهادئ، لأنه يصعب عليه أن يحاكيه، في حين أنه يسهل عنده محاكاة "المبدأ الغضبي" التي يوفر مادة غنية وغزيرة للمحاكاة، فالشاعر بطبعه يميل إلى العاطفة وإلى الطابع المتقلب. هذا الجزء من النفس لا يعترف به أفلاطون، ويَعِده خسيسا، لأنه يخاطب اللذة، والجانب الغريزي والشعوري في الفرد لا الجانب العقلي الحكيم. وبذلك "يعرض العقل ذاته للدمار" انطلاقا من بث حكم فاسد في النفوس، فيجعلها أسيرة عواطفها بعيدة عن الجانب الخيّر الذي يقدمه العقل الحكيم. فضلا عن ذلك فإن الشعر التراجيدي أقصى ما يهدف إليه هو أن يحمل المتلقي على الحزن بواسطة الكلمات التي يؤلفها، فالناس هنا لا يحزنون لأنهم عانوا من الألم ذاته، بل فقط لأنهم تأثروا بمحاكاة الشاعر الفاسدة أصلا، مما يسبب الاضطراب في النفس، من ثمة فالشعر التراجيدي حسب أفلاطون "يغذي الانفعال بدلا من أن يضعفه، ويجعل له الغلبة، مع أن من الواجب قهره إن شاء الناس أن يزدادوا سعادة وفضيلة"، وعليه، فإن مهمة أفلاطون في جمهوريته هي تأمين دولته من كل مظاهر الإغراء والإغواء والألم الذي يسبّبه الشعر التراجيدي.

الشعر مجرد قوالب شكلية مخادعة:

إن السّحر الذي يفرضه الشعر على الأسماع لا يتعدى أن يكون سحرا شكليا يتحكم فيه الوزن والإيقاع، فكما أن الرسام يمكن أن يرسم إسكافيا دون أن تكون له أية معرفة بإصلاح الأحذية، فيعجب الناس البسطاء بصورة الإسكافي وبالمظاهر التي يقدمها، كذلك الحال بالنسبة للشاعر، فهو يستطيع أن يؤثر في الناس الذين "يقلون عنه جهلا" عبر الجرس الموسيقي المخاطب المثير للعاطفة. أما لو حوّلت ذلك الشعر إلى نثر لانكشفت حقيقته، يصدح أفلاطون:" فإذا ما نزعت عن الشعر قالبه الشعري، فلا شك أنك تستطيع أن تراه على حقيقته عندما يتحول إلى نثر". يبدو واضحا انتصار أفلاطون لصالح النثر، بمعنى الانتصار للفلسفة على حساب الشعر، انتصار للكلمة المنثورة على الكلمة المنظومة. فالحقيقة عنده لا تحتاج إلى وزن ولا إلى إيقاع، فحسبها أن تكون واضحة لا لَبس فيها، ولا غموض. الحقيقة إذن عند أفلاطون حقيقة عارية من أي غلاف أو لُبوس شعري يخرجها من ماهيتها وجوهرها إلى مجرد أشكال لا تخدم الحقيقة في شيء.

وهكذا نستنتج من كل ما سبق أن أفلاطون يجعل الشعر والفن محاكاة من الدرجة الثالثة، وعليه فجميع الأشياء/ العناصر التي في الكون تقوم على ثلاثة فنون أو أنواع:

فن استخدام الشيء (متعلق بالمستخدم الذي يمتلك معرفة تطبيقية بالأشياء)، فن صنعه (مرتبط بالصانع المادي)، فن محاكاته (مقترن بالشاعر أو الفنان المقلد)، وهذا الصنف الأخير من التقليد ما هو إلا لعبٌ ولهوٌ كما يقول أفلاطون

2 ـ هل يرفض أفلاطون الشعر جملة وتفصيلا؟

يظهر أن أفلاطون كان قاسيا على الشعر والفن بأن طردهما من جمهوريته الفاضلة، فعلى الرغم من اعترافه بحبه وتأثره بهوميروس إلا أنه وباسم الحقيقة يتمرد على الشعر لصالح الفلسفة. بيد أن أفلاطون لا يرفض الشعر بشكل نهائي، ففي جمهوريته متَّسع لنوع معين من الشعر، وهو الشعر التعليمي التربوي. يقول:" فلتكن على ثقة بأننا لا نستطيع أن نقبل في دولتنا من الشعر إلا ذلك الذي يشيد بفضائل الآلهة والأخيار من الناس". إن الشعر الذي يقبله أفلاطون هو ذلك المرتبط بعالم المثل حيث الآلهة، والعالم في صورته الحقة الأصيلة، والبعيدة عن كل محاكاة. أما الشعر الغنائي والتراجيدي الملتصق باللذة والألم فلا يمكنه قَبوله. لكن إذا اعتبرنا أن  الشعر فعل حر لا يقبل الحدود، وهو إنتاج ذاتي يتمازج فيه العاطفي بالموضوعي، فإن أفلاطون حسب هذا التصور الأخير ينبذ الشعر جملة وتفصيلا، فالشعر لا يجزأ، فهو إما أن يكون أو لا يكون. ومع ذلك فأفلاطون يصر بأن له استعدادا لقبول الشعر بشرط أن يثبت نفسه بأنه يستطيع أن يلتزم بمبادئ الجمهورية، وأن أثره " لا يقتصر على بعث الشرور في النفوس، بل إنه نافع للدولة وللحياة البشرية"، وبشرط أيضا أن يُقنعوا الناس بذلك نثرا لا شعرا.

إن أفلاطون لا يقدم هنا أيّ تنازل عن موقفه الأصلي الرافض للشعر، فهو لن يساوي بين الشعر والفلسفة، إذ سيظل الأول دوما مصدر كل شر، وستظل الثانية مصدر الحقيقة. وما قوله باستعداده لقَبول الشعر التراجيدي إلا تمويه لا أكثر، فها هو أفلاطون يعود في نهاية الكتاب العاشر ليؤكد " بأن من واجبنا أن نقاوم إغراء الشعر، مثلما نقاوم إغراء المال أو الجاه أو الشهرة"، لأن عامة الناس لا يدركون خطورته وسحره في إفساد النفوس.

3 ـ سقراط ومُحاوره جلوكون: ملاحظات منهجية:

يتبدى لنا أن المحاور الذي اختاره أفلاطون لجمهوريته لا يملك معرفة من شأنها أن تحاجج سقراط الحكيم، فهو يكتفي فقط بأن يسهّل عملية التحاور، ويتقبّل جل ما يقال بغير عناء، بل إنه لا يستطيع أن يعارض سقراط، لأنه مع ذاته يشعر بعقدة النقص، وبأن ما يأتيه من الأعلى هو الحقيقة المطلقة. وهكذا من خلال ملاحظتي للأجوبة الخاصة بجلوكون، أجده يكتفي بالقول: أجل ـ هذا صحيح ـ بالتأكيد ـ هذا ما يبدو ـ بلى ـ بالضبط ـ هذا صحيح كل الصحة ـ أعتقد يا سقراط أن هذا عين الصواب ـ إنني متفق معك كل الاتفاق ... إلخ إلخ. وهي كلها ملفوظات تقرّ بما يقوله سقراط، ويخدم أفكاره المناهضة للشعر والفن. فضلا عن أننا نجد تصريحا مباشرا من جلوكون حيث يقول: "هذا صحيح، ولكنّي في حضورك لا أشعر بالجرأة في الكلام، حتى لو كانت لدي فكرة واضحة عما أقول. فلتتحدث أنت إذن" وهنا نتساءل: لماذا لم يختر أفلاطون شاعرا تراجيديا، ليجعله يتناظر مع سقراط؟ كنا على الأقل سنجد تكافئا نسبيا بين الطرفين، لكن يظهر أن موقف أفلاطون من الشعر لم يكن يسمح له بإدراج مُحاور شاعر، أو مُحاور عالم. إنه إقصاء منهجي للشعر، وإقرار بمركزية الفلسفة وبأحقيتها. وإلا كيف نفسر بأنه يفرض على الشعر أن يدافع عن نفسه نثرا لا شعرا، وأن يجعله في مرتبة ثالثة من المحاكاة؟

من اللازم أن نشير إلى خاصية ثانية تميز المحاور جلوكون وهي أنه هو من يصل إلى النتيجة، فسقراط يضع أمامه آراءه ويتركه يصل بنفسه إلى القاعدة أو الخلاصة، ومن ذلك نذكر أن سقراط ما إن انتهى من تقديم نظرية المحاكاة في الفن حتى انطلق جلوكون قائلا: "وإذن فهذا يصدق أيضا على الشاعر التراجيدي، مادام مقلدا. فهو إذن، ومعه كل المقلدين، يحتل المرتبة الثالثة بالقياس إلى عرش الحقيقة".  كما نشير إلى خاصية منهجية أخرى تتحكم في سير المحاورة، وهي عملية التوليد، فسقراط يطرح القضية الأساسية، ويتدرج مع محاوره إلى النتيجة.  انطلاقا من تجزيء مضامين كبرى إلى مضامين صغرى عن طريق الحوار الذي يسهم في إحداث حركية داخل النص. ويقوم التوليد في مرتبة أولى على طرح الأسئلة، إذ يلاحظ أنها اتخذت مستويين؛ ففي البداية نجد جلوكون من يطرح الأسئلة على سقراط ( أية قاعدة؟ ـ ماذا تعني؟ ـ ما أسباب قولك هذا؟ ـ فهل تتوقع مني إذن أن أعرف ذلك؟ إلخ)، ثم في المستوى الثاني، نجد العكس؛ (ولكن ما رأيك يا جلوكون؟ ألا ترى أنه لو ... ؟ ـ ألا يكون عندئذ أشبه بوجه لم يكن جميلا...؟ ـ وهل ينطبق على المحاكاة الموجهة إلى العين، أم يصدق على كذا كذا ...؟ إلخ)

يمكن تفسير هذه الطريقة الحوارية بأن جلوكون في البداية يكون خالي الذهن يستقبل المعرفة من طرف سقراط. ولذلك فإنه يسأل ليعرف، وليفهم، ثم في مرحلة لاحقة تنقلب الأمور، والهدف من ذلك جعل جلوكون يصل إلى النتائج بنفسه دون تدخل مباشر من سقراط، كما أن أغلب أسئلته تتضمن أجوبتها، فهي إما أن تكون مغلقة (الجواب بنعم أو لا) أو تتضمن اختيارين، فيجيب المحاور بإحداها، مثل: (ـ هل ينعدم لديه الحزن، أم أنه لا يملك إلا أن يحزن، وإن كان يخفف من هذا الحزن؟ فيجيب جلوكون: ـ إن الأمر الثاني هو الأقرب إلى الصواب).

نخلص من هذه المحاورة إلى أنها تتضمن ثلاث مراحل أساسية:

أ ـ المقدمة: يهيئ من خلالها سقراط محاوره للموضوع الذي يرغب في مناقشته، ثم يحسسه بقيمته. ( تقديم موضوع هام وسري هو حظر الشعر القائم على المحاكاة)

ب ـ العرض: ويتم فيه مناقشة القضية المطروحة وتقديم الأدلة والشواهد التي تدعمها عن طريق الحوار والتوليد. (الحجج التي تؤكد مشروعية حظر الشعر)

ج ـ الخاتمة: يخلص من خلالها المتحاوران إلى نتيجة نهائية يتفقان عليها معا، وهي دائما التي يضعها سقراط. (ضرورة حظر الشعر، لأنه مناف للحقيقة).

4 ـ هل كان أفلاطون هوميريسيا دون أن يدري؟

نلحظ أكثر من مرة إعجاب وحب أفلاطون بالشاعر التراجيدي هوميروس، وهو إعجاب وحب كان في بداية تشكل شخصية أفلاطون، غير أنه مع الزمن سيتلاشى هذا الحب، وسينقلب إلى شرّ مبطن لهوميروس ولأتباعه "إنني أصرح لكم برأيي هذا سرّا" (ص334). فقد تصادم سحر هوميروس الشعري بالحقيقة الفلسفية التي يقتنع بها أفلاطون "إذ أننا ندرك ما له علينا من سحر، وكل ما في الأمر أن من الظلم كتمان أمر نؤمن بأنه الحقيقة" (ص350). فهل استطاع أفلاطون أن يتخلص من سحر هوميروس، مع العلم أن السحر يفرض نفسه بنفسه، دون أن تكون لنا القدرة على التخلص منه؟

نذهب إلى أن أفلاطون قد تأثر فعلا بهوميروس، فهو يكتب محاوراته بأسلوب شعري بعيدا عن أسلوب كتابة الكتب العلمية الجافة. كما أنه يتخذ من المحاورة إطارا عاما لكتابه،  وهذا النمط يحسب على الأدب الذي يقوم على الحوار المكثف أكثر مما يحسب على الفلسفة التي تجنح نحو الاستدلالات والقياسات المنطقية.

هكذا يبدو أن أفلاطون يختفي تحت رداء الشعر، ليعبّر به ومن خلاله عن آرائه الفلسفية.

خاتمة:

نستنتج من خلال ما سبق، أن أفلاطون ينتصر للفلسفة ضد الأدب (الشعر) والفن (الرسم)، ويجعلهما في مرتبة دنيا تبتعد عن مرتبة الفلسفة التي تلامس الحقيقة. فهما مرتبة ثالثة في سلّم المحاكاة، لذا يعمل على طردهما من جمهوريته الفاضلة. بيد أن تلميذه أرسطو سيتمرد عليه، وسيعيد الاعتبار للشّعر والفن، فضلا عن أنه سيلغي عالم المثل الذي تغنى به أفلاطون كثيرا، وذلك في كتابيه "فن الشعر" والخطابة".


 

التعليقات

برجاء ملاحظة انه يجب ان تتم مراجعة التعليق قبل السماح بظهوره