الرّجلُ الغامِض

ضيا إبراهيم اسكندر

في الأول من تشرين الثاني من عام 1981، وأثناء أدائي للخدمة العسكرية الإلزامية في العاصمة دمشق، استأجرت وأحد الزملاء غرفة في بلدة دمّر، كانت الغرفة ضمن حوش فيه مطبخ صغير وحمّام وفسحة صغيرة لا تتعدّى مساحتها خمسة أمتار مربعة، وإلى جوارها غرفة أخرى، كانت لأحد العساكر، يطلُّ عليها بين الحين والآخر، مصطحباً معه خليلته، يختلي بها مرة أو مرتين في الأسبوع.

وذات ليلة، حيث المطر ينهمر في الخارج بغزارة، محولاً الشوارع إلى أنهرٍ بعد احتباسٍ طويلٍ عانت منه العاصمة، استيقظتُ على قرعٍ خفيفٍ على الباب، قلت في نفسي قد أكون متوهماً، إذ من الصعب التمييز بين صوت المطر وهو يتكسّر على أرض الديار وبين هذه الدقات الهامسة بخجل، تريّثتُ لحظات لأتأكد.. عادت النقرات على الباب بصوت أعلى قليلاً، نهضت من فراشي وألقيتُ نظرة على رفيقي النائم إلى جانبي على السرير، ألفيته غارقاً في سُباتٍ عميق يُحسد عليه، فنومه ثقيل، وأعاني كثيراً في إيقاظه صباحاً؛ لنذهب إلى دوامنا في الثكنة العسكرية.

قبل أن أفتح الباب، وقفت أنفض غبار النعاس عن عينيّ، وإذا بالباب يُقرع مجدداً، ولكن هذه المرة بصوتٍ أعلى.

تُرى من يكون هذا الزائر في مثل هذا الوقت وفي مثل هذا الجو الماطر؟! فالمطر غزيرٌ جداً ومصحوبٌ بانخفاضٍ شديدٍ في درجة الحرارة، قلت في سرّي ربما يكون جاري العسكري (كازانوفا) كما كنا نسمّيه، يحتاج إلى شيءٍ ما، حسمتُ تساؤلاتي وأشعلت لمبة الكهرباء التي تتوسّط سقف الغرفة وفتحت الباب. لأُفاجأ برجلٍ في العقد الخامس من العمر، أصلع الرأس داكن البشرة يلمع أعلى رأسه من ضوء اللمبة، شفتاه غليظتان، دُقَّ في وجهه أنفٌ ضخم رسم الخالق فتحتَي منخريه بشكلٍ واسعٍ غير مألوف، يرتدي معطفاً طويلاً وقد بلّله المطر، وكان زفيره الأبيض يرفرف أمام وجهه من شدة البرد، وابتدرني قائلاً:
- مساء الخير.. وعفواً على الإزعاج.

أجبته والحيرة تأكلني:
- مساء النور!

- أنا جاركم الجديد، استأجرت الغرفة العلوية ظهر هذا اليوم (وأشار بيده إليها).

تذكّرت أنه يوجد درج حجري على طرف الحوش عند مدخله، يؤدي إلى غرفة صغيرة تسمى (سقيفة) بابها مقفل دائماً، ويوجد إلى جانب الغرفة باب حديدي صغير بارتفاع متر في نهاية الدرج، يؤدي إلى سطح البناء.

أجبته: أهلا وسهلا أي خدمة؟

بصوتٍ أشبه بالهمس، قال في خجل:
- الحقيقة لم أستطع النوم من شدة البرد، ولم أحسب حساب هجوم الشتاء على المدينة بهذه السرعة. لدي بعض الكراتين فرشتها على أرضية الغرفة، لكنني لا أملك غطاءً. إذا كانت لديكم بطانية إضافية يا ليت تعيروني إياها، على أن أعيدها غداً.

استحوذت الدهشة على كل حواسي، ولم أتمكن من استيعاب ما يقول؛ استئجار سقيفة، كراتين.. ما قصة هذا الرجل!؟ شعرت أن هذه الأسئلة وغيرها يمكن تأجيلها وإيلاء الاهتمام لطلبه. فكّرت أن أستضيفه ليمضي ليلته في غرفتنا، لكنني استبعدتُ الفكرة لسببين؛ أولهما أنه لا يوجد لدينا فراش زائد عن الحاجة، والسرير لا يتسع لأكثر من شخصين، والثاني أن هذا الرجل غريب، ومن السذاجة استضافته دون أن معرفة شيء عنه. وحيث إننا نتغطى أنا وزميلي ببطانيتين، فقد سارعت وأعطيته إحداهما. شكرني وصعد الدرج.

لفت انتباهي وأنا أتعقّبُ أثره، أنه، لدى وصوله إلى باب السقيفة، أخرج مفتاحاً من جيب معطفه وفتح الباب الذي كان مقفلاً بطقّتين!

وقد أثار هذا الحدث شكوكي حوله، بالإضافة إلى ارتيابي السابق.

لماذا قفل باب غرفته عندما نزل إلينا ليستعير بطانية وفي منتصف الليل؟ أليس المنطق يقول إنه يكفي إغلاق الباب للحفاظ على دفئها من أنفاسه مثلاً؟ لماذا قفل الباب إذن؟! هل يوجد شخص آخر فيها حيث قام باحتجازه وقفل عليه الباب حتى لا يهرب؟!

لم أستطع النوم ليلتها وأنا أفكر بهذا الرجل، إذ لا بد أن تكون وراءه قصة مثيرة، وهنّأت صاحبي الذي يرقد إلى جانبي، على نومه الثقيل، لأنه لم يشعر بكل ما جرى من حوار.

***

لمّا كانت مناوبتنا في الخدمة بمعدّل (يومين في الثكنة، يوم في البيت) فقد بقيت البطانية عند جارنا الجديد يومين متتاليين، ولم تبرح صورته ذهني خلالهما لحظة واحدة، وأنا أفكر به.

عندما حان موعد نزولي من الثكنة، كنت متلهفاً للوصول إلى البيت بأقصى سرعة، وما إن فتحت باب الحوش حتى ألقيت نظرة على السقيفة التي يسكنها هذا الرجل، ألفيتها مغلقة كالعادة، قادني فضولي إلى الصعود على الدرج لأستوضح فيما إذا كان ما زال موجوداً فيها أم أنه غادرها لسببٍ ما. قرعتُ بابها وأنا أصيخ السمع إلى داخلها، سمعتُ صوت حركة تشير إلى وجوده، انتظرت دقيقة، دقيقتين، لم يفتح. قرعت الباب من جديد، وإذا به يعالج القفل بطقّتين ويفتح الباب قليلاً، وقد طلَّ وجهه ولمعت إحدى عينيه من فرجة الباب.
- مرحبا يا جار، كيف حالك؟ إن شاء الله دبّرت أمورك وأحضرت المطلوب للسكن في هذه الغرفة؟
- أهلا وسهلاً.. سأعيد لكم البطانية قريباً جداً وربما غداً.

قلت له مهوّناً عليه الأمر:
- يمكنك الاحتفاظ بها يومين آخرين؛ لأن موعد نزلتي من الثكنة يصادف بعد يومين.

ووقفتُ منتظراً دعوته لي للدخول إلى غرفته بشوق، لكنه لم يحرك ساكناً وبقي واقفاً وراء الباب وبالوضعية ذاتها، وكأنه يخفي شيئاً ما داخلها، وبعد لحظة صمت قال:
- أشكرك أنك منحتني يومين إضافيين.. وغرفتي حالياً غير مجهزة لاستقبال أحد. عن إذنك.

وأغلق الباب ببطء، وبينما كنت أهبط الدرج، سمعت صوت قفل الباب بطقّتيه المعهودتين..

***

قُبيل الغروب، كنت جالساً في غرفتي، أقرأ مجلة "الحرية" الناطقة بلسان الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وكان الباب مفتوحاً لتدخل الإضاءة إليها، فهي لا تحتوي سوى على نافذة واحدة ملاصقة للباب على الجهة الجنوبية منها.

فجأةً، يُفتح باب السقيفة ويهبط منها الجار الجديد، وبيده علبة سردين فارغة، وضعها في سلّة الزبالة وألقى عليّ تحية المساء. سارعتُ إلى دعوته لتناول كأس من الشاي كنت قد أعددتها للتو. توقّف متردداً ثم اتجه نحوي بتؤدة وجلس يشرب الشاي.

عشرات الأسئلة تدافعت إلى مخيلتي بإلحاحٍ لجوج فانبريتُ سائلاً:
- لم أتعرّف على حضرتك بعد يا عزيزي، اسمك، شغلك، قصتك..

- اسمي نمر الريان، فلسطيني، مطلّق.. كنت أعمل نجاراً، ولكن بسبب خلاف مع المعلم صاحب المحل، تركت العمل. وحالياً بصدد البحث عن عملٍ جديد.

كنت أتفرّس به مراقباً متحرّياً دارساً كل نأمةٍ منه. قلت له:
- عمل جديد؟ تقصد مهنة أخرى؟ ماذا يمكنك أن تعمل غير النجارة؟

- أيّ شيء.. على الرغم من أن معمر القذافي أرسل في طلبي للعودة إلى ليبيا والإقامة فيها، لكن بسبب خلافي معه حول الكتاب الأخضر الذي زعم أنه من تأليفه، وبعد أن فضحته من خلال بعض المقالات والمقابلات الإعلامية.. جعلني لا آمَن جانبه فقد يغدر بي..

«يا إلهي! أنا أمام شخص مهم إذن! رجل مثقف، يصوغ كلماته بمنتهى الحرفية والثقة بالذات، ويبدو أنه يملك تاريخاً سياسياً لا يستهان به».

- وهل سبق والتقيت العقيد القذافي؟

- طبعاً، فقد مكثت في ليبيا عدة سنوات.

- وماذا كنت تعمل هناك؟

- مستشاراً لعدد من قادة الثورة.

- وكيف عدت ولماذا امتهنت النجارة؟ والسؤال الأهم، ألم تحضر معك ثروة تغنيك عن هذه المهنة، لا سيما أن الرواتب والأجور عالية هناك؟

- عملت في النجارة لأنني ورثتُ المهنة عن المرحوم والدي، أما عن ثروتي، فزوجتي أخذت كل ما أملك من دولارات وهربت مع عشيقها..

- هل لديك أولاد؟

- لديّ ابنة وحيدة متزوجة في الأردن. والآن أعتذر منك سأصعد إلى غرفتي لأخذ قسطٍ من الراحة.

«القذافي، الكتاب الأخضر، مستشار، دولارات.. سُحُب الظنون تتراكم في داخلي تجاه هذا الجار الغريب العجيب.. أيّ رجلٍ هذا؟!»

***

بعد أسبوع أعاد البطانية، وعندما سألته؛ كيف أمّن البديل، أجاب باختصار أنه أحضر بطانيتين وعازل عسكري من إحدى المنظمات الفلسطينية في المخيم.

وهكذا، كلما كان موعد نزلتي من الثكنة، أتحيّن الفرصة للقاء هذا الرجل الذي أثار فضولي بصورة غير مسبوقة. أكابد عذاب التشوق لمعرفة ما يدور في رأسه، محاولاً في كل جلسة أظفر بها معه، استجوابه لتتناسل أسئلتي باضطراد كأمواج البحر دون توقف، وتزداد معها شكوكي حول هذه الشخصية الاستثنائية الغامضة. إلى أن كوّنتُ عنه مجموعة من الانطباعات واستنبطت العديد من صفاته الشخصية:

فهو هادئ قليل الكلام، لم أره يوماً غاضباً أو منفعلاً، لم يوجّه لي سؤالاً واحداً طيلة معرفتي به، لا يبدي أي حماس تجاه أي حدث، ويعشق الوحدة. في كل لقاءاتي معه ومحاولاتي إغراءه بالمكوث طويلاً، كان يتجنب الجلسات الطويلة، ويحاول اختصارها ما أمكنه ذلك. ولا أذكر أن جلسةً معه طالت أكثر من عشرة دقائق. الفضول لديه معدوم تماماً، لا يتسرّع أبداً في إبداء رأيه، ويميل إلى الاستماع ويستغرق وقتاً للحصول على الكلام المناسب في التعبير عن رأيه.

السقيفة التي يسكنها لها نافذة صغيرة، بل الأصح تسميتها طاقة، تطلّ على الشارع العام، كنت ألمحه أحياناً وأنا قادمٌ إلى البيت، يجلس ممسكاً بقضبانها وكأنه في سجن، يراقب المارة وحركة الشارع بنظرة ساهمة.

بعد أكثر من شهر على إقامته، تذكّرت أنه لم يسألني عن اسمي! فسألته مازحاً في أحد لقاءاتنا:
- نمر، ما اسمي؟

صمت قليلاً وأجاب: لا أعلم، ثم ما أهمية ذلك؟

كنا ندعو بعض الأصدقاء مرتين أو ثلاثة في الشهر، نسهر ونعزف ونغني ونتبادل الأنخاب والنكات والطرائف.. وكنت أدعوه للانضمام إلينا، إلا أنه كان يرفض بلطف وبكلمات مقتضبة كالعادة بأنه لا يرغب بسهراتٍ كهذه.

وبعد مضيّ حوالي الشهرين، قرع بابي وطلب مني إمكانية إقراضه مبلغاً من المال على أن يسدده بعد أسبوع. كانت بحوزتي مائتي ليرة، أعطيته نصفها واغتنمت الفرصة مستغلاً حاجته لأسأله بنبرة عتاب:
- يا صديقي لم تعزمني على غرفتك ولا مرة، بصدق أتوق لزيارتك، متى ستحقق لي هذه الرغبة؟

ابتسم وهو المحصَّن ضدّ الابتسام، وأجاب:
- غرفتي صغيرة ولا يوجد فيها كرسي أو سرير أو حتى بابور كاز لإعداد الشاي.. فقط صندوقي الخشبي.

- كيف تطبخ إذن؟!

- أنا لا أطبخ، أتناول وجبة واحدة في اليوم عبارة عن علبة سردين ورغيف من الخبز..

- طيب ما قصة الصندوق الخشبي، وماذا يحوي؟

- إنك تحقق معي.. على كل حال، فيه عدة النجارة.

- وكيف ستسدد لي دينك يا صديقي؟

- ستصلني حوالة مالية من ابنتي في غضون يومين.

- وكيف عرفت؟ إذ لا يوجد لديك هاتف ولا عنوان بريد ولا..

- أخبرني أحد الأصدقاء.

- لكنك لا تغادر غرفتك إلا نادراً.. متى تلتقي أصدقاءك؟

- وهل تراقبني على مدار الساعة؟ أحياناً أخرج عندما تكون وزميلك في الثكنة.

***

هل يمكن أن يكون مطلوباً لجهة أمنية ما؟

أتراه قد ارتكب جرماً كبيراً يودي به إلى غياهب السجون في حال تم إلقاء القبض عليه؟

هل يمكن أن يكون داخل الصندوق جهاز إرسال للتواصل مع جهة أجنبية ما، يعمل لحسابها؟

أم أن أجهزة الأمن كلّفته بمراقبتي باعتباري أنتمي إلى حزبٍ معارض؟

لكن نشاطي السياسي متوقف بسبب أدائي الخدمة العسكرية. إذ يحظر على القوى السياسية – باستثناء حزب البعث الحاكم – العمل السياسي داخل صفوف الجيش السوري، إذن، فهذا الاحتمال مستبعد جداً.

هل يمكن أن يكون جاسوساً، وبالتالي ينبغي عليّ إبلاغ السلطات عنه؟

ولكن قد يكون بريئاً، وريثما يتأكدون من براءته سوف يذوق الأمرّين!

كيف بوسعه أن يقضي جلَّ وقته في هذه الزنزانة الحقيرة التي تفتقر إلى أدنى متطلبات العيش؟

من أين يأتيه المال على قلّة نفقاته؟ فهو يدخن ويأكل علبة سردين يومياً..

أصحيح أن لديه ابنة تدعمه مالياً بين الحين والآخر؟

وكيف لي أن أعرف إن كان صادقاً في إجاباته أو لا؟

يا إلهي سأجنّ، إن لم أصل إلى إجابات تطفئ لهيب تساؤلاتي.. سأموت كمداً وغيظاً إن لم أعرف سرّ هذا الرجل اللغز!

***

أكثر صفة كانت تثير اشمئزازي منه أنه يستحمّ مرة واحدة كل ثلاثة أسابيع، وطبعاً لا يملك شيئاً من مستلزمات الحمّام، ولهذا يقوم باستخدام كل وسائل الاستحمام من عندنا بما فيها الليفة والصابون. ولما كانت المدة الفاصلة بين حمّام وآخر طويلة جداً، فقد كان يخجل من نشر ثيابه الداخلية بسبب قذارتها على حبل الغسيل في الحوش، وكان لدى خروجه بعد الاستحمام، يضعها في كيس نايلون أسود ويصعد إلى زنزانته وينشرها داخلها، وقد سألته مرة؛ لماذا لا تنشر ثيابك مثلنا على حبل الغسيل فتطهرها الشمس يا نمر؟ فأجاب أنه يفضّل نشرها في غرفته.

- وهل لديك حبل غسيل فيها؟

- لا.. أنشرها على الصندوق الخشبي.

لا راديو ولا تلفزيون ولا صحف.. ومع ذلك تراه ملمّاً بالأوضاع السياسية؛ يعرف تاريخ كل القادة الفلسطينيين؛ الأحياء منهم والشهداء، وكذلك أهم الشخصيات السياسية في العالم، ويتحدّث بهدوء ولباقة وكأنه متمرّسٌ في العمل الدبلوماسي.

أذكر أنني سألته ذات مرة:
- كيف تتابع الأحداث السياسية يا نمر؟ ما أهدافك، طموحاتك، مشاريعك المستقبلية..؟ أيعقل أن تستمر بهذا الوضع الذي لا يسرّ صديقاً؟

أنهضَ كتفيه معبّراً عن لا مبالاته وأجاب وهو يهز رأسه باستخفاف:
- لم يعد لديّ رغبة في متابعة أي شيء، إن الزمن يكرر نفسه. لم يعد يدهشني أي حدث.

وبعد أن تعززت أواصر العلاقة بيننا، فقد حرصت أن أنقل عدة الشاي من الغرفة إلى المطبخ ليقوم بتحضيرها في غيابنا، وكنا ندعوه أحياناً لتناول الغداء معنا.. ولهذا زايلني التحفظ الذي كان يلازمني في أول التعارف، وأصبحت لا أتهيّب من طرح أي سؤال يخطر في بالي عليه.

ولن أنسى عندما سألته ذات مرة:
- أخي نمر، هذه العزلة التي أنت فيها، ألا تجعلك في توقٍ شديد إلى المرأة؟

- الإنسان السوي يحتاج إلى المرأة بالتأكيد، فالحياة بُنيت على الثنائيات، وهذا يشمل كل الكائنات الحية.. وأنا أعتبر نفسي سوياً.

- طيب، وعذراً لهذا السؤال، كيف تحلّ هذه المعضلة؟

فجأةً لانت قسماته كاشفةً عن تعبير ما، يشبه ابتسامة متمنعة شبه صدئة من قلة الاستعمال. وأجاب:
- كما يحلّها أي مراهق محروم من ممارسة الجنس الطبيعي..

***

في الثاني من نيسان عام 1982، وبعد مضيّ ستة أشهر على وجود نمر الريان في جيرتنا، حصلتُ على إجازتي السنوية لمدة ثمانية أيام، ذهبتُ خلالها إلى اللاذقية لزيارة أهلي. وفور عودتي إلى دمشق – دمّر، وضعتُ حقيبة السفر في غرفتي وصعدتُ الدرج لإلقاء التحية على جاري نمر، وجدتُ قفلاً جديداً (جوزة) على بابها الخشبي، ما يعني أنه غير موجود، ليس هذا وحسب، بل إن هذا القفل الجديد يشير أيضاً إلى أن حدثاً ما استدعى تغيير القفل، وكي أقطع الشك باليقين، توجّهتُ إلى المكتب العقاري الذي نقوم بدفع إيجار الغرفة له مطلع كل شهر.

عندما وصلت إليه، سألت صاحب المكتب عن سرّ تغيير قفل السقيفة بجوزة جديدة، فأجاب:
- المستأجر الذي كان يشغلها تأخر عن دفع أجرتها عدة أيام، فذهبت إليه منذ يومين لأستطلع السبب فوجدتُ باب السقيفة مفتوحاًن دفعتُ الباب ودخلت إليها، لم أجد سوى بعض الكرتونات ملقاة على أرضها، ما يعني أنه غادر دون أن يدفع الأجرة.. الله لا يسامحك، يا عادل الزفت، أكلت عليّ أجرة شهر!

قلت له مصححاً:
- عادل؟! قصدك تقول نمر الريان؟

- نمر الريان؟ لا.. اسمه عادل عباس، كما هو مسجل في بطاقته الشخصية.

يا إلهي أيّ رجل هذا!؟ حتى اسمه ليس حقيقياً وأوهمني خلال كل الأشهر الماضية أن اسمه نمر الريان!

وبقي (نمر الريان) – ولعلّه إلى الأبد - لغزاً غامضاً مستعصياً على الحلّ والتفسير.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها