الغرب وهُويته

على أي أساس تكون المرجعية؟

كريمة كطيبي


إن أروع القضايا التي تواجه كل غربي اليوم، وأخطرها شأناً، وأصعبها ليست قضية البقاء الاقتصادي، ولكنها قضية الهوية، بهذه الجملة افتتح الأمريكي ريتشارد كوك Richard Koch حديثه عن هوية الغرب، كما قال أيضاً: "نحن حيوانات اجتماعية، ونحتاج الإحساس بالهوية، وكُلّما صار المجتمع أكثر لا مركزية، وكلما صار كل واحد منا أكثر فردية، صار الإحساس بالهوية أكثر أهمية". لنرى إذن تصور ومقاربة ريتشارد لقضية هوية الغرب.



لقد اعتبر ريتشارد أن الهوية صارت متعددة، متشظية، لا مركزية، عابرة، وخاصية غربية، وهويتنا نرتّقها معاً من أنفسنا نحن بوصفنا أفراداً، لكن على مدى العقود القليلة القادمة، يحتمل أن يختار الغربيون اختياراً جماعياً واحداً من بين أشكال الهوية المهيمنة الآتية:
- التراجع إلى العديد من الأشكال المحلية المحضة، والأشكال الشخصية المحضة من الهوية، دون أي إحساس سائد أوسع من المجتمع.
- الإحساس بالهُوية المحلية والشخصية، المقرون مع إحياء الهوية القومية، مثل الأمريكيين، والألمان، والأستراليين.
- الإحساس بالهوية المحلية والشخصية، المقرون مع رأي يرى أننا دوليون مواطنون للعالم.
- الإحساس بالهوية المحلية والشخصية والقومية، مع إدراك عام بأننا مواطنو الغرب بهوية، ومصالح مشتركة مهمة.

وهنا يتساءل ريتشارد: هل ستصير الهوية الغربية خليطاً بلا معنى، مشخصناً؟ وهل القومية في الغرب بدأت ترفع رأسها البغيض مرة ثانية؟ وهل ستحدد أمريكا وأوروبا خلافاتهما وتقيمانها؟ وهل يجب علينا أن نسعى إلى اسم عام لهوية العالم؟ أو هل الهوية الغربية تمتلك حقاً رنيناً للمستقبل؟ وقد علق على ذلك قائلاً: "نحن نعتقد، أن أي نتيجة عدا الأخيرة، سوف تجعل من غير المحتمل للغربيين أن يتابعوا الاستمتاع بالسلام، والازدهار والمجتمع والتمدن تمدناً عريضاً. إن تيارات الهوية المعاصرة تتحرك كالدوامة وتتموج، وتستطيع بسهولة أن تغمر حياة الغرب المحرّزة من المكاره تحت الماء، ونحن نستطيع أن نرى كلا من الخطر والفرصة بمساعدة رسم الكيفية التي حصلت بها أفكار أوروبا، وأمريكا، والغرب، وإلى أي مدى تبقى هذه الأفكار قابلة للحياة في عصر التقط لنفسك هوية".
 

فكرة أوروبا

إن فكرة أوروبا حسب ريتشارد جاءت من فكرة العالم المسيحي، ففي أواخر القرن السابع عشر حل لفظ أوروبا محل العالم المسيحي، ومع حلول القرن الثامن عشر، كان الثناء على أوروبا هو الصحيح في دوائر التنوير الصحيح سياسياً، وصارت فكرة أوروبا مرتبطة مع العديد من القضايا التقدمية، من بينها فكرة التسامح الديني، والسلام الشامل، والتوحيد السياسي لأوروبا. فالفكرة إذن لم تعد مقتصرة على واقع جغرافي، ولكن رؤية شاملة، رؤية مجتمع متدن، متسامح مسالم، بل ومؤسس على المعرفة العلمية والتقدمات الثقافية.
 

فكرة أمريكا

يرى ريتشارد أن الهوية الأمريكية مرتبطة ارتباطاً ثقيلاً مع المعتقد السياسي الذي يعلن المساواة وفردية الأمريكيين الأحرار، لقد صارت الهوية القومية الأمريكية فائقة الأهمية بالنسبة إلى معظم الأمريكيين. وقد حدد العالم السياسي غونار ميدرال العقيدة الأمريكية بوصفها مكونة من الكرامة الجوهرية للفرد الإنساني، ومن المساواة الأساسية لكل الرجال، ومن حقوق معينة في الحرية غير قابلة للنزع والتصرف بها، والعدالة والفرص المتساوية.

يتساءل ريتشارد تساؤلاً مهمّاً وهو: هل الغرب موجود فعلاً؟ ثم يجيب بأن فكرة الغرب، التي تدمج فكرة أوروبا وفكرة أمريكا، أعادت صنع خريطة العالم أثناء القرن الأخير، لكن بتكلفة ضخمة، أزالت إلى حد كبير القومية المدمرة التي كانت تهيج الأوروبيين ضد الأوروبيين، وكذلك فقد تلاشت الايديولوجيات المناوئة للغرب من النازية والشيوعية، ومن الناحية السياسية، وصل الغرب إلى مجموعة متنوعة من الأمم الأوروبية الحرة المستقلة، فهي ما زالت تحتفظ ببرلماناتها الخاصة وبهوياتها القومية، ولكنها موجودة من الناحية الاقتصادية، وإلى درجة مهمة من الناحية السياسية، وهي في سلام مع بعضها، وفي تحالف أوسع مع الولايات المتحدة. يضيف ريتشارد ملاحظة جد دقيقة، وهي: أن الحوادث السياسية تشكل الهوية لكنها لا تستطيع وحدها أن تحافظ عليها. وفي "النهاية، فإن الغرب يوجد فقط بوصفه فكرة ذات معنى إذا كان هناك مواقف ومعتقدات مهمة، ويتم التمسك به تمسكاً عميقاً، وهي تميز الغرب عن البقية".

كما يرى ريتشارد أنه إذا كانت القومية والعالمية حلّين فقيرين أو ضعيفين بالنسبة إلى الحاجة إلى أكثر من تعريف خاص للهوية، فربما كان البديل الوحيد، وبالتأكيد أكثر الحلول منطقاً، وهو الهوية الغربية، وذلك على الرغم من أن الهوية الغربية تتطلب من الأمريكيين، ومن الأوروبيين أن يخففوا من هوياتهم القومية والإقليمية المنفصلة، وإن الهُوية الغربية تمتلك خمس ميزات مقنعة لا تقاوم:
الأولى: أن الهوية الغربية قائمة على أساس من التاريخ والجغرافيا، وعلى مجموعة من الهويات القومية التي تمتلك العديد من التشابه.
الثانية: أنها تمشي مع تدفق الحوادث التاريخية، والاقتصادية والسياسية في القرن العشرين وفي الزمن الحاضر منها، توحيد أوروبا، الأهمية للتجارة داخل الكتلة الغربية، وتشابك المنظمات والأحلاف الغربية السياسية، والاقتصادية، والعسكرية.
الثالثة: أن الهوية الغربية تعكس الحقيقة الواقعة، وهي أن هناك عقلية مشتركة يشترك فيها كل الغربيين، ولا يشترك فيها غير الغربيين.
الرابعة: أن الهوية الغربية واسعة سعة كافية تجعلها تسمح بالاحتفاء بالاخلافات العرقية، والمحلية، والقومية، وبمختلف الهويات دون القومية والعابرة للقومية من الهويات الأوروبية والأمريكية، مع كونها في الوقت نفسه أيضاً قوية قوة كافية.
الخامسة: أن الهوية الغربية تمتلك محتوىً أخلاقياً واجتماعياً مادياً أساسياً، يؤكد حقيقة مجتمع مشترك له جذور جغرافية، مع تراث ثقافي ثري متمركز على المثل العليا للقيمة الإنسانية، والمسؤولية والإمكانية، وإن الهوية الغربية تسمح لكل واحد من أي انتماء سياسي، أو ديني، أو أسلوب حياة، أن يشعر أنه جزء من مجتمع مستغرق للجميع في داخله ومتسامح شامل يحتضن التنوع والفردية، ومع ذلك فهي هوية أكبر من أي فرد، وهي لذلك تساعد على أن تمنح معنى لحياة الفرد من الجنسين.

وفي الختام يؤكد ريتشارد أن الهوية مهمة، وفي القرن الماضي، أوقعت القومية ضرراً يفوق الحصر في أوروبا، أدت إلى حروب رهيبة وفي مقابل القومية الدموية، تستقر الحضارة الغربية على أفكار متشابهة جداً عن أوروبا وأمريكا، بوصفهما مجتمعين لأفراد أحرار، ورحماء، ومسؤولين، وإذا كان لهذه القيم أن تسير قُدماً، وإذا كان للمعنى الإيجابي للمجتمعات المحبة للسلام أن يحافظ عليه، فإن على مواطني الغرب أن يجدوا مكاناً في قلوبهم، وفي عقولهم للولاء للغرب، للمزيج والتحالف من أمريكا وأوروبا.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها