عرفانية اللغة في "العابرة إلى السراب"!

أشرف قاسم



في خضم أعمالها الروائية التي تمثل القضية الفلسطينية فيها حجر الزاوية، تفاجئنا الكاتبة الفلسطينية بشرى أبو شرار بمجموعتها القصصية، التي صدرت ضمن كتاب الرافد الرقمي عن دائرة الثقافة بالشارقة "العابرة إلى السراب".



وهي عبارةٌ عن مجموعةٍ من النصوص القصيرة، تقترب كثيراً من النصوص العرفانية، بلغتها الصوفية، وروحها المتقدة، المتطلعة للخلاص، تلك اللغة المتوهجة التي تقتحم بأنوارها عتمة الروح فتضيء مساحات شاسعة، وتربت على تلك الروح بأكف المواساة، والتي تبدو أحياناً لغة مبتورة، غير مكتملة الصورة، وكأنها صورة من تلك الذات الساردة في وحدتها وانفرادها، وأحلامها المبتورة تتماهى الكاتبة مع نصوصها، يبزغ الإنسان بشتى حالاته الانفعالية وتناقضاته، تتجاور شتى المشاعر الإنسانية من حب ونفور، وعشق وكره، وقرب وبعد، كل هذا تحمله لغة أشبه ما تكون بلغة العارفين من المتصوفة، أبناء الطريق، تلك اللغة الروحية المقطرة العذبة، التي تفيض رقة وشفافية:
"لي ظل غاب عني، أبحث عنه، ويبحث عني، وما بيني وبينه نحول الوقت في متاهات الروح، صمت أسمع البكاء في أنحائه، لا صوت، هي دمعات الغريبة، تلون مدارج صمت هو لي، دروب مضت بي ومضيت بها..." [ص: 8].

تندثر الهوامش في آتون المتن، ويندثر المتن في ارتقاء الهوامش، ليصيرا معاً بوتقة تحمل داخلها روح الإنسان بأحلامه وآلامه، بفرحه وحزنه، بجبروته وضعفه، ذلك الإنسان الذي هو أساس الوجود، وأسّ الحياة، ومدار الخلق والإبداع، والفكر دون فلسفة ودون ضجيج، فقط هو شيء من روح الله:
"التقيتها على هامش الوقت، ضمتني إليها، بوهج ابتسامة تهمس لي: جميل عطرك، وقد سكن أنفاسي أخذتها الطرقات بعيداً، صرت أنا والعطر والفراغ، أهمس من روح الوجع: هي لا تعرف أن هذا العطر هدية رجل سكن الغياب، ولم يبقَ لي منه إلا زجاجة عطر" [ص: 13].

تتجلى في نصوص تلك المجموعة صورة الوطن، والحب والحنين، واللوعة على فراق هذا الوطن الجريح "فلسطين"، هذا الوطن الذي يسكن قلب وروح الكاتبة، وفي تلك النصوص يتجلى انتماؤها إلى أديم هذا الوطن، فالوطن ليس مجرد مكان تحده حدود جغرافية وحسب، بل هو كل التفاصيل التي بثتها بشرى أبو شرار في ثنايا نصوصها بحرفية وصدق، تلك التفاصيل الصغيرة التي تستعيدها خلال نصوصها بألم وحسرة، فنحن نغادر الوطن مرغمين، ولكنه لا يغادرنا، تبقى أرواحنا وقلوبنا معلقة به، نقاسي آلام الغربة، ونتجرع كؤوس الفراق، فيشدنا الحنين إلى أوطاننا، ومرابع طفولتنا، وتفاصيل ذكرياتنا: "لي مدينة لها سور قديم، هناك أنا، حيث تركت مطارح أقدامي على عتبة "باب العامود"، على بوابات القدس طيرت جدائلي، ولم تعدها الريح لي، هناك تسكنني ألف مدينة ومدينة، من يعيدني؟ من يعيدني"؟ [ص: 33].

يلعب الرمز كذلك دوراً مهماً في هذه النصوص، ولكن الكاتبة لا تغرق في الرمزية والغموض، ولكنه الرمز الموحي الدال على معان روحية ووجدانية، الحامل لرسالتها لفلسفة الوجود الإنساني، من خلال سياقات فنية متعددة، ذات أبعاد مختلفة، جوهرها الإنسان، وماهيتها مأساة اغترابه في هذا الوجود، وربما هذا هو ما حدا بالكاتبة إلى اللجوء إلى اللغة العرفانية المتصوفة؛ لأنها أكثر سعة ورحابة في التعبير عن شتى المتناقضات، من فرح وحزن، وحياة وموت، وغير ذلك:
"أفتح خزانتي، رفوف على سكونها وملابس لاذت إلى سكونها، في ركن منسي قميص نومي بلون وردات النهار، انتشلته من عزلته، وردة رقيقة ما زالت تسكن حوافه، هل أعود من جديد وأحب قميص نوم أذابه النسيان، في كف يدي قارورة عطر، قميص نومي يتنفس عطري، صرت أنا القادمة من روح وردة" [ص: 25].

كما أنّ هذه النصوص التي ضمتها تلك المجموعة، والتي تربو على الخمسين نصاً، والتي جاءت في أربعين صفحةً فقط، ما هي إلا لقطات التقطتها عين الكاتبة، من خلال كادرها الخاص؛ وكأنها تقبض على تلك اللحظات، كي لا تهرب من إسار الزمن، بغية توثيقها؛ لذا جاءت غالبية تلك النصوص قصيرة مكثفة في عدة أسطر، لاعتماد الكاتبة على التكثيف الدلالي، من خلال الجمل القصيرة/المبتورة/ ذات الإيحاء، والتي تختزل اللحظة، وتترك للمتلقي فسحة لخياله ليكمل أبعاد تلك اللحظة، ومن هنا جاءت نصوصها مصفاة، بعيدة عن الحشو اللغوي.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها