مستقبل العالَم في عصر التطور التكنولوجي؟!

جفال فريد

لم يصبح العالم قرية صغيرة ولا شاشة صغيرة بمجرد الصدف، بل حدث ذلك بفضل مجهودات المعاهد العلمية التي يشرف عليها علماء كبار في شتى التخصصات. وهذا ما يؤكد واقعنا، إذ كل مرة نسمع عن اختراع جديد، لم تكن عقولنا تتصور أنه سيحدث يوماً ما، انطلاقاً من هذا الموضوع نتوقف مع باحثين كبار وتصورهم لما سيكون عليه العالم في الخمسين سنة المقبلة.

 



مارتن ريز: التحديات الكونية، هل نحن وحدنا؟ وأين؟

يرى مارتن أنه لا يتمثل التحدي الاستكشافي الأهم في الخمسين سنة المقبلة في العلوم الطبيعية، ولا في علم الأحياء (الأرض) بل يتمثل يقيناً في البحث عن أدلة تؤكد أن تنفي وجود مخلوقات ذكية خارج الكرة الأرضية. ففي اعتقاده أنه بحلول سنة 2050، ستكون مفاجأة إن لم نفهم كيف بدأت الحياة على الأرض، سنكون قادرين –حتى دون أدلة خارج أرضية مباشرة– على تفسير نشوء حياة من نوع أساسي ما على أسطح الكواكب الأخرى، ولكن هذا حسب مارتن يترك سؤالاً آخر مفتوحاً يمكن أن تتبين صعوبة الإجابة عنه وهو: لو أن حياة بسيطة نشأت، فما احتمالات عدم تطورها إلى شيء ندركه على أنه ذكي؟
لا أحد يتوقع الآن وجود حياة متقدمة في مكان آخر في مجموعتنا الشمسية، ولكن شمسنا مجرد نجم واحد من مليارات النجوم في مجرة الطريق اللبني وحدها، هنا يتساءل مارتن أيمكن للكواكب التي تدور في فلك النجوم أن تؤوي صور حياة أكثر تشويقاً وإثارة للاهتمام من أي شيء نجده على المريخ؟ بل هل يمكن أن تكون مأهولة بكائنات يمكننا أن نعدها ذكية؟ هذا الأمر يحتاج إلى بحث صعب ولا يمكن عده من الخيال العلمي. يؤكد مارتن لو أن هناك كائنات في كوننا –ربما- تفهم وتغلف جوانب الواقع بطريقة مختلفة تماماً عن الطريقة التي تفعل بها عقولنا ذلك، ولكن إذا حدث في أي وقت أن حققنا اتصالاً، فإننا سنضمن مصلحة واحدة مشتركة. وسوف تكون هذه الكائنات مخلوقة من ذرات مماثلة، وستخضع للقوانين الفيزيائية نفسها. فإذا كان لها عيون، ولديها سماوات صافية؛ فإنها ستحدق في مشهد النجوم والمجرات ذاته كما نفعل نحن، فجميعنا ترجع نشأته إلى أصل واحد، هو انفجار كبير حدث منذ حوالي 13 مليار سنة.
 



مارك دي هاوزر: عقول يمكن استبدالها

تأمل الغرائب التالية: دجاجة زرع في مخها قطعة مخ سمّان، تحني رأسها كسمّانة، ولكنها تصيح كدجاجة. رجل سبعيني مصاب بالشلل الرعاش، وقعيد كرسيه المتحرك، تزرع في مخه قطعة من مخ خنزير، فيتوجه من فوره لممارسة الجولف دون أي أثر للقطعة الخنزيرية المزروعة له. إن هذا -كما نبه إلى ذلك مارك- ليس ضرباً من الخيال العلمي بل حقيقة علمية، إذ يؤكد مارك على أنه يمكننا اليوم تبادل الأنسجة المخية، ليس فقط بين أفراد النوع نفسه بل بين الأنواع المختلفة، فبعد خمسين سنة من الآن حسب مارك سيكون هذا العلم الدقيق –أي علم الأعياء العصبي- قد أحدث ثورة في فهمنا للمخ والتلافيف المخية خلال مراحل النمو.
ومن أجل مزيد من التوضيح لموضوع عقول يمكن استبدالها، يؤكد مارك أنه يمكننا إجراء تجربة فكرية أخرى تستند إلى بعض النتائج المذهلة في دنيا علوم الأعصاب. تمكن اختصاصي علم الأحياء العصبي ميجيل نيكوليليس (Miguel Nicolelis) وزملاؤه من تسجيل تفريغ الشحنات الكهربية لمئات الخلايا العصبية (neurons) من مخ نسناس البوم (owlmonkey)، واستخدام الإشارة في تحريك ذراع روبوت (robot). يقول مارك تخيلوا أننا نستطيع تنزيل (download) إشارات الخلايا العصبية من أي حيوان، وإنشاء ما يشبه قرص صلب (hard drive)، تحتوي على أفكارها أثناء تفاعلها مع العالم. وقتها نستطيع قراءة تفكير الحيوان وهو يأكل، وينام، ويتواصل مع الآخرين.
كل هذا حسب مارك سيكون في غضون السنوات الخمسين المقبلة، إذ ستتوفر التكنولوجيا اللازمة للقيام بأمور لم يكن العقل البشري يحلم بها يوماً.




ميهالي كسيكسنتميهالي: مستقبل السعادة

إن من أهم القضايا التي ستكتسب أهمية محورية في السنوات الخمسين المقبلة تتمثل في كيفية استخدامنا لقدراتنا على التحكم في التركيب الجيني للنوع البشري، في الماضي استخدم أسلافنا طرقاً بدائية للانتخاب الوراثي بغية تحديد أنواع الأطفال الذين يعيشون حتى عمر التناسل، أما الآن حسب ميهالي فنحن أهدينا هدية يكتنفها الشك تتمثل في الوصول إلى الهدف نفسه بسلطان العلم.
يؤكد ميهالي على أنه ثمة قصة أساسية هي ما إذا كان ينبغي علينا -إن امتلكنا الوسيلة- أن نطمح إلى التوحد أم التنوع من خلال عبثنا بالجينوم البشري، سيكون الضغط في سبيل التوحد هائلاً؛ فالجميع يريد أولاداً يتسمون بالذكاء وحسن الطلعة والطموح والنجاح. أما التنوع فهو خطير. فمن ذا الذي يريد الرهان على المجهول وشيء لم يُجرّب؟ ومع ذلك فإن حجج عالم الأحياء إي. أو. ولسون (E. o Wilson) المؤيدة للتنوع الحيوي تنطبق أيضاً على السمات النفسية. ويذهب ميهالي إلى أن احتمال وجود عرق متجانس بدرجة متزايدة ليس مروعاً لمشاعرنا الإنسانية فحسب، بل ينطوي على خطر من منظور البقاء في حد ذاته، لكن لا يمكن نفي ذلك مطلقاً، فالمستقبل يحمل المفاجآت.
 



روجر سي شانك: هل سنزداد ذكاء؟

هل الذكاء مطلق؟ هل يزيد ذكاء الجنس البشري بمرور الوقـت؟ يتوقف هذا بكل تأكيد على ما نعنيه بكلمة "ذكاء" ويبقى التحدي هو الخمسين سنة المقبلة.
يتساءل روجر: ماذا يحدث عندما تكون المعلومات على الجدران؟! ويرى أن بعد خمسين سنة من الآن، سيصبح من السهل جدّاً الحصول على المعلومات بحيث يستطيع المرء أن يطرح سؤاله بصوت مرتفع، ليسمع رداً فورياً يأتي إليه من الجدران، المدعمة بقدر كبير من التكنولوجيا، فمعرفة ما كتبه فرويد حول الأنا الأعلى لن يعني شيئاً كثيراً عندما تستطيع الالتفات إلى أقرب جهاز وسؤاله عما قاله فرويد في مسألة ما، لتسمع فرويد (أو شخص يشبهه كثيراً في شكله وصوته) يجيبك ويذكر لك خمسة من قادة الفكر المعارضين من مختلف العصور على استعداد لعرض أفكار بديلة إذا كنت تريد الاستماع إليها ومناقشتها معهم.
فهل سيصبح المجتمع أكثر ذكاءً بفضل هذه الابتكارات؟ يرى روجر بالنسبة للقدرة الأساسية على التفكير، نجد الناس اليوم على مستوى الذكاء نفسه الذي كانوا عليه قديماً وسيظلون عليه، ولكن سلطان الكهوف الذكي، الذي كانت لديه حكمة ومعرفة محدودة بالعالم بغلته عبر الزمن، لم يكن بوسعه العمل إلا في نطاق الأدوات التي عرفها. ربما كان بذكاء الإغريق الذين جاؤوا بعده ويفهم طبيعة البشر ومؤسساتهم كما فهموها. ولكنه بالمعنى المطلق لم يكن ذكياً جداً؛ لأنه كان هناك الكثير من الخبرات التي لم يمر بها.
إلا أنه في الخمسين سنة المقبلة حسب روجر سنبدأ بفهم أن الخبرة وقدرة المرء على توسيع نطاقها هي المقياس للذكاء والحرية. سيصبح خلق الخبرة الافتراضية صناعة كبيرة، وستتحكم مثل هذه الخبرات في منازلنا، وستحل محل مدارسنا، وما نراه اليوم في الألعاب الإلكترونية وأفلام الخيالي العلمي سيكون واقعاً نعيشه.

أخيراً وليس آخراً، نقول إن العالم يحمل في طياته مفاجآت من حين إلى آخر بعضها سيبدو عادياً وبعضها سيبدو صادماً، كما حدث مع أهل الكهف، الذين لبثوا في الكهف سنين ليجدوا بعد ذلك كل شيء تغير. وتحقيق هذه المفاجآت رهين بتمويل المعاهد والمراكز العلمية، ويبقى التحدي أمام العرب كي يسيروا وفق ما يسير عليه الغرب، بغية مواكبة مستجدات التكنولوجيا المتطورة، والتي قد تستخدم يوماً ما ضد الإنسان في النزاعات والحروب.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها