خير الدين التونسي.. والحضارة الغربية!

أميرة الشناوي كيوان


تيارات فكرية عديدة شهدتها الساحة الفكرية العربية، نالتْ من الدرس والبحث ولا تزال تخضع للدراسات والتحليلات، سواء منها التيار السلفي الذي تشبث بالنصوص ولم يحد عنها أو التيار المستغرب الذي رفض الماضي بما فيه لحل مشكلات الحاضر والتيار التوفيقي الذي حاول أن يكون له من الاجتهاد نصيب بالمزاوجة بين ماضي الأمة ممثلة بتراثها والانفتاح المشروط على الحضارة الغربية، ولئن حظي أعلام من أصحاب هذا التيار بنصيب وافر من البحث والدراسة، إلا أن علماً مهماً وصاحب دورٍ بارزٍ في هذا الإطار لم يحظَ بالدرس الكافي، ونكاد نزعم أنه مغمور لا يعرفه أحد غير أهل الاختصاص.
 

خير الدين التونسي (1820- 1890) الذي مثّل نمطاً فريداً عندما ألحّ بضرورة المواجهة العربية الإسلامية للمدنية الأوروبية – هذا الرجل الذي لم ينطلق من فراغ ولم يتحدث عن نظريات، بل انطلق من معايشة حقيقية لواقع كشف ضعفه بسبب خبرته السياسية وتنقله بين كثير من المناصب الكبرى ومعرفته بالغرب واطّلاعه على سر تقدمه نتيجة لسفره وإقامته فيه.

خير الدين قدّم تصوراته الواضحة، مؤكداً على أهمية الربط بين التقدم في المجال العمراني والحرية الفردية والعدل بين الناس، غير متناس ما للتنظيمات الإدارية من دور فاعل في بناء المجتمعات.

طالب خير الدين بذلك لخوفه على العالم الإسلامي من الغرق في لجج الغرب؛ ولأنه تمعّن في أسباب تقدم الأمم واستخلص الدروس من تاريخ دول أوروبا وقارنه بتاريخ الإسلام وخاصة عندما لاحظ أن التقدم العلمي قصّر المسافة بين الدول، وأصبحت الأفكار تنتقل بسهولة ويسر إلى شعوب العالم أجمع.

يتبنى خير الدين قضية التقدم الأوروبي وإمكانية بل وضرورة الأخذ عنه مشيراً إلى خطورة النظام الاستبدادي المطلق، وضرورة استبداله بنظام مقيد بالشرع والعدل، موضحاً أن مشكلة التخلق والانهيار العمراني يمكن التغلب عليها بإيجاد نظام عصري تكون الحرية فيه شرطاً أولياً من شروط ازدهار الاقتصاد، مبيناً أن النظام الاقتصادي الرأسمالي –حسب رأيه– هو الأفضل، هذه الأفكار لم تظل حبيسة رأس خير الدين بل كافح من أجلها مستغلاً مركزه السياسي، حتى إن السلطان عبد الحميد اطلع على نظريته المعروضة في كتابه "أقوم المسالك"، ودعاه إلى الأستانة سنة (1878)، ليعينه وزيراً واستطاع خلال السنوات. (1878- 1879)، مواجهة العقبات الإدارية والسياسية والعسكرية والتصدي لها وحل الكثير منها بنجاح واضح.

كان شعار خير الدين أن التغيير يتم بالخضوع للشروط الموضوعية والذاتية للأمة؛ لأنها الطريق الذي يجيب أن يتبع في كل خطوة إذا أردنا التقدم، أما ما نشاهده من عمليات زراعة خارجية مقطوعة الجذور عن تربتها فلن تؤدي لشيء.

خير الدين واحد من الذين حملوا مشعل الإصلاح الإداري خلال القرن التاسع عشر، وقد آن الأوان أن يعرف القرّاء في كافة أمصار العالم العربي شيئاً عن مشروعه ودرجة وعيه وعميق نظرته، تركزت آراء خير الدين الإصلاحية على مجموعة عوامل لعلّ من أهمها الاهتمام بإصلاح الجيش، وضرورة استخدام الخبرات الأجنبية في غياب الخبرات الذاتية للأمة، ثم العمل على تحديث القوانين بما يمنح الحريات لكل الناس، مع التأكيد على أهمية مواجهة المشكلات المالية؛ لأن الوقوع في الديون يعني وقوع الدولة المستدينة في قبضة الاحتلال العسكري.

نشر كتاب خير الدين "أوضح المسالك" لأول مرة سنة (1868)، وفيه وضع مقدمة طويلة تعتبر أهم ما فيه، حيث وصف الدول الأوربية خلال القرن الماضي مع ملحق جغرافي وإحصائي.

ترجم الكتاب إلى اللغة الفرنسية تحت إشرافه ثم صدرت الطبعة العربية للكتاب بعد سنة من صدور الترجمة الفرنسية، ولمّا كانت المقدمة أهم ما في الكتاب فقد أعيد نشرها في تركيا باللغة العربية سنة (1876)، وترجمت إلى التركية ونشرت سنة (1878)، وإلى الإنجليزية سنة (1967)، هذه المقدمة التي لا بد لمن أراد أن يطلع على فكر خير الدين من دراستها؛ لأنها تمثل عصارة تجربته الإصلاحية، وخلاصة نظريته الإصلاحية والتي يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط عامة:
◅ أولها: أن التنمية الداخلية هي أساس الخروج من المأزق الحضاري والتخلف المادي.
◅ ثانيها: ضرورة الاقتداء بالغرب بدل أن نظل واقفين حتى يبتلعنا أو نقبل بما يمليه علينا مجبرين، وعندها لن نكون قادرين على الوقوف على أرجلنا والتفرغ لبناء ذاتنا.
◅ ثالثها: التمسك بالرابطة العثمانية واعتبارها الرباط الذي يعصم من الخضوع للغرب، حيث إن التقدم التكنولوجي هو سر تقدم أوروبا، وأننا إذا أردنا أن نقف أنداداً للغرب، فيجب أن نسير على نفس طريقه بما لا يخالف الشريعة؛ لأن التقدم والبناء من صميم الدين.

اعتبر خير الدين أن خير طريقة لتحقيق طموحاته وتنفيذها هو التعليم الذي به تتحقق الأحلام وتصبح واقعاً ملموساً، فأنشأ لذلك المدرسة الصادقية سنة (1875)، واستقدم لها أساتذة من أوروبا.

إن أهمية كتاب خير الدين، إضافة لما ذكرنا فإنه يعد أنموذجاً للإرهاصات التي عانت منها الدول المتصلة بتركيا قبل هزيمتها وتقسيم أراضيها، ووقوعها تحت الاستعمار مباشرة.

قوبل مشروع خير الدين بالرفض من بعضهم والترحيب من بعضهم الآخر والصمت من طرف ثالث، وقد تصدى إلى من يقفون أمام مشروعه، منوهاً إلى حقيقة أكيدة مفادها أن الذين يرفضون الأخذ عن الحضارة الأوروبية علماً وأساليب إدارية ومناهج سياسية يناقضون أنفسهم، ويقتفون أثر أوروبا وشعوبها في طريقة ملبسهم ومأكلهم فلماذا يرفضون الأهم ويأخذون غير الضروري، أليس ذلك دليل على تخلف وقصر نظر؟

لهذا يلاحظ متابع كتابات خير الدين وآرائه، بحثه الدائم وتنقيبه المستمر خلال سطور تاريخنا الإسلامي على ما يدعم مواقفه، ولكن المدقق في حياة خير الدين وتفاصيل مشروعه الإصلاحي، يلاحظ بوضوح انعكاس حياة خير الدين في باريس ومشاهداته ومدى تأثره بالوضع هناك على كتابته بوضوح خلال الفترة، لهذا يمكن اعتبار خير الدين أول رسول ثقافي حاول ونجح إلى درجة كبيرة في نقل بذور المجتمع الأوروبي وزرعها في تربة غريبة عنها، في المرة الأولى التي نجد فيها كلمات الوطنية والقومية تتسللان إلى القاموس الإسلامي بنفس المحددات والخلفية الفكرية الأوروبية، فالحرية على سبيل المثال يراها خير الدين منشأ سعة العرفان والتمدن في الممالك الأوروبية، ويصنفها إلى مستويات ثلاث كما في كتابه (ص: 78)، وهي شخصية وسياسية وحرية رأي، ويرى أن للحرية الشخصية آثاراً إيجابية كثيرة، مما تمخض عنه النمط الأوروبي في الاقتصاد متمثلاً بنظام المصارف، كما يمثله بنك فرنسا آنذاك.

هذا النجاح الاقتصادي مرده إلى الحرية الشخصية في الاستثمار واطمئنان الناس على أموالهم، لذلك نرى للاقتصاد الرأسمالي في تفكير خير الدين حيزاً يلتقي مع إيمانه بالحرية الشخصية التي تطلق للفرد حريته الكاملة لكسب ما يريد بالكيفية التي يريد دونما قيود أو تدخل من الدولة.

من مظاهر إعجاب خير الدين بالنمط الأوروبي ما يراه من ضرورة الأخذ بالديمقراطية الغربية التي تعتبر الوزارة مسؤولة أمام المجلس النيابي المنتخب، وهنا يلمس الباحث المدقق لفكر خير الدين خلطاً واضحاً في طروحاته، إذْ نراه في كتابه يطلب القوة للوقوف في وجه الهجمة الأوروبية مطالباً باعتماد تنظيم الجيش وتسليحه وتنظيم مصادر الثروة وتنميتها، نراه ينزلق بعد ذلك للمناداة بالتدخل في سلوك الفرد والجماعة بما يخالف أسس الحضارة العربية الإسلامية، ويجاري شروط الحضارة الغربية معتمداً الطريقة المنطقية والنزعة الليبرالية، بعيداً عن الاحتكام لمقتضيات المنهج الإسلامي، وإن أظهر تحكماً بالنصوص التراثية ومحاولة تطويعها لتخدم غرضه.

هذه النزعة المتحررة كانت المداميك الأولى، وحجر الأساس الذي اعتمد عليه فيما بعد من أتوا بعده وساروا على نهجه، واستلهموا لب نزعته الإصلاحية المشربة بالآراء والأفكار الأوروبية التي تحاول أن تكتسي بالزي التراثي، وما محاولات محمد عبده، وجمال الدين إلا أمثلة على ما نقول، هذه الحرية الشخصية التي طالب بها خير الدين، لم تكن إلا وجهاً من وجوه التمرد على الموروث، وهذه الحرية التي بدت في الظاهر فردية شخصية ذاتية، انتهت بالتخلص من الطلاق كلياً؛ لأنه حسب نظرة المدرسة الفرنسية بعيد عن العصرية ولا يقبله الذوق المتمدن.

هذه محض خطوط في فكر خير الدين وحياته، جديرة بالدراسة وتستحق أن نقف معها وقفة البصير المتأمل، خاصة وأن هذا الرجل ليس معروفاً على نطاق واسع، ومن جانب آخر؛ فإن دراسات مقارنة يجب أن تنهض لمتابعة مدى تأثر خير الدين في أفكاره بكل من ابن خلدون والماوردي، وهو ما نأمل أن يتاح لنا التعرض له لاحقاً.


 

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها