
[1]
الشِّعرُ حالةُ وعيٍ عابرٍ للزَّمانِ والمكان، وأصالتُه تكمنُ في هذا الإدراكِ الحيِّ للغةِ، العابر لزمانِها ومكانِها، وإشراطاتِ وجودِها، وتحيُّزاتها. إدراكٌ يُراد به انفتاحُ الشَّاعر على ما لمْ يتشكَّل بعد في الوعي. وحيثُ الشَّاعر هنا لا يتكرَّرُ ولا يعيدُ تدويرَ أو تكريرَ ذاتِه.
وحينَ تبلغُ الكتابةُ الشعريَّةُ هذا المقام، يغدو الشِّعرُ فيها فعلَ تحرُّرٍ منَ الشَّرط والإشراطِ، من التَّقسيم والتمييز، من التصنيفِ والأحكامِ، فيتحوَّلُ إلى حضورٍ صافٍ وإلى حالةٍ من حالاتِ الشُّهودِ والمكاشفة، حالة اشتراكٍ وجوديٍّ وكونيٍّ وحيث الكلّ، وحيث الشِّعرُ ينتظرُ الشَّاعرَ في طبقةٍ أعمق من الوعي الوجوديِّ والكونيِّ، حيثُ تتقدّمُ الرؤية العبارة، فتنسحبُ اللغة بتحيُّزاتها وإشراطاتِها فيمارس الشِّعرُ حضورَه الخفيَّ فلا يعود بحثًا عن الحقيقة بل انكشافًا لها في لحظة تجرُّدٍ تامٍّ.
[2]
الشعرُ فجوةٌ في اللغات، فجوة في الكلمات
ستراه إذا رأيتَ الفجوةَ بين الحرف والحرف، بين الكلمةِ والكلمةِ. الشِّعرُ فجوةٌ إذا رأيتَها ستضيءُ، وإن لم ترهَا ستجلبُ ذاك الإعتامَ الذي تحدثُه الكلمات، ذلك الضلالُ، وذلك القفصُ وتلك الأنقاضُ التي يجلبُها ذلك الكائنُ المقيمُ في الكلمة وليس مقيمًا في أعضاءِ الأشياء، وأعضاء الموجوداتِ، ليس مقيمًا في أعضاء "الشيء في ذاته".
الشعرُ فجوةٌ في اللغاتِ، في الكلمات، إذا رأيتَها سيتلاشى كلُّ شيء إلَّا الجمال، وحينها ستصدحُ موسيقى وغناءً، ولأوَّل مرَّةٍ سترى المضيءَ في كلِّ شيءٍ. فكلُّ شيءٍ هو ضوءٌ بذاته لمن "نسيَ الكلمات"، لمَن لمْ يعدْ مقيمًا في "عتمةِ الكلام" وعتمةِ المعنى في اللغات.
الشعرُ
أن "تفتح هُوَّة" في الكلام،
هوَّة هاوية.
والشِّعر أنْ تهوي باللغة من أعلى القمَّةِ إلى قاعِ الجحيم
كي ترى النَّسر.
.........
[3]
الشعر فن الانزلاق في غصن شجرة
فنُّ "الإنزلاق" في حبَّةِ رملٍ وفي موجةٍ، وهو أيضًا فنُّ أن تتعثَّر بجرادةٍ أو فراشةٍ، أو بطفلٍ. إنَّه فنُّ السقوط في عين قط، وفنُّ التَّدحرج من أعلى قمةٍ حتَّى آخر الريش. إنَّه فنُّ الإنزلاقِ والتَّدحرج في الأبديِّ والأزليِّ. وفنُّ الإنزلاق بالسُّؤالِ وتدحرجه باتجاه الجديد والمبتكر وما لمْ يُكتَشفْ بعد.
الشِّعرُ، لحظةُ صفاءٍ في الوعي هكذا أمارسُه روحيًّا، كحالة اختبارٍ في السُّلوك والممارسة على مستوى الحياة. وهكذا أكابدُه في الكلمات. إنَّه حركةٌ في الوعي. هو كالفنِّ دائمًا تجدُه في الجديدِ وفي "المبتكر" وفي ما لم يُنجَز بعد. إنَّ الشِّعرَ اتساعُ مساحةِ اللغة، وقدرتُها على ابتكار ما لم يُجرَّبْ.
شعرٌ يُريك إشعاعًا ما، يُسمعُكَ صوتَ تفجُّرٍ غير معهودٍ في الكلمات، وتكسُّر في "ضلوعها"، أعمدتُها تخرجُ وتتهدَّم باتجاه أعمدةٍ أخرى جديدة. شعرٌ تَخرج منه بحواس مختلفة، لم تكنْ كما كنتَ، ولم تكن كما كانَت من بعده، شعرٌ هو كلُّ الزلزلةِ، وكلُّ الرَّعشةِ، وكلُّ الدَّهشة، شعر ينفضُ الغبار عن ما تراكم و"شَوّشَ" الكثير من "الرؤية" الواعية والمدركة، والحاضرة حضورًا كاملًا ومتكاملًا على المستوى الكونيِّ. شعرٌ هو حضورُ الكلِّ في الجزء وحضورُ الجزء في الكلِّ، حضورُ الموسيقى والغناءِ في لحنٍ واحدٍ، وحضور كلِّ الرَّقص في رقصةٍ واحدة. وحضورُ رقصةِ الماء في قطرةٍ واحدةٍ. هذا هو الشِّعر وهذه وحدَها هي رقصةُ الشِّعر.