عائشة سلطان، قلمٌ ينبض بالحياة، تنسج من الكلمات عوالم جديدة مفعمة بالإبداع. هي أكثر من مجرد كاتبة، فهي صانعة لمشاعر الإنسان وتفاصيل الواقع المتراكمة في قلبها، فتُبدع لوحات سردية تأسر القارئ وتجعله يتوقف عند كل تفصيلة وكل كلمة. في عوالمها الأدبية، تتحول الحكاية إلى أكثر من مجرد سرد، لتصبح تجربة نعيشها ونشعر بها، تأخذنا بعيداً نحو فضاءات التأمل والتفكير، وتدعونا لننظر إلى الحياة بعيون مختلفة، مليئة بالأمل والحنين والصدق.
أصبحت عائشة سلطان اليوم واحدة من أبرز الأقلام الإماراتية، إذْ واظبت على كتابة عمود صحافي يومي لأكثر من ربع قرن. وهي مؤسسة ومديرة "دار ورق للنشر"، ولها عدة إصدارات أدبية، منها:

"أبجديات"، "شتاء الحكايات"، "في مديح الذاكرة"، "هوامش في المدن والسفر والرحيل"، "وخوف بارد". تمثّل الكتابة هويتها الثانية، لكنها الأقرب إلى ذاتها، فلا ترى نفسها خارج هذا العالم، ولا تستطيع التخلي عنه.
وفي حوارنا معها، تتناول الكاتبة الحديث حول المؤلفات العربية، وتسلط الضوء على الخصائص التي تميز المواهب الإماراتية الصاعدة، بالإضافة إلى دور المنصات العالمية في فتح آفاق جديدة أمام الأعمال الأدبية.
في ظل ازدهار الحركة الأدبية المحلية وبروز أسماء نسائية لامعة، وظهور جيل جديد يتسم بالجرأة وتعدد الأدوات، كيف تنظرين إلى قدرة هذا الجيل على تحقيق الاستمرارية وترسيخ حضوره في المشهد الأدبي، في ظل ما يشهده من تنوع وتفاوت في مستوى التجارِب؟
منذ أن بدأت الحركة الأدبية المحلّية تزخر بالحياة، شهدنا ازدهاراً ملحوظاً في الإنتاج الأدبي، برزت فيه أسماء نسائية لامعة من بينهن الكاتبة شيخة الناخي، وسعاد العريمي، وأمينة بوشهاب، وغيرهن الكثيرات ولا تزال الساحة تحتضن تجارب شابة ملهمة تُقرأ وتُدرس، وتُكتب عنها دراسات نقدية، خصوصاً في السنوات الأخيرة، حيث واكب انتشار دور النشر الإماراتية ظهور جيل جديد من الكُتاب والمثقفين ينتمون إلى زمن مختلف، يحملون رؤى أكثر وعياً، ويقدمون أعمالاً مبتكرة بأساليب إبداعية شابة.
هذا الجيل يتسم بالجرأة والطموح، ويتميّز بتنوع الأساليب وتعدد الأدوات، وينشغل بقضايا العصر، ويحاول مقاربتها برؤية فنية جديدة. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن بين هذه التجارب ما هو هش أو يفتقر إلى العُمق، لكن كما هو الحال في كل حركة أدبية، يبقى الجيد ويستمر، ولا يُخلّد سوى الأجود.
ما دور الحكومة والمؤسسات الثقافية في دعم الإبداع الأدبي، ولماذا يُعدّ تفاعل الكاتب مع مجتمعه مهماً؟
لا نغفل هنا عن الدور الكبير الذي تلعبه الحكومة والمؤسسات الثقافية في توفير بيئة حاضنة ومحفزة للإبداع الأدبي. فالأدب في الإمارات يحظى بدعم كبير، وهناك أسماء واعدة أصبحت أكثر إدراكاً ووعياً وتمتلك معايير انتقاء العمل الجيد.
كما أنّ الكاتب يجب أن يكون منفتحاً على مجتمعه ومتواصلاً مع جمهوره، حتى يكون على دراية بما يشغلهم من أفكار وتطلعات، وما يواجهونه من قضايا ومشكلات. من خلال هذا التفاعل، يتمكّن الكاتب من التعبير عنهم، ومشاركة همومهم، والإجابة عن تساؤلاتهم، بما يعزّز دور الأدب في خدمة المجتمع.
ما الأسس التي يقوم عليها العمل الأدبي الناجح في رأي عائشة سلطان؟
العمل الأدبي الحقيقي لا يكتمل إلا إذا استند إلى أعمدة راسخة تمنحه القيمة والجدارة التي تليق بمكانته الثقافية. ولعل من أبرز هذه الأعمدة: الفكرة أو القضية التي يتناولها الكاتب، ومدى ارتباطها بالواقع وهموم الناس.
كما يجب أن يتحلى الكُتاب الشباب بروح التمهّل وأن لا يندفعوا نحو النشر قبل إتقان أدوات الكتابة مستفيدين من تجارب الحياة ومواقفها، ومن القراءة العميقة، والاطلاع على الموروث الثقافي الزاخر، والتأمل في تجارب الأدباء الذين صنعوا لأنفسهم مكانةً مرموقة في ساحة الأدب العربي.
فالاهتمام بلغة الكتابة أيضاً أمر ضروري، فالمؤلفات تُكتب لتُقرأ في كل مكان، ولتُترجم أحياناً إلى لغات أخرى. ومن لا يدرك أهمية اللغة في هذا السياق، كمن يسير في مكانه دون أن يخطو خطوة إلى الأمام.
ما أبرز التحديات التي تواجه الأدب العربي في سعيه للوصول إلى العالمية، وما المقترحات التي يمكن أن تسهم في تعزيز حضوره خارج الإطار المحلي؟
الكاتب العربي حاضر في المشهد الأدبي العالمي من خلال أعماله وبصماته المميزة، فقد برزت أقلام أدبية رفيعة مثل نجيب محفوظ، وأمين معلوف، وربيع جابر، وأنيس منصور، ورضوى عاشور، وغيرهم ممن أسهموا في تشكيل صورة الأدب العربي الحديث.
اليوم، بدأنا نخطو بثبات على الطريق الصحيح، مع وجود الجوائز العالمية للرواية مثل "البوكر العربية"، التي فتحت نافذة جديدة أمام الإبداع الروائي المعاصر. كما أنّ هناك كتّاباً من أصول مغاربية يبدعون بلغات متعددة، ما يعكس غنى الهُوية وتعدّدها. ومع ذلك، لا تزال الحاجة ملحّة لمبادرة عربية خالصة تُعنى بترجمة الإبداع الأدبي إلى لغات العالم، وتقدمه بصدق وعمق يعكسان جوهر الثقافة العربية، ضمن رؤية مستقلة تعبّر عن الذات لا تُختزل في منظور الآخر.
كيف ترين تأثير العالم الافتراضي على عادات القراءة؟ وما الظواهر الجديدة التي برزت نتيجة هذا التأثير؟
في اعتقادي أنّ العالم الافتراضي قد شكّل منحنى إيجابيًا جديدًا في عالم القراءة، حيث أصبح الوصول إلى الإصدارات الأدبية والعلمية متاحًا أمام جمهور واسع من القرّاء بفضل المواقع الإلكترونية والمنصات المتخصصة. بعد أن كنا في السابق نبحث طويلاً بين رفوف المكتبات المحلية، أصبح بإمكاننا اليوم الوصول إلى الكتب بنقرة واحدة، والاطلاع عليها أو الاستماع إليها أو تلخيصها بواسطة أدوات الذكاء الاصطناعي التي اختصرت المسافات وكسرت الحواجز. وظهرت أيضاً ظواهر جديدة منها قنوات القراءة على منصة "يوتيوب"، يديرها شباب في مقتبل العمر لا يتجاوزون العشرين، يقدمون لمتابعيهم خلاصات معرفية وانطباعات أدبية بوسائل مبتكرة تعبّر عن علاقة جيلهم بالكتب والفكر، وتفتح نوافذ جديدة على المشهد الأدبي.
كيف يوضح النص العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والقراءة التقليدية، وما الدور الذي يُفترض أن يلعبه كل منهما في تعزيز المعرفة؟
الذكاء الاصطناعي أضاف بعداً آخر للمشهد القرائي، إذْ يعتمد عليه كثير من المستخدمين لتلخيص الكتب أو استخلاص الأفكار، أو المقارنة بين الآراء النقدية، مما فتح باباً واسعاً أمام المعرفة الرقمية. ومع ذلك فقد ساهم الانشغال المفرط بالوسائل التقنية ومواقع التواصل الاجتماعي في تقليص زمن القراءة الورقية، وأحدث فجوة عاطفية ومعرفية بين القارئ والكتاب المطبوع.
العبرة هي أن هذه الوسائط الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، ليست بديلًا عن العقل، بل معينٌ له؛ فمن أحسن استخدامها ارتقى، ومن استسلم لها ضاع في زحمة التلقّي.

ما أبرز الأنشطة التي قمت بها خلال مشاركتك في الدورة 44 لمعرض الشارقة للكتاب؟
إن مشروع الشارقة الثقافي يلامس وجدان كل مثقف إماراتي وعربي، ويحظى بتقدير كبير لما يؤديه من دور فعّال في خدمة الثقافة وتعزيز حضورها. شعرت بالفخر لحضوري المعرض حتى لو لم أكن لدي مشاركة رسمية، فأنا أعتبر نفسي "ابنة شرقية".
وقّعت خلال المعرض كتابين، أحدهما في جناح دار النشر، والآخر في ركن التواقيع، كما شاركت في جلسة ناقشت دور الإعلام في تعزيز الوعي بالقراءة والثقافة. كما حضرت حلقات النقاش التي نظمتها "استراحة معرفة"، وشاركت في فعاليات متعددة أقامتها مؤسسات وصالونات ثقافية في أيام المعرض.
في الختام؛ كيف تصفين تجربتك في كتابة القصة القصيرة، وما الفرق بين هذا الأسلوب والسرد التقليدي؟
أصف تجربتي في القصة القصيرة بأنها تجربة تأملية تتعمق في المشاعر والذات، مبتعدة عن السرد التقليدي، لتقّدم أدباً يستند إلى الحسّ والوجدان.
أما عن مجموعتي القصصية الأولى "خوف بارد"، فتتمحور حول الخوف الملازم للإنسان في كل مراحل حياته، مهما تقدّم الزمن وتطوّرت الحضارة. الخوف من المجهول والمستقبل والموت ومن ذكريات الطفولة يبقى داخلنا ولا يمكن التخلص منه تماماً، وهو ما يعيق بعض الناس عن التقدّم أو السفر. لذلك حاولتُ معالجة هذا الموضوع الإنساني المتجذّر عبر قصص متنوعة تعكس تجارب مختلفة.