فلسفة السرد في رواية "السقوط إلى أعلى" لـ فتحية النمر

د. أحمد علواني


 

فتحية النّمر روائية وقاصة إماراتية، بدأت رحلة الكتابة في مرحلة متأخرة، وعلى الرغم من ذلك فقد نبغت في الكتابة الإبداعية وخاصة الروائية، وخلال فترة زمنية وجيزة تصدرت بأعمالها السّاحة الإبداعية ليتردد اسمها كروائية ضمن كُتّاب وكاتبات الرواية الإماراتية.

ولعل أهم ما يميز "فتحية النمر" قدرتها على الإنتاج الإبداعي بغزارة، فقد صدر لها حتى الآن تسع روايات وثلاث مجموعات قصصية ومجموعة من الرسائل جاء عنوانها: "رسائل بلا عنوان"، وظاهر الرسائل سردٌ وباطنها فلسفة وجودية وأخلاقية وقضايا شتى. ولقد عنونتها داخلياً بالأوراق حتى بلغ عددها مئة وواحد بعد المئة، وكأنها تُحاكي كتاب مئة ليلة وليلة؛ لذلك كان من الأجدر أن يكون عنوانها: (مئة ورقة وورقة) بدلاً من: (رسائل بلا عنوان).

والمتابع للمنتج الإبداعي لــ"فتحية النمر" سيلحظ نوعاً من الزخم والثراء والتنوع في العطاء، ولعل أهم ما يميز إبداع "فتحية النمر" هو الجرأة في تناول قضايا المرأة داخل المجتمع الإماراتي. وفي هذه الدراسة النقدية سنعالج باكورة إنتاج "فتحية النمر" الروائي، ألا وهي روايتها الأولى "السقوط إلى أعلى"، التي صدرت في طبعتها الأولى عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة 2011، وبعد نفاد الطبعة الأولى أعادت دار الحوار بسوريا طباعتها فصدرت الطبعة الثانية 2018.

ولقد اخترنا هذه الرواية تحديداً لكونها المحطة الأولى التي انطلقت منها الكاتبة لتحلق بعدها في سماء الإبداع العربي عامة، والإماراتي على وجه الخصوص، كما أن السرد في هذه الرواية يتسم بفلسفة خاصة؛ إذ تحرص "فتحية النمر" منذ اللحظة الأولى على دفع قارئها إلى التفكير، وإثارة التشويق والتساؤل لديه، حيث قامت بتأسيس روايتها على المفارقات السردية مع قولبة وزلزلة الثوابت الاجتماعية، وذلك بطرح المسكوت عنه في المجتمع الخليجي.


وتبدأ فلسفة السرد في الرواية من المطالعة الأولى لعنوان الرواية، وهو: "السقوط إلى أعلى"، فالعنوان يتضاد ويتقابل ويتفارق مع البديهي والواقعي والمعقول جاعلاً القارئ في حالة من الغموض والحيرة والتساؤل؛ بمعنى: إذا كان الطيران والارتفاع إلى الأعلى حيث الفضاء الرحب والتحليق في السماء، فإن الهبوط والسقوط يكون إلى أسفل حيث الثبات والاستقرار على الأرض.
ومن ثمَّ فقد اختارت "فتحية النمر" عنوان روايتها بطريقة معكوسة، تتصادم مع المنطقي والمعقول لتضع القارئ منذ نظرته الأولى على عنوان الرواية أمام حيرة كبيرة وسؤال يتصادم مع العقل والمنطق والمألوف، ومفاده السؤال: كيف يكون السقوط إلى أعلى؟
وحتى يتمكن القارئ من الحصول على جوابٍ شافٍ ليخرج بعدها من حالة الحيرة التي ستزول –حتماً- بمعرفة الإجابة، فهنا لابد عليه أن يلج إلى فضاء النص؛ ليستنتج الجواب بنفسه، وذلك من خلال قصة حياة البطلة/ منى واطلاعه على فلسفتها الخاصة حول الحياة والناس.
 

:: فلسفة شخصية البطلة ::

لقد بنت "فتحية النمر" شخصية البطلة بناءً فلسفياً؛ بمعنى أن منى/ البطلة امرأة متزوجة من "عبدالله" ولديها أسرة؛ إلا أنها تقع في حب رجل آخر يسمى "عصام"، ولعل هذا الحب -خارج إطار الزوجية- يتفق المجتمع على توصيفه بكونه: (حالة من السقوط إلى أسفل)؛ في حين تراه البطلة/ منى سقوطاً إلى أعلى، ولقد تكونت هذه الفلسفة الخاصة لدى البطلة من واقع تخصصها بدراسة الفلسفة والمنطق، فلم يكن اختيارها لهذا التخصص اعتباطاً أو بوحي الصدفة، بل جاء عن رغبة واختيار، ومن ثم أكثرت "منى" من قراءة الكتب الفلسفية ودراسات الفلاسفة الفكرية، حتى «تغلغلت تلك الدراسات في أعماقها وامتزجت بها شخصيتها وفكرها، وتتوج ذلك بتخرجها بتفوق»1.

إننا كقرّاء أمام فيلسوفة لها فلسفتها الشخصية ورؤيتها الفكرية الخاصة التي ستصطدم مع رؤى المجتمع، لقد حاولت "البطلة" أن تتآلف مع زوجها/ عبدالله الذي تزوجته زواجاً تقليدياً تنفيذاً لقرارات الأهل، وأثناء الخطبة وبعد زواجهما كانت كلما حاولت الاقتراب منه زاد في الابتعاد عنها بأقواله وأفعاله فلم تنجح محاولاتها في تغييره «لم تجد لذلك حلاً سوى الإدمان على المهدئات والعقاقير، بحيث أصبحت زيارتها للطبيب النفسي جزءاً لا يتجزأ من ممارساتها الحياتية»2.

لقد قررت البطلة أن تعيش حياتها من منطلق فلسفتها الخاصة وألا تخضع للذل والاستكانة وأن تسعى للتحرر من حاضرها البائس وأن تغير حياتها التعيسة الكئيبة وتنطلق نحو حبها الجديد فترسم شباكاً لاقتناصه وتدبر الحيل للظفر به، ومن منطلق فلسفتها تبادر الرجل/ عصام مُعربة عن حبها له، وهنا يتم قولبة المألوف ثقافياً، فالمرأة هي التي تسعى مُصرحة بحبها للرجل ولا يحدث العكس.

تثور البطلة على العادات والتقاليد الاجتماعية لتخلق لنفسها قناعات خاصة وتدخل في نقاشات حادة تعرض وجهة نظرها على نحو من المصارحة والمكاشفة والبوح بما يعتمل داخلها؛ ولكن وجهة نظرها وفلسفتها تتصادم مع وجهات نظر صويحباتها اللاتي يعكسن وجهة نظر المجتمع تجاه هذا النوع من الحب، فنقرأ هذا الحوار الساخن بين: (مريم/ الصديقة) و(منى/ البطلة)، ويأتي الحوار على لسان الراوي العليم وذلك على النحو الآتي:
«تُخبر صديقتها مريم بالموضوع كله، فتعقب وسط دهشتها وتعنيفها لــ"منى":
- ما هذا الذي تتفوهين به؟ أجننت أم أن مساً من الشيطان أصابك؟
على رسلك مريم، لمَ كل هذا الهياج؟ ألست إنسانة بنظرك؟ ألا ينبض بداخلي قلب؟ ثم ما يدريك بأنني في أمس الحاجة لهذا الحب؟ أم تراك بحاجة إلى أن أزيدك من أخبار عن بؤسي وشقائي.
- أياً يكن بؤسك وشقاؤك.. أنا معكِ في أنكِ قد عانيت كثيراً، وأنا لا ألومه قدر لومي إياكِ؛ ولكن أن تعالجي الخطأ بخطيئة فهذا ما لا يمكن تصديقه»3.

تمثل فلسفة البطلة نشازاً وعبثاً وأفكاراً جنونية وذلك من منظور المجتمع، ولا سيما المجتمع النسائي الذي تمثله "مريم" والتي أغلظت لها في الرد وقالت: "أما تزالين على جنونك؟ ما الذي تنتظرينه من هذا الإنسان؟ أتظنين أنه قد يحل محل زوجك في يوم ما؟"4.
ترى "البطلة/ منى" نفسها هي الضحية المُعذبة من مجتمعها الذي فرض عليها زوجاً لا تحبه، وحرمها من حقها الطبيعي في الحب والحياة، وعندما أحبت فرض عليها مجتمعها الوصاية؛ ولكنها لا تستسلم لمجتمعها فتثور حاملة فلسفتها الخاصة متحدية الجميع، فتصرح وتبوح وتعترف بكل ما يعتمل بداخلها من مشاعر دون خوف أو وجل.

لقد تناست البطلة "منى" العادات والتقاليد الاجتماعية وعاشت في برجها العاجي بعيداً عن واقعها بكل ما تحمله من أفكار تتصادم مع مجتمعها، وسيجعلها ذلك تشعر بالتوتر والضيق ليقودها فيما بعد إلى حافة الجنون بعدما تراكمت داخلها مشاعر متضاربة ومتناقضة من: (حُب مُعلن وخوفٍ مُضمر وغيرة دفينة وقلق غامض)؛ ليثور بداخلها بركان الأسئلة، ومن ثمَّ تزداد المساحة الخطابية في السرد ليطغى تيار الوعي عبر كثافة المنولوجات الداخلية المنفتحة على أسئلة فلسفية، وجودية ودينية:
- "رباه ماذا دهاني؟ وكيف الخلاص؟"5...
- "أسأل نفسي هذه اللحظة: ماذا تريدين؟ هل كنتِ ستقومين بهذا فعلاً؟ أليس هذا بمحرم؟ ما معنى محرم أصلاً؟ كنتِ متدينة أكانت هذه حقيقة؟ أم كنتُ أظنُّ ويظنُّ غيري؟ أيوجد إنسان متدين أصلاً، وبإمكانه أن يربح مع الغواية؟ إن الجميع فشل في الاختبار الأول؟ هل أنا منحطة؟ هل أنا قذرة ولا أبالي؟ أكان ما ألبسه عمري كله مسوحاً من أجل الآخرين؟... لا أعلم من أمري شيئًا"6.
ومن الملحوظ على السرد في الرواية -وقد تجلى ذلك عبر المقطع السردي السابق- اختيار "الروائية" لنوع تقليدي من أنواع الرواة؛ إنه (الراوي العليم)، الذي يطغى على السرد ويعلو صوته على صوت الشخصية؛ ليتحول السرد إلى خطاب تقريري تقليدي مباشر وبسيط؛ لذلك غلب على السرد في الرواية الوقفات السردية، ومعروفٌ أن الوقفة السردية تعني توقف الأحداث عن النمو والتطور؛ بل إن زمن الأحداث يختفي ويتلاشى ليطغى تيار الوعي والمنولوج الداخلي وهنا تتحول لغة السرد إلى اللغة الوصفية التحليلية، والتي تفضلها "فتحية النمر" فمن خلالها تتمكن من سبر أغوار شخصية البطلة من الداخل للكشف صراحة عن: شكواها ونجواها، أحاسيسها وأفكارها، مواجعها ومواجدها.

لا تقتصر فلسفة البطلة على نفسها، بل تتحول إلى نظرة فلسفية عميقة تسبر أغوار من حولها؛ إذ تنظر "منى" إلى "سميرة العانس" نظرة فلسفية مُغايرة للنظرة المجتمعية إزاء مثل هذه الشخصية. فإذا كانت نظرة المجتمع "للعانس" نظرة تعاطف ورثاء لها؛ لأنها لم تحظ بالسعادة الزوجية، فإن "منى" ترى أن عنوستها مصدر سعادة؛ خاصة أنها لم تتورط في زواج فرضته عليها المؤسسة الاجتماعية.
 

:: رسم الشخصيات المحورية بين الجذب والطرد ::

تكتنز الرواية بالكثير من الشخصيات، فثمة شخصية رئيسة كشخصية البطلة، وثمة شخصيات ثانوية تأتي من أجل إكمال المشاهد السردية كحارس البناية والخادمة والنادل... وثمة شخصيات محورية لها أدوار وظيفية في بنية السرد وتطور الأحداث.
وهنا سنركز على شخصيتين محوريتين في الرواية، هما: (الزوج/ عبدالله) و(الحبيب/ عصام)، حيث اعتنت الكاتبة برسم هاتين الشخصيتين انطلاقاً من ثنائية ضدية تتمثل في (الطرد والجذب).
لا شك أن الشخصية الروائية تستمد جاذبيتها من مظهرها وسلطتها ولقد استطاعت "الكاتبة" أن تصور شخصية "الحبيب" تصويراً جسدياً جاذباً لتمنح بذلك القارئ قناعة ومحبة وقابلية وانجذاباً نحو هذه الشخصية؛ في حين صورت "الكاتبة" شخصية الزوج تصويراً ضدياً طارداً، فالزوج طاردٌ -من منظور البطلة- في شكله وسلوكه وأقواله وأفعاله، وكأنها أرادت أن تحقق في نفس القارئ كراهية مثل هذه الشخصية ليتماهى القارئ في كرهه مع كراهية ونفور البطلة.

أولاً: شخصية الحبيب الجاذبة

لقد رسمت "فتحية النمر" شخصية "عصام" رسماً فنياً جاذباً، فعلى الرغم من ملل البطلة/ منى حديث زوجها/ عبدالله المسائي الملل الرتيب الذي لا يتغير إلا أنها في لحظة ما تبدأ تنجذب بأذنيها لتستمع باهتمام شديد إلى حديث زوجها الجاذب لها حول "عصام"، قائلاً:
«صديقي الجديد لم أر له مثيلاً في اللطافة والظرف بين شباب هذه الأيام... شاب جميل ينفذ إلى القلب والروح بخفة ودون استئذان...
- ليس له شبيه... إنه مختلف عن الجميع»7.
تبدأ البطلة في حالة من الانجذاب إلى وصف زوجها لصديقه وهنا تُعرب عن اندهاشها طالبة منه أن يقدم المزيد من هذا الواصف الجاذب "ياه! ألهذه الدرجة؟ صفه لي"8.
إن رسم "عصام" بهذه الطريقة الجاذبة للبطلة والساحرة لعقلها يجعلها تدخل في حالة من الخدر والمتعة والرغبة في الحياة؛ بل إنها تتطلع لرؤية هذا الموصوف المُتخيَل في وجدانها والغائب عن نظرها، ليبدأ قلبها يدق له ويتعلق به، وترغب عيناها في رؤية هذا الكائن الملائكي الساحر.

ثانياً: شخصية الزوج الطاردة

إذا كانت "الكاتبة" قد رسمت شخصية "عصام"/ الحبيب شخصية جاذبة فإنها جعلت شخصية عبدالله/ الزوج على الضد، حيث افتقر "الزوج" إلى الوسامة، فعيناه بهما حول ملحوظ، كما أنه شديد البخل، ويعامل "البطلة" ببرودة حتى تصرح قائلة: "سئمتُ من معاملتك الباردة المُنفرة"9. وتمتلئ الرواية بالأوصاف الطاردة لشخصية الزوج/ عبدالله فهو "يستعد للنوم بطقوسه الرتيبة... يرمي بنفسه على هذا الفراش كجثة ويغط في نوم عميق... وسرعان ما يبدأ شخيره المقيت"10، كما أن صوته "الحاد العالي يُعيدها إلى واقعها المر"11. وهذا الزوج "كان لها بالمرصاد... تنظر إلى عينيه اللتين كانتا بلون الدم في حمرتهما، كان وجهه يتطاير منه شرر الهجوم والغيظ"12.

دلالات الأسماء

لقد اختارت "الكاتبة" أسماء شخصياتها الروائية بعناية فائقة، وذلك عندما حملت أسماء الشخصيات في الرواية مفارقة فنية بين دلالة الاسم في اللغة ومدى انطباق هذه الدلالة داخل المتن الروائي، حيث توجد مفارقة فنية بين اسم الشخصية وسلوكها السردي من خلال تتبع مسار الأحداث. وفيما يلي يمكن تحليل دلالة اسم البطلة "منى" ودلالة اسم الشخصيتين المحوريتين في الرواية وهما: "عصام" و"عبدالله".

(منى) .. يرتبط الاسم في دلالته اللغوية بأماني الإنسان وأمنيات نفسه، وبطلة الرواية منى لديها الكثير من الأمنيات والرغبات والتطلعات التي تجنح إليها وتتمنى تحقيقها؛ ولكنها تفشل في ذلك حتى وإن جاءت نهايتها الروائية ماثلة في الانعتاق والتحرر بالحصول على الطلاق، الذي يتوازى في منظورها مع الحرية إلا أنها فشلت في إيجاد الحب المنشود.

(عبدالله) .. يحمل الاسم دلالة دينية، فكلنا عبيد لله، وفي النداء ربما ننادي يا عبدالله على الشخص الذي لا نعرف اسمه، وعبدالله في الرواية هو الزوج الذي حمل صفات تقليدية طاردة لأزواج تقليديين كثر، ولاسيما صويحبات البطلة داخل مجتمع الرواية.

(عصام) .. عصام لغةً مفرد وجمعه عُصُـمٌ وأعصمة، وهو العروة أو الحبل أو الرباط الوثيق بالشيء، ولقد اختارت الروائية هذا الاسم بعناية ووظفته سردياً عندما جعلت دلالات الاسم لها علاقة بالبطلة التي تتعلق بــشخصية "عصام"؛ لتعتصم به وتلجأ إليه وتحتمي به؛ في حين تتلاشى هذه الدلالات داخل السرد لتتحول إلى سراب ووهم وغرق وهزيمة وخيبة، فقد ظنته البطلة ملاكاً مُخلصاً فوجدته تحميلات مرهقة.


الهوامش
1. فتحية النمر: السقوط إلى أعلى، دار الحوار للنشر والتوزيع، سوريا، ط 2، 2018، ص: 17.
2. الرواية، ص: 25.
3. الرواية، ص: 58.
4. الرواية، ص: 73.
5. الرواية، ص: 117.
6. الرواية، ص: 118-119.
7. الرواية، ص: 8.
8. الرواية، ص: 9.
9. الرواية، ص: 149.
10. الرواية، ص: 14.
11. الرواية، ص: 69.
12. الرواية، ص: 148.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها