شهدَ العالَم في 12 أغسطس 2026 كسوفاً استثنائياً؛ إذْ كانَ أولَ كسوفٍ يعبرُ مناطق شاسعةٍ من مختلف القارات منذ أكثرَ من قرن، وتزامن -أيضاً- مع فترة اصطفاف الكواكب. ومع ذلك؛ فإنّ كل كسوفٍ يحمل شيئاً استثنائياً وسحرياً، نراه ينعكس عبر تاريخ السّينما!
اكتشف الفن السابع في وقت مبكر جدّاً الإمكانات السردية لهذه الظاهرة الفلكية. لقد ألهمت الكسوفات الشمسية كتّاب السيناريو بهدف إثارة دهشة المشاهدين، وإعلان نهاية العالم، وإطلاق التهديدات، أو تقديم واقعية بصرية استثنائية. وإن حضورها على الشاشة يشكل قصة صغيرة لكنها مثيرة للاهتمام، ولا تقل أهمية عن تاريخ السينما.
من العرض الفلكي إلى الفانتازيا السينمائية
تظهر أولى تمثيلات الكسوف في الأفلام الصامتة، عندما كانت الصورة المتحركة نفسها لا تزال جديدة. مثال نموذجي عن ذلك هو الفيلم بعنوان "الكسوف: المغازلة بين الشمس والقمر" (1907) لجورج ميلييس. يعتبر أول فيلم روائي يصف كسوف الشمس، ويحول تفسيراً فلكياً إلى خيال فكاهي، حيث يتخذ الشمس والقمر ملامح بشرية ويتألقان في علاقة رومانسية غريبة.
بعد بضع سنوات، أصبح الكسوف جزءاً من الخيال البصري للتعبيرية الألمانية. في فيلم فريتز لانغ بعنوان "النيبلونغ" (1924)، وفيه تستحضر السماء المظلمة، وأجواء الغسق بشكل رمزي فكرة الكسوف كمؤشر للمأساة، أعاد لانغ مرة أخرى استكشاف الافتتان بالظواهر السماوية في فيلم "المرأة على القمر" (1929)، حيث تدمج مغامرة الفضاء صوراً خيالية تربط بين الظلام والأسطورة والانبهار.
كاميلوت تحت ظل القمر
لم يستغل أي مجال سينمائي الكسوف بقدر ما كانت اقتباسات رواية مارك توين "يانكي في بلاط الملك آرثر". في هذا العمل، تتوقف الظاهرة عن كونها عرضاً طبيعياً لتصبح أداة قوة أو وسيلة للهروب من موقف صعب.
وأول اقتباس ذي صلة كان فيلم "يانكي كونيتيكت في محكمة الملك آرثر" (1921)، من إخراج إيميت ج. فلين في الولايات المتحدة. يستخدم بطل الرواية معرفته بقرب الكسوف لإقناع بلاط الملك آرثر بأنه يمتلك قوى سحرية. وهكذا يصبح ظلام السماء دليلا على السلطة، بناءً على التباين بين العلم الذي يمتلكه والفكر الخرافي لمتابعيه.
ثم عاد هذا الأسلوب للظهور في اقتباس ديفيد باتلر عام 1931، ووصل إلى نسخته الأكثر شعبية في الكوميديا الموسيقية عام 1949. يستخدم الفيلم الذي أخرجه تاي غارنيت وبطولة بينغ كروسبي، الكسوف لتأسيس لحظة حاسمة في السرد. كما أنشأت الرسوم المتحركة السينمائية نسختها الخاصة في فيلم باغز باني "في بلاط الملك آرثر" (1978)، وهو إنتاج أمريكي لوارنر براذرز، حيث يستخدم أشهر أرنب في السينما نفس الحيلة لإبهار سكان كاميلوت.
التحولات، المصائر والاستعارات
على مر العقود، لم يعد الكسوف يمثل الصراع بين المعرفة والخرافة فقط، بل أصبح رمزاً للتحول الحيوي. يروي فيلم "ليدي فالكون" لريتشارد دونر (1985) قصة عاشقين يفصل بينهما النور والظلام. بعد أن تحل عليها لعنة أحد الأساقفة، تصبح الطفلة صقراً في النهار بينما يتحول هو إلى ذئب في الليل. لا يمكنهما رؤية بعضهما البعض أبداً، حتى يسمح كسوف سحري للشمس بإمكانية لقاء الاثنين في نفس الوقت في شكل بشري. تعمل الظاهرة الفلكية هنا كعائق مؤقت للقوانين التي تحكم إدانتها.
وتستخدم أفلام أخرى أيضاً الكسوف كإطار عاطفي. في الدراما بعنوان "الكسوف" (1994)، من إخراج جيريمي بوديسوا، تدور قصتها في الأسابيع التي تسبق كسوف الشمس لتعزيز تأمل شخصياتها. ويحدث شيء مشابه في فيلم "جودي برلين" (1999) لإريك مندلسون، حيث يغير كسوف طويل روتين المجتمع، ويدفع سكانه لمراجعة حياتهم.
مؤخراً، استخدم فيلم "نهاية العالم" (2006) من إخراج ميل جيبسون ظاهرة الكسوف من خلال مراسم تضحية بشرية. يفسر الكهنة المايا الظلام المفاجئ كعلامة إلهية ويغير مصير البطل. وفي عمل آخر، يحول "ملحمة الغسق: الكسوف" (2010) لديفيد سلايد، الكسوف إلى استعارة لمثلث الحب بين الشخصيات الثلاث الرئيسية: بيل، إدوارد، وجاكوب.
الظلام، الوحوش، والتهديدات الكونية
وفي جانب آخر أثبت الكسوف أنه مولد فعال للخوف. في فيلم "متجر الرعب" (1986) من إخراج فرانك أوز، تظهر نبتة فضائية على الأرض بالتزامن مع كسوف استثنائي، مما يمنح الظاهرة صدى خارقاً للطبيعة.
كما لجأ الخيال العلمي مجدداً إلى هذه الظاهرة السماوية. في فيلم ديفيد توهي "الظلام التام" (2000)، يطلق الكسوف مخلوقات قاتلة كانت مخبأة بضوء عدة شموس. لكن أكثر الأفلام رمزية في هذا الجانب هو، بلا شك، "لارا كروفت: تومب رايدر" (2001)، من إخراج سايمون ويست. يكشف الفيلم عن محاذاة كوكبية مرتبطة بكسوف شمسي بهدف البحث عن قطعة أثرية قادرة على التحكم في الزمن. وخلال معظم اللقطات، كانت فكرة الكسوف حاضرة في السرد وفي عقول الشخصيات.
وأخيراً، في الفيلم "هيلبوي" (2004) للمنتج المكسيكي غييرمو ديل تورو، يتحول هبوط الشيطان على الأرض بسبب تعويذة نازية إلى فرصة لإنقاذ العالم وفتح بوابة إلى الجحيم، وكل ذلك بسبب كسوف شمسي.
جرائم تحت سماء مظلمة:
قدرة الكسوف على تغيير إدراك الواقع جعلته أيضاً حليفاً للقصص الإجرامية والخارقة للطبيعة. في فيلم تايلور هاكفورد "دولوريس كلايبورن" (1995)، المبني على رواية ستيفن كينغ، يعمل الكسوف كخلفية لغز عائلي وجريمة قديمة.
وفي إسبانيا، يضع فيلم "فيرونيكا" (2017) من إخراج باكو بلازا الكسوف الشهير في 11 يوليو 1991 في قلب قصة رعب مستوحاة مما يسمى بـ"قضية فاليكاس"، حيث توفي مراهق بعد مشاركته في لوحة ويجا. تعمل هذه الظاهرة الفلكية في الوقت نفسه كمحفز وذروة للأحداث الخارقة للطبيعة.
متى حدث الكسوف فعلاً
وأخيراً، لم يحدث الاستخدام الأكثر إثارة للكسوف في تاريخ السينما في رواية عن هذه الظاهرة. في فيلم "باراباس" (1961)، قصة المجرم الذي عفا عنه بيلاطس البنطي بدلا من يسوع المسيح، قرر المخرج ريتشارد فليشر تصوير مشهد الصلب خلال كسوف شمسي حقيقي؛ لأن الإنجيل يقول إن "الشمس كانت مظلمة من الظهر حتى الساعة الثالثة".
تم تصوير الفيلم في 15 فبراير 1961 بالقرب من روكاسترادا في توسكانا، إيطاليا. قام مدير التصوير ألدو تونتي بترتيب الكاميرات لتسجيل الدقائق القليلة من شبه الظلام المتاح. لم يكن هناك إمكانية لتكرار القرارات أو تصحيح الأخطاء؛ وتم تصوير المشهد بعدة كاميرات، دون مؤثرات خاصة. وقدمت النتيجة شدة بصرية كان من المستحيل إعادة خلقها صناعياً في ذلك الوقت.
كانت تلك حالة استثنائية، لكن جاذبية الكسوف لا تزال حية لدى منتجي الأفلام. وبعد أكثر من قرن من ميلييس، لا تزال السينما تجد فيه مصدراً لا مثيل له للغموض والانبهار والتهديد.
***
المصدر ◂ 