البحث عن أشياء مُحزنة

عـادل عطيـة

 

كنتُ عائداً بالقطار من مدينة الثغر، عندما جلس بجانبي شاب في مقتبل العمر. عادة، عندما تكون مسافراً بمفردك؛ فإن من يجلس بجانبك هو مجرد شخص غريب. قد يظل كذلك، إلى أن تفترقا، أو تدفعك إنسانيتك إلى تجاذب أطراف الحديث معه، أو يحدث شيء ما مفاجئ، يكون سبباً في بادرة التعارف بينكما. مرّ مفتش التذاكر، فإذا بالشاب يُظهر له دفتر "المسافات"، فعرفت أنه من المسافرين يومياً، ذهاباً وإياباً، فسألته:

◦ هل تعمل في مدينة الإسكندرية؟

أنا مهندس معماري، بإحدى شركات البناء في هذه المدينة، ولكني أقطن في مدينة دمنهور. هكذا أجابني. في هذه اللحظة، كان القطار يمر على قرية صغيرة، تقع على مرمى البصر من النافذة، جذبتنا أنوار المصابيح الملونة المتماوجة، وأصوات الزغاريد، والغناء، والطرب؛ فعقّبت على مشهد العُرس الجميل، ◦ قائلاً: أليس من المثير للتأمل، أن يقيم الإنسان أفراحه، ومناسباته السعيدة في الليل!

وإذا بالشاب، ينطق بكلمات أسيفة:
وهناك من لا يجد، في ليله، حتى الأشياء المحزنة؛ ليحتفي بها!

لم أستطع أن أفهم ما قاله الشاب، وربما انزلقت كلماته هذه عن لسانه، عن غير إرادة منه؛ لأنه حاول أن يُغيّر من اتجاه الحديث. لكني تمكنت، مدفوعاً بإحساس غامض، أن أسأله، متعجباً، مندهشاً:
◦ وهل هناك من يحتفي بالأشياء المُحزنة؟

أجاب بلهجة مهذبة، تُعبّر عن احترامه لشخص مُسنّ، مثلي، لم يتمكن بعد من استيعاب ما وراء كلماته:
 كثيراً ما أقرأ على صفحات "التواصل الاجتماعي"، مثل هذه المرثيّات:
"في ذكرى رحيلكِ، كم أشتاق إليكِ يا أمي"!
"وداعاً يا أبي، حتماً سنتقابل يوماً ما في السماء"!

ويتكاثر الرثاء، بعدد الأصدقاء، الذين فقدوا من أحبائهم: عمّة أو عمّ، خالة أو خال، أخت أو أخ، زوجة أو زوج، وغيرهم. أما أنا، فلا أجد في حياتي، مثل هذه النماذج المؤلمة التي تستحق التذكّر؛ فأُمي، كانت بلا أمومة. وأبي كان بلا أبوّة. وخالتي، كانت أمي الثانية -كما يقولون-، لذلك لم تختلف عنها كثيراً: شكلاً، وموضوعاً. وخالي كان كالوالد، تماماً، كان خالياً مثله، من مشاعر الأبوّة. أما عمّتي، فكانت، تحقيقاً حرفياً، للمثل السائر: "العمّة، عقربة سامة"!

وعندما رحلوا عن أرضنا، الواحد تلو الآخر، لم أجد فيهم، ما يجعلني أحتفي بذكرى رحيلهم!

توقف القطار، وكأنه يشارك الشاب توقفه عن الكلام، وينبهه إلى لوحة المحطة التي تشير إلى مدينته. ونزل الشاب، ونزلت، من بعده، بعض الدمعات الساخنات من عيني، وكأنها تحتفي بذلك الذي يبحث عن أشياء مُحزنة!

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها