
لم يكن عبد الرحيم أبو ذكرى مجرد شاعرٍ عابر في ذاكرة الأدب السوداني، بل كان ومضةً كثيفةً من ذلك الضوء الذي يجيء سريعاً، ويغيب تاركاً خلفه أسئلةً لا تنطفئ. في حياته القصيرة، الممتدة بين عامي 1943 و1989، كتب سيرةً مشبعةً بالشغف والمعرفة، وانتهى إلى خاتمةٍ تراجيديةٍ بدت، في بعض وجوهها، امتداداً داخلياً لقصيدته نفسها.
وُلد عبد الرحيم أحمد عبد الرحيم بمدينة مروي، ثم انتقل مع أسرته إلى كوستي، حيث تشكّلت ملامح وعيه الأولى. هناك، كانت الأم هي البوصلة الخفية التي تشير إلى الكتب، وتفتح له باب القراءة بوصفها خلاصاً مبكراً من عاديّة العالم. ومن كوستي إلى خور طقت، حيث لمع اسمه طالباً مبرزاً في النشاط الثقافي، وكتب نشيده الشهير الذي ظلّ يتردّد في حناجر الأجيال، كأنما كان منذ البدء يكتب لذاكرةٍ تتجاوز فرده إلى وجدان المكان.
غير أن الرحلة الأعمق بدأت حين غادر الخرطوم إلى موسكو. هناك، في قلب التجربة السوفيتية، لم يكن أبو ذكرى طالباً فحسب، بل كان مشروع شاعرٍ يتخلّق على نارٍ أخرى: نار اللغة، والترجمة، والاحتكاك العميق بآداب العالم. نال الماجستير في اللغة والآداب الروسية، وأتبعها بدبلومٍ متميز في الترجمة، قبل أن يواصل رحلته العلمية حتى الدكتوراه، باحثاً في خصائص الترجمة عند أنطون تشيخوف.
لكن الأهم من الشهادات، أن موسكو منحته أفقاً مغايراً للرؤية. هناك، تعرّف عن قرب على أصواتٍ كبرى مثل بوشكين، وماياكوفسكي، ويسينين، وباسترناك، ولم يقرأهم بوصفهم نماذج تُقلّد، بل بوصفهم تجارب تُحاور. لذلك، لم يكن شعره صدىً لغيره، بل كان امتداداً لصوتٍ خاص، تشكّل عند تقاطع الثقافة السودانية والعربية مع الحس الإنساني الكوني.
عاد إلى السودان في مطلع السبعينيات، حاملاً هذا الثراء، فعمل بوزارة الثقافة والإعلام، وأصدر ديوانه الأول «الرحيل في الليل»، وهو عنوان يكاد يلخّص قدره كله. في تلك الفترة، انخرط في الحراك الثقافي والصحفي، وأسهم في تحرير مجلاتٍ رائدة، وكان من أوائل الذين سعوا إلى إرساء خطابٍ ثقافي حديث، يوازن بين الجمالية والمعرفة.
كان أبو ذكرى واعياً بأن الشعر لم يعد يحتمل الصيغ الجاهزة، ولا الشعارات المكرورة. لذلك، اختار طريقاً مختلفاً: أن يحدّث القصيدة من داخلها، لا بالصدام، بل بالاقتراح. اعتمد على المجاز بوصفه أفقاً للرؤية، وعلى البساطة المحكمة بوصفها شكلاً، وعلى الصدق الداخلي بوصفه جوهر التجربة. لم يكن معنيّاً بإحداث ضجيجٍ فكري، بقدر ما كان مشغولاً بخلق نغمةٍ جديدة، أكثر قدرةً على التعبير عن الإنسان في هشاشته وقلقه وأسئلته المفتوحة.
غير أن شعر أبي ذكرى، في ذروته، لا يُقرأ بوصفه تعبيراً جمالياً فحسب، بل بوصفه سيرةً داخليةً مكتوبة بلغة الرموز. ولعل قصيدتيه «الراحل في الليل» و«سعادة» تقدّمان مفتاحاً بالغ الكثافة لقراءة هذا العالم المأزوم بين توقٍ للحياة وانجذابٍ خفي إلى العدم.
في «الراحل في الليل»، يتجلّى الصوت الشعري وكأنه ينقسم على نفسه: ذاتٌ تنادي ذاتاً أخرى، أو تستدعي صورتها القادمة من مصيرٍ محتوم. إن تكرار النداء: «أيها الراحل في الليل وحيداً» لا يبدو موجهاً إلى آخر بقدر ما هو انعكاس لوعيٍ مأساويٍّ بالذات وفرادتها في العزلة. الليل هنا ليس زمناً، بل حالة وجودية، والرحيل ليس انتقالاً في المكان، بل انزياحٌ بطيء نحو العدم.
وتتصاعد هذه الرؤية عبر مفارقةٍ لافتة؛ فـ«بواكير الخريف» لا تحمل موتاً خالصاً، بل تمتزج فيها برودة الثلج بإشراق المروج، وكأن الشاعر يعيش تمزقاً بين رغبةٍ في الانبعاث وإحساسٍ عميق بالذبول. هذا التوتر بين الحياة والمحو يمنح النص كثافته، ويكشف عن روحٍ لم تعد قادرة على الاحتماء بيقينٍ واحد.
وحين يقول: «انتظرني فأنا أرحل في الليل وحيداً»، يبلغ الخطاب ذروته التراجيدية، إذْ يتحول الانتظار إلى وعدٍ باللحاق بالمصير ذاته. هنا، لا يعود الموت احتمالاً خارجياً، بل خياراً يتشكّل تدريجياً داخل اللغة، حتى يكاد يبدو امتداداً طبيعياً للتجربة الشعرية.
أما في «سعادة»، فنحن بإزاء مفارقة أكثر إيلاماً: عنوانٌ يَعِدُ بالامتلاء، ونصٌّ يتكشّف عن فراغٍ وجودي عميق. فـ«الرجل السعيد» ليس كائناً متحققاً، بل صورة مؤجلة، أو احتمالاً يُستدعى عبر الحلم. السعادة هنا لا تُعاش، بل تُتخيَّل، وتنبثق من ذهنٍ مثقل، بما يوحي بأنها مشروع لم يكتمل.
يتحرك النص بين اتساع الحلم وضيق الواقع؛ يفتح الأفق على بدايات جديدة، لكنه يعود ليقيدها بسيرة «مسافر» لا يعرف الاستقرار. فالحركة هنا ليست حرية بقدر ما هي قلق وجودي دائم. وتبلغ المفارقة ذروتها في قوله: «ليس يهم أن يعود أو لا يعود»، حيث تتلاشى قيمة العودة بوصفها رمزاً للمعنى، لتنكشف السعادة كقناعٍ شفاف يخفي تعباً عميقاً من فكرة المعنى نفسها.
بهذا المعنى، تبدو القصيدتان وجهين لحقيقة واحدة: الأولى تكشف العزلة والمصير بوضوحٍ جارح، والثانية تلتف حولهما عبر حلم السعادة قبل أن تنتهي إلى النتيجة ذاتها. وفي كلتيهما، يكتب أبو ذكرى تجربته على حافة التوتر بين الرغبة في الحياة والانجذاب إلى نهايتها.
في السادس عشر من أكتوبر 1989، أسدل الستار على حياته حين ألقى بنفسه من شرفة شقته في موسكو. لم يكن ذلك الحدث مجرد نهاية، بل بدا، في نظر كثيرين، ذروةً تراجيديةً لشاعرٍ ظلّ يكتب على حافة الأسئلة الكبرى.
يبقى عبد الرحيم أبو ذكرى صوتاً شعرياً متفرداً، سعى إلى التوفيق بين جذوره السودانية والعربية، وانفتاحه على العالم، فكتب شعراً لا يُقاس بكثرته، بل بعمق أثره. لقد عاش القصيدة حتى نهايتها، أو لعل القصيدة هي التي عاشته، حتى قادته إلى تلك الحافة التي يلتقي عندها الشعر بالمصير.