باحشوان.. حارس الذاكرة الفضية في حضرموت

خالد بلحاج

داخل منزل متواضع بمدينة سيئون محافظة حضرموت "شرقي اليمن" يحتفظ حسن عمر باحشوان بكنزٍ من ذاكرة حضرموت الثقافية، حيث حوّل إحدى غرف منزله إلى مركز ومتحف صغير يضم مئات القطع الفضية التراثية التي تروي تاريخاً طويلاً من الفن والحِرف والعادات الاجتماعية المتجذرة في المجتمع الحضرمي.

باحشوان (56 عاماً)، وهو موظف تربوي في مكتب وزارة التربية والتعليم بوادي حضرموت، لم يتعامل مع صياغة الفضة باعتبارها مجرد مهنة توارثتها أسرته عبر الأجيال، بل بوصفها إرثاً ثقافياً وإنسانيّاً يستحق الحفظ والتوثيق. فمنذ أكثر من ثلاثين عاماً بدأ رحلة جمع المشغولات الفضية القديمة وأدوات صياغتها، مدفوعاً بشغف عائلي ارتبط باسم أسرة باحشوان، إحدى أبرز الأسر الحضرمية المعروفة بصناعة الفضة والاتجار بها.

وفي عام 2010، أسس "مركز باحشوان للتراث الحضرمي"، ليكون من أوائل المراكز المتخصصة في توثيق المشغولات الفضية الحضرمية، جامعاً بين العرض المتحفي والتوثيق الثقافي.
 

كنوز فضية تحكي التاريخ:

يضم المركز نحو 300 قطعة فضية نادرة، يعود تاريخ بعضها إلى أكثر من قرنين من الزمن، إلى جانب أدوات الصياغة القديمة والحديثة، وأزياء حضرمية تقليدية مطرزة بخيوط الفضة.

وخلال جولة داخل المركز، يحرص باحشوان على تقديم شرح تفصيلي لكل قطعة، مستعرضاً دلالاتها الاجتماعية والثقافية. ومن بين أبرز المعروضات "مرية المعيشوقة"، وهي قطعة ترتبط بعادات الزواج، تُهدى للعروس اعتقاداً بأنها تمنحها القوة لمواجهة متطلبات الحياة الجديدة.

كما يضم المركز "المطل"، وهي أساور ترتديها العروس في حفلات الزفاف، إضافة إلى "الحرز" المستخدم في الرقصات الشعبية، حيث يصدر نغمات متناغمة مع إيقاع الطبول.

ولا تقتصر المشغولات الفضية الحضرمية على زينة النساء فقط، بل تشمل الرجال والأطفال أيضاً، وتحمل في كثير من الأحيان دلالات ثقافية ودينية خاصة، فيما تتميز تصاميمها بزخارف هندسية مستوحاة من طبيعة كل منطقة وعاداتها.

ومن أبرز مقتنيات المركز "الثوب الهجريني" المطرز بخيوط فضية، والذي ما يزال مستخدماً في بعض القرى الحضرمية، ويُعد من القطع النادرة وباهظة الثمن. وقد حاز هذا الثوب المركز الأول في معرض للأزياء والتراث أقيم في واشنطن عام 2008.

حضور محلي ودولي:

خلال أكثر من خمسة عشر عاماً، استقبل المركز مئات الزوار من داخل اليمن وخارجه، بينهم باحثون ومهتمون بالتراث، إضافةً إلى وفود رسمية ودبلوماسية ومنظمات دولية، ما ساهم في التعريف بالتراث الحضرمي على نطاق أوسع.

وفي مايو/أيار 2011، شارك باحشوان بمقتنيات مركزه في معرض عالمي متخصص بالعاصمة الأمريكية واشنطن، حيث لاقت المعروضات اهتماماً واسعاً من الزوار والمهتمين.

كما شارك في معارض أُقيمت في صنعاء عامي 2012 و2014، إضافة إلى فعاليات تراثية في المكلا وغيل باوزير وسيئون، إلى جانب مشاركات في عدد من الدول العربية.

جهود للتوثيق والحفاظ على الإرث:

وفي إطار اهتمامه بالتوثيق، ساهم باحشوان في إصدار كتاب كنوز من حضرموت بالتعاون مع الباحثة الأمريكية مارجوري رانسوم، بهدف توثيق التراث الحضرمي، خصوصاً ما يتعلق بصناعة الفضة التقليدية والحديثة.

ويؤكد باحشوان أن حضرموت تمتلك تاريخاً عريقاً في صناعة الحلي الفضية، التي ارتبطت قديماً بالمكانة الاجتماعية والقوة، وحافظت عليها عائلات حضرمية معروفة مثل باحشوان، حسان، العماري، باداؤود، باقطيان، وباطاهر.

ورغم القيمة التاريخية للمركز؛ فإنه يواجه تحديات عدة، أبرزها غياب الدعم الرسمي والمؤسسي، ما يحد من فرص تطويره وفق معايير متحفية حديثة.

ومع ذلك، يواصل باحشوان جهوده للحفاظ على هذا الإرث، رافضاً عروضاً مالية لبيع بعض القطع النادرة، إيماناً منه بأن هذه المقتنيات تمثل جزءاً أصيلاً من الهُوية الحضرمية والذاكرة الثقافية اليمنية.
 

الصور من صفحة باحشوان على منصة Facebook ©

 

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها