قاسم أمين.. الوجه الآخر!

د. إيهاب النجدي


تستقر صورة قاسم أمين القاضي والكاتب، والمفكر (المولود في الإسكندرية 1863، والمتوفى في القاهرة 1908م)، في التصور الثقافيّ العام، في كونه صاحب الدعوة إلى تحرير المرأة وتعليمها، ويعرفه القاصي والداني من خلال كتابيْهِ الشهيرين "تحرير المرأة"، و"المرأة الجديدة"؛ لقد وافته المنية -كما كتبت مجلة "المنار" لصاحبها الشيخ محمد رشيد رضا- و"لسانه رطب بذكر تهذيب النساء، وتمنّى مشاركة الفتيات المصريات للفتيان في محافل العلم والأدب.. يموت الرجل فيبكيه الأهل وتندبه النساء، ولكن قاسما أبكى عظماء الرجال وأقدرهم على التجلد والاحتمال".

لكن هذه الدعوة القديمة قد أسلمته إلى "سجن" البعد الواحد للشخصية الفكرية، فلا يكاد الناس يرون في حياة الرجل وكتاباته غير هذا البعد، فضلا عن أن ينعموا النظر في أبعاد أخرى في الاجتماع والإصلاح، والوطنية والتمدن، والحوار الموضوعي مع هذه الأبعاد، مع الإقرار بمركزية قضية المرأة (التعليم، والإرادة، والعمل، والتحجب) والتحرر من تقاليد العصور المملوكية والعثمانية.

وليس في وسع هذه السطور القليلات، أن تصنع هذا الصنيع كله، لكن بحسبها الوقوف عند بعض آرائه اللافتة في الوطنية والتعليم وقيم الإسلام، وهي أمور متآزرة في النسق الفكري لديه، وكما نعته دوريات عصره بوصفه "نصير المرأة المسلمة"، فقد نعته أيضاً بوصفه علمًا من أعلام "الحقوق والأخلاق، والاجتماع والفلسفة العقلية"، وبما تمتاز شخصيته باستقلال الفكر، و"جودة الرأي وصفاء الذهن وقوة الإرادة والعدل في الحكم والإخلاص للبلاد"، وفي هذه السبيل يقول قاسم: "إن الوطنية الصحيحة لا تتكلم كثيرًا، ولا تعلن عن نفسها.. عاش آباؤنا، وعملوا على قدر طاقتهم، وخدموا بلادهم، وحاربوا الأمم، وفتحوا البلاد، ولم نسمع أنهم كانوا يفتخرون بحب وطنهم، فيَحْسُن بنا أن نقتدي بهم، فنهجر القول، ونعتمد على العمل". (قاسم أمين الأعمال الكاملة، ص: 309)، وقد آثرت البدء بهذا الاقتباس، سعيًا نحو سكب الضوء المباشر على هذا الجانب، والبعد عن المقدمات العريضة، كما صنيع قاسم أمين نفسه في ردّه على الفرنسي دوق داركور صاحب كتاب "مصر والمصريون"، الصادر بالفرنسية في العام 1893م، وزعمه أن الإِسلام هو السبب الرئيس في تأخر الفكر في مصر، ففي العام التالي 1894م صدر كتاب قاسم بعنوان "المصريون" وبالفرنسية أيضًا، مواجهًا مزاعم الدوق الفرنسي، ومدافعًا عن الإسلام وقيمه السامية، التي تحث على العلم والتفكر في خلق السموات والأرض، ولم يقف تشريعه عقبة في طريق تطور العقل والتفكير الإنساني، فضلا عن مكانة العلم وأهله في الإسلام، وكيف كانت الحضارة الإسلامية مصدرًا كبيرًا استقى منه مسيحيو الغرب وطلابه، ويستند في عرض حججه على عدة أمور، منها إسهام المسلمين في ركب العلوم والفنون والصناعات، من خلال علمائها ومفكريها عبر العصور، والتي تضم آلافا من أسماء العظماء في شتى المجالات، حيث "لم يحُل الإسلام بينها وبين التضحية بحياتها في الدراسة، والبحث عن الحقيقة".

ومنها الاستناد إلى الواقع والمواجهة بالأسئلة المنطقية: "وإنني أتساءل: إذا كان الإسلام لم يقف حجر عثرة في طريق تقدم العلوم والفنون خلال قرون عديدة، فما الذي يجعله اليوم يصبح كذلك"؟

ومنها النصوص الدينية (القرآن الكريم والأحاديث النبوية)، التي تأتي سندًا أصيلا في هذه المواجهة الفكرية الرصينة، فإذا كانت لا توجد كلمة واحدة في القرآن الكريم وهو أساس دين المسلمين، تُصوّر العلم في صورة غير لائقة؛ فإن القارئ الغربيّ للقرآن يدهش لوجود الآيات العديدة التي تدعو للنظر والتفكر، وتُكبر من شأن العلم والتعلم "يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ" [المجادلة: 11]، ولا تبعد أحاديث الرسول الكريم عن الآيات وضوحًا وحسمًا في هذه السبيل، يقول عليه الصلاة والسلام: "العلماء ورثة الأنبياء"، ويمضي قاسم أمين في استناده على هذا المنهج الحجاجي، ليحسم الأمر بشيء من التعريض الصريح لتاريخ الغرب، فلم يحدث في أي وقت في تاريخ الإسلام أن ثارت حرب ضد العلم، وأتاح لكل المعتقدات أن تحيا في جوار حميد، فماذا لو وضع هذا التسامح في مقارنة مع عهد محاكم التفتيش في أوروبا؟ ثم يقول: "إنني أبعد ما أكون عن التعصب، غير أني أعتقد أن الإسلام هو أفضل راية يمكن أن تجمع حولها البشرية كلها متحدة في عقيدة واحدة".

يذكر ذلك، وفي المقابل لا يتردد في الإقرار بتخلف العالم الإسلامي -آنذاك- ويضع "إهمال تنفيذ التعاليم الدينية" على رأس أسباب هذا التخلف، وقد عرف المسلمون العظمة "بخاصة حين كانت حياتهم وسلوكهم متطابقين مع الأخلاقيات والوصايا الإسلامية" (الأعمال الكاملة، ص: 290-272).

وها هو قاسم أمين، يرصد هذا الداء اللعين الذي يختزل الوطنية في الكلام والثرثرة الفارغة، وكأنه يلمح إلى أن مثل هذه الأدواء غزت بلادنا مع الاحتلال الغربيّ لبلادنا العربية عسكريًا وفكريًا، خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، أقول ذلك مستحضرًا سياق هذه الكلمة الثاقبة، واضحة اللفظ التي بدأت بها عن "الوطنية الصحيحة"، ومراجعًا من خلالها لواقع يحتل أمكنة وأزمنة معاصرة للذين أفسدوا على الناس الانتماء الحقيقيّ للأوطان، وجعلوه قرين الهتاف المتهافت، والأغاني الرديئة، والمنشورات الغارقة في سذاجة المشاعر وسطحية العواطف، حتى إننا بتنا نقرأ عن أشخاص من هؤلاء الوطنيين المزيفين، يجهرون بالهتاف والأغاني، والشعارات ليل نهار عن حب البلاد، وفي غفلة من الزمن نقرأ أخبار عدوانهم على مقدرات الأوطان، أو أخبار فسادهم في الأرض، وبعضهم يشملهم وصف "المنافق العليم"، كما بيّن حاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه: عالم اللسان، جاهل القلب والعمل.

لقد كان قاسم أمين واحدًا من ثُلة من الأولين في الدعوة إلى إنشاء الجامعة المصرية، منهم الزعيم مصطفى كامل (ت. 1908م) الذي دعا إلى الاكتتاب لهذا المشروع على صفحات جريدة "المؤيد"، ومنهم سعد زغلول (ت. 1927م) الذي اتخذ الخطابة وسيلة مؤثرة في هذه السبيل، أما قاسم أمين فتولّى مهمة الكتابة والتطواف في المدن المصرية مجتمعًا بالكبراء والوجهاء، ومحاضرًا فيهم، واعتمد الإقناع واستنهاض الهمم، والعمل المباشر في تحقق الحلم، فكان سكرتيرًا للجنة مشروع الجامعة ثم وكيلا لها، فجُمعت الأموال، وأُقيمت الأوقاف، وقبل وفاته بأيام معدودة، ألقى قاسم خطابًا مبينًا بمناسبة وقف حسن باشا زايد المنوفية في 15 أبريل 1908م، وقد أوقف خمسين فدانا للجامعة، وفي حضرة المتبرع السخي، أوضح الهدف من إنشاء الجامعة وفكرتها، وحاجة البلاد إلى العلوم والمعارف، ليس لتخريج موظفين يشغلون المناصب، ومنقطعين عن الدرس والتعلم والتطور؛ وإنما يأمل أن يرى "بين أبناء وطننا طائفة تطلبُ العلم حبًّا للحقيقة، وشوقًا إلى اكتشاف المجهول... نود أن نرى من أبناء مصر كما نرى في البلاد الأخرى، عالمًا يحيط بكل العلم الإنساني، واختصاصيًا أتقن فرعًا مخصوصًا من العلم، ووقف نفسه على الإلمام بجميع ما يتعلق به، وفيلسوفًا اكتسب شهرة عامة، وكاتبًا ذاع صيته في العالم... أمثال هؤلاء هم قادة الرأي عند الأمم الأخرى، والمرشدون إلى طريق نجاحها، والمدبرون لحركة تقدمها" (الأعمال الكاملة، ص: 309).

إن قاسم أمين صاحب القضية، المهموم بعمل مثمر لوطنه (متمثلا في الجامعة)، لم يستغرق في الإشادة بالمتبرع، ولا في جلب عبارات المديح التي تكال بلا هوادة للشخصيات الوطنية المعاصرة، وعَدّ الأمر برمته واجبًا وطنيًا، من الضروري أن يؤديه كل قادر، يدفعه حب طبعيّ لبلاده، ووفاء مأمول من ذوي الأخلاق الكريمة، وكأنه من جانب آخر يدعونا إلى التوقف عن الكلام حين يكون المقام مقام أفعال، وخطبة قاسم على إيجازها، تضم إشارات مستشرفة، حول أهمية "تربية الإحساس"، و"تربية القلوب" لدى الناشئة، وضرورة الارتقاء بالإنسان في أشواقه المعنوية بعدما طغت الرؤى المادية، وعلى هذا الأساس تنعقد الآمال على الجامعة في تحقيق هذا التكامل الحكيم.

إنه من السذاجة بمكان، أن يكون قُصارى الاهتمام، عبر الأناشيد والأغاني المبتذلة، والمزايدة الكلامية الجوفاء مع أبناء الوطن الواحد، أن نُثبت حبنا للوطن وهيامنا بتُرابه، أن نُثبت المثبت بالطبيعة، ونؤكد شعورًا إنسانيا قديمًا جدًا، لقد أورد الجاحظ في رسالته "الحنين إلى الأوطان" العديد من أقوال العرب والعجم وآراء الفلاسفة في الحنين، وشغف الإنسان بالأرض، حتى قيل:
"من علامة الرُّشد أن النفس إلى مولدها مشتاقة، وإلى مسقط رأسها تَواقة".

وماذا نريد بعد الإلحاح على شعور فطريّ بدهيّ؟ هذا السؤال الذي يتم تجاوز إعلانه كثيرًا، وأخشى أن أقول مع علماء النفس: إن الإلحاح الكلاميّ على الشيء دليل الحرمان منه!

لكني لا أخشى من الاعتصام بالمشاعر النبيلة، في أبيات أمير الشعراء أحمد شوقي التي كتبت في منفاه الإسباني (من 1915 إلى 1919)، والارتقاء من خلالها بالحس الجماليّ، حين يكون الحنين "رجع صدى" للضجر بالمغترب (المنفى)، فإن دواعي الشوق التي يستحضرها الشاعر ويستغرق في تفاصيلها، قد يكون أيضاً لوناً من ألوان الافتقاد لكل ما يستحضره في واقعه الجديد، وأخص ما يفتقد ويستحضر في الوقت ذاته، حياة الشرق التي تتمثل في مفردات: تمائم الصبيان والرُّقى التي تحفظهم من سحر الساحرين، وملاعب المرح، ومستقر الأجداد ومستقبل الأحفاد، والكافور والريحان، كما يحضر التاريخ الدينيّ لهذا الشرق، عندما يوقن أن مصر (أو أمّ موسى) لم تنفه، ولم تلق به في بحر الغربة عن سخط أو نقمة بل فعلت ذلك مضطرة، عن محبة له، وإشفاق عليه:
لكنَّ مصرَ وإن أغضتْ على مِقَةٍ
عينٌ من الخُلْد بالكافور تَسْقينا
ملاعبٌ مَرِحتْ فيها مآربُنا
وأربُعٌ أنسِتْ فيها أمانينا
بنَّا فلم تَخْلُ من رَوْحٍ يُراوِحنا
من برِّ مصرَ وريحانٍ يُغَادينا
كأمِّ موسى، على اسم الله تكفُلنا
وباسمه ذهبتْ في اليمِّ تُلقينا

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها