
ولِد الفنّان التّشكيليّ عبدالرّحمن زينل في دبي عام 1951، وأحبّ الرسم وهو طفلٌ صغيرٌ، وجعله أداةً للتّعلّم والاستذكار، وكان يعمد إلى رسم الشّعر ليفهمه ويحفظه، وأخذ يرسم الصُّور الّتي يراها في كتابَيْ العلوم والكيمياء بُغية استيعابها وفهمها؛ ولأنّه كان موهوباً منذ صغره، فقد شجّعه مدرّس التّربية الفنيّة آنذاك على الإنتاج والمُواظَبة، ومدّه بالأدوات الفنيّة اللّازمة والخامات الّتي يحتاج إليها لممارسة هوايته، وما لبِث أن انتقل من الرّسم بالماء إلى استخدام خامة الزّيت من دون دراية كافية بخصائصها، وآليّة استثمارها في تشكيل العمل الفنيّ، وشرع يرسم ما يراه ويُحبّه من معالم تراثيّة مُحِيطة به، ولم يكن يتوقّف عن رسم لوحة فنيّة حتّى يبدأ بأخرى.
وفي عام 1969 انضمّ إلى فريق الكشّافة المتوجّه إلى دولة قطر، واشترك في مسابقة للرّسم أُقِيمتْ آنذاك، وفاز بالمركز الأوّل؛ ممّا شكّل حافزاً قويّاً له على الاستمرار، ثمّ ما لبث أن اشترك في عام 1970 في معرض فنيّ أقامته مدرسته الثانويّة فحظي بالتّشجيع والتّرحيب الحارّ من جمهور الطّلبة والمدرّسين، ممّا جعله يسعى إلى التّمسّك بهوايته، والاندفاع في طريق الفنّ الذي اختاره، وبدأ يشكّل هاجساً حياتيّاً وجماليّاً وروحيّاً له.
واظَب زينل على ممارسة هوايته بعد ذلك، وأتِيح له أن يشترك في المعرض الفنيّ الّذي أقامته المكتبة العامّة بدبي في 17 يوليو عام 1972 بمناسبة افتتاحها، وكان ذلك أوّل معرض فنيٍّ يحتفي بالفنّ في دولة الإمارات، وقد اشترك فيه مجموعة من الفنّانين الشّباب قُيّض لبعضهم أنْ يستمرّ، ويصبح معروفاً في الوسط الفنيّ مثل فاطمة لوتاه، في حين انصرف الآخرون عن حقل الفنّ إلى الانشغال بقضايا وهموم حياتيّة أخرى لبناء حياتهم، مثل: إبراهيم مصطفى وشفيقة عباس وجاسم حمد.

لم يكن عبد الرّحمن في بداياته الأولى صاحب أسلوب فنيٍّ واضح المعالم في تشكيل لوحته شأنه في ذلك شأن باقي زملائه الإماراتيّين، بل كانت أعماله مزيجاً من المدارس الفنيّة المختلفة، ولذلك لم يكن أيٌّ من أعماله يمتلك هُويّة خاصّة به، ومع ذلك لم يرمِ الفرشاة، ولم ييأس من انتهاج الطّريق الذي اختاره، بل عمل بجدّ ومواظبة بحثاً عن ذاته، وسعياً إلى تأكيد شخصيّته الفنيّة.
وفي سبيل ذلك، كان ينبغي عليه أن يُنمِّي معارفه العلميّة، ويُطوّر خبرته الفنيّة فيمَّم وجهَه شطر القاهرة لدراسة الفنّ التّشكيليّ في جامعتها العتيدة، والتحق بكليّة الفنون الجميلة - قسم الدّيكور، وحصل على درجة البكالوريوس من الجامعة نفسها في عام 1978، ثم توجّه بعد ذلك إلى إسكتلندا لإكمال دراسته العليا في كليّة الفنون الجميلة بجامعة (أدنبرة).

◀ رحلة البحث عن الذّات
وقد بقيت أعماله طوال فترة دراسته مجرّدَ تمريناتٍ على رسم اللّوحة، ومحاولةً للحصول على الخبرة والتّقنيات الّتي تؤهّله لتطوير موهبته؛ ولذلك يمكن للمتابع أن يلحظ أنّ لوحاته في هذه المرحلة افتقرت إلى هُويّة خاصّة بها، وكانت مزيجاً من مدارس فنيّة مختلفة متوضِّعة على سطح اللّوحة، من دون خبرة كافية أو لمسة فنيّة تُؤهِّل صاحبها لتحويلها إلى عجينة فنيّة تنطق باسمه، وتعبّر عن شخصيّته، وتدلّ عليه بوصفه منتجَها وحده، ممّا يجعلنا نستنتج أنّه بقي يدور في فلك الآخرين، ويسعى إلى تقليدهم واحتذائهم من دون قدرة على التّفلّت من إسارهم إلّا في النّادر.
وبعد عودته من الدّراسة، بدأ يحاول امتلاك شخصيّة خاصّة به، وأخذت أعماله تميل إلى التّكامل الموضوعيّ والتّكوينيّ، وطفِق أسلوبُهُ يتّخذ بعداً واقعيّاً ذا حسٍّ لونيّ، وآخر رمزيّ، كما شرع يرسم قصصاً للأطفال، ويُعنى بمقاربة موضوعاتٍ لصيقة ببيئته الشّعبيّة، ويسعى إلى تجسيدها بألوان قويّة متناغمة حيناً، ومتضادّة حيناً آخر.
وفي المرحلة الثّانية من حياته الفنيّة الّتي بدأت ملامحُها بالتّشكّل على استحياء عقب عودته من الدّراسة، نجد أنّه قارب ثيماته في هذه المرحلة بأسلوبٍ رمزيّ - هندسيّ في الوقت نفسه، وأفاد فيها من دراسته للدّيكور، وأخذ يميل إلى استخدام الألوان الزّيتيّة، والألوان المائيّة، أو الجواش، أو الأحبار الملوَّنة الّتي تتناسب مع ما يودُّ أن يعالجه في أعماله من قضايا، وبدَا نزوعه إلى العناية بالشّكل الفنيّ كبيراً في لوحات هذه المرحلة، وقلّ اهتمامه بالأفكار المُجسَّدة فيها، ممّا جعل سهام النّقد تتوجّه إليه بغزارة، وكتب عنه بعضهم قائلًا: إنّه لم يطوِّر نفسه فنيّاً، وأولى عناية كبيرة للزّخرفة والأشكال الهندسيّة على حساب المحتوى نتيجة عمله في مجال الدّيكور، ولم يستطع التّحرُّر من هذا النّزوع في آليّة عمله إلّا بصعوبة، إلّا أنّ محاولاته الفنيّة الحثيثة تُعبِّر عن رغبته العارمة في تحقيق ذلك.
والملحوظ أنّ معظم أعماله في هذه المرحلة نُفِّذتْ بأحجام صغيرة نسبيّاً، وكانت عبارة عن دوائر مُتداخِلة على شكل دوّامة أو حلزون، ومُحدَّدة تحديداً واضِحاً باللّون الأسود مع خلفيّة حمراء اللّون لا تلبث أن تمتلئ بآثار أقدام سواءٌ أكانت عارية أو منتعِلة، وقد عُنِي الفنّانُ بإضافة مصباحٍ متوهّج إلى بعض لوحاته، وجعله محوراً لها، وعمل على أن ينشر ضوءه في فضائها لكي يُبدِّد السّواد المهيمن على حياة المتلقّي، ويخلق لديه شعوراً بالتّفاؤل والأمل، ويفتح له كوّة نحو المستقبل.
وقد أقرّ غالبيّة الدّارسين بنزوع زينل الدّائم إلى التّجديد الأسلوبيّ والتّجريب التّقنيّ، والتّنويع المضمونيّ، لكنّ ذلك كلّه بقي محصوراً بالضّفاف الواسعة للاتّجاهات الواقعيّة المتماهية بالسُّرياليّة أحياناً، وبالزُّخرفيّة أحياناً أخرى.
ونلحظ أنّ الفنان في هذه المرحلة تقصّد رسم البيئة الإماراتيّة، مع حرص واضح على إضفاء طابَع الغرابة عليها، ولكنّ لوحته بقيت مع ذلك تنتمي إلى الواقعيّة في إطارها العامّ، مع أنّه ركّز فيها على الإفادة من الانطباعيّة في توظيف اللّون كتقنيّة تشكيليّة، واستثمر الزّخرفة كعنصر بصريّ جماليّ لتشكيل دلالة اللّوحة، وبناء خلفيّتها، وظهر ذلك واضحاً في معالجته للطّبيعة الخلويّة، والمراكب في عرض البحر، والبيوت الرّيفيّة، وبعض الآثار الدّارسة، ومظاهر الصّيد البرّيّ، وتصوير الصّقور ضمن وضعيّات لافتة، وفي رسم أطر طبيعيّة مُفعَمة بالرّومانسيّة، ومُطرَّزة بالخيال. وقد تجلّى ذلك في اللّوحات التي شارك بها في المعرض الفنيّ الذي أقامته سفارة دولة الإمارات في بريطانيا عام 1979، وحظِي بإعجاب كبير من زوّاره.
وممّا لُوحِظ في هذا المعرض أنّ زينل ابتعد عن الرّمزيّة الهندسيّة التي تجلّت في لوحاته السّابقة، وعاد إلى واقعيّة ترشح بنزوع واضح إلى التّخلُّص من الوقوع في فخّ المحاكاة والتّقليد؛ إذْ نراه يستعير الموضوعَ المُراد رسمُه من الطّبيعة نفسها، أو يسْتقِيه من صورة فوتوغرافيّة أعجِب بها، ولكنّه يحرص عند تنفيذه له على جعله مُغايِراً للأصل، وعلى حقنه بالرّموز والإشارات التي تُعمّق دلالته، وتنأى به عن الوقوع في مطبّ الواقعيّة التّسجيليّة، وتجعل من أدوات تعبيره وتقنيّاته وسائل وأدوات قادرة على احتضان البيئة الإماراتيّة، وتجسيد ملامحها، وحمْل خصائصها المتفرِّدة إلى المتلقّي، وجعله أكثر قدرة على التّواصُل مع اللّوحة وتذوُّقها، والتّعرُّف إلى هُوِيّة صاحبها بوصفه منتمياً إلى رقعة جغرافيّة مُعيَّنة، ومتبنِّياً هموماً محدّدة.
وقد حرِص زينل على أن يُوظِّف الألوان في تشكيل لوحاته، وأفرد لكلّ لوحة ألواناً خاصّة بها، وجعل الخطوط اللونيّة تتّخذ منحىً يتناسب مع النّزوع الذي تقتضيه اتّجاهاتها التّكوينيّة ممّا منح الموضوع المُجسَّد في اللوحة بعداً دراميّاً، وأسهم في خدمة الفكرة وتوضيحها.
ومن المعروف عن زينل أنّه يُولي العمل الفنيّ كثيراً من الأهميّة قبل وضع مخططَّه على الورق، وقد يستغرق تفكيره فيه أيّاماً طويلة تجعله يغرق في تخيُّل التّفاصيل التي ستصبح جزءاً من بنيته بعد الإنجاز، وهو لا يعمد إلى تنفيذ لوحته إلّا بعد أن تتوضّح صورتُها في ذهنه، وتصبح جاهزة للتّشكل والتّموضُع على أرض الواقع في في عمل فنيّ إبداعيّ محدَّد.

◀ النّزوع القومي والتّراثيّ
والملحوظ أنّ الموضوعات التي اختارها زينل لبناء لوحاته اتّخذتْ منحيَيْن: منحىً قوميّاً، ركّز فيه على تناول الانتفاضة الفلسطينيّة الباسلة، مُبتعِداً في مقاربتها عن الأسلوب الفوتوغرافيّ، ومستخدِماً إلى جانب المفردات الواقعيّة الرّمز والإشارة مما جنّبه الوقوع في مطبّ المباشرة عند بنائها، مع حرص واضح على إبراز دور الحجر كسلاح مهمّ وفعّال في النّضال ضدّ العدوّ الإسرائيليّ.
أمّا المنحى الثّاني، فتمثّل في التّركيز على البيئة المحليّة من خلال تناوُل العادات القديمة (كحامل الماء وقارع الطّبل الوحيد الّذي يناجي المجهول)، أو مفردات التّراث (من براجيل وبيوت قديمة وسفن وكائنات بحريّة)، أو تصوير المرأة، أو تناوُل بعض المشكلات الخطيرة التي تفتك بالمجتمع مثل المُخدِّرات؛ إذْ صوّر في بعض لوحاته المُدمِنَ وهو يعيش حالة من الوهم يخالطها شعورٌ مُتوهَّم بالسّعادة وطول العمر من دون أن ينتبه إلى أنّه يفقد حياته بالتّدريج، ويتسرّب عمره من بين يديه كما يتسرَّب الرّمل من قارورة السّاعة الرّمليّة.
◀ استلهام الرّمزيّة
وقد قام زينل بتجسيد كلّ هذا في لوحات فنيّة أخّاذة بعيدة كلّ البعد عن التسجيليّة الفوتوغرافيّة كما ذكرنا، ممّا جعلَنا نتفاعل معه، ونحسّ به ونضع أيدينا على مكمن الإبداع في لوحته؛ لأنّه غالباً ما كان ينسج الرّمز في ثنايا هذه الأعمال، ويجعله ذائباً في بنية لوحته الفنيّة أحياناً، أو مُوحِياً به بشكل مُوارِب أحياناً أخرى.
ويمكن أن نذكر من أعماله الرّمزية النّاجحة لوحة له يصوّر فيها إنساناً على وشك الغرق، وهو يمدّ يديه خارج الماء طالباً النّجدة، فيسارع طائرُ نورسٍ ضعيفٍ إلى إنقاذه مادّاً إليه غصناً أخضرَ من نبات بحريّ ليُمسِك به؛ في حين تبدو في خلفيّة اللوحة سفينةٌ تمخر العباب، وهي تُدِير ظهرها إليه غيرَ عابئة به، ولا مكترثةً بتوسّلاته، وتتركه يواجه مصيره من دون أن تمدّ له يد العون والمساعدة، كأنّما أراد الفنّان أن يقول: إنّ إنسان هذه المرحلة فقد إحساسه بالآخرين، ووصل إلى مرحلة التّخشب والتّكلس العاطفيّ، ولم يعد مكترثاً بما يدور حوله من مآسٍ، وغدا اهتمامُه منصبّاً على خلاصه الفرديّ بمعزل عن الخلاص الاجتماعيّ العامّ.
وقد رسم الفنّان الطّائر كما هو في الواقع من دون أيّ محاولة لتغيير شكله أو هيئته، وجعله في مركز نظر المتلقّي، أمّا بقيّة اللوحة فقد نفّذها بأسلوبه المعروف الذي يعتمد على الخطوط المنحنية والمتماوجة، وبألوان هارمونيّة تخدم الموضوع والفكرة، وتعطي موسيقا متدفّقة تُضيف إلى العمل حسّاً عاطفيّاً وجماليّاً يحضّ المتلقّي على التّعاطف مع الشّخصية المصوَّرة في اللوحة، واتّخاذ موقفٍ واضح ممّا تواجهه من صعوبات في موقف محدَّد.

◀ الهرب من مطبّ التجريد
وقد لوحِظ أنّه كان لـ(زينل) في هذه الفترة بعض المحاولات التّجريديّة (بجوار عمله الأصليّ)، إلا أنّها لم تحقّق ما كان يطمح إليه من نجاح فنيّ ونزوع جماليّ، وتعلّق بالتّراث والبيئة، إذْ بقي يحنّ إلى الطّبيعة، ويرغب في التّماهي مع الصّحراء التي شُغِف بها، ويتوق إلى الغوص في تفاصيلها، واكتشافها من جديد، ورشحتْ بعضُ أعماله بحبّه لمناظر الغروب والخوف منها في الوقت نفسه، ممّا ذكّرنا بفنّان الكهوف الذي كان يرسم الحيوانات الّتي يخافها بغية استيعابها جماليّاً والتّغلّب على خوفه منها.
تركيب:
وفي الظنّ أنّ زينل استمرّ في خوض تجربته الفنيّة من خلال الاتّكاء على تقنيّات مختلفة، واستخدم من أجل ذلك خامة الأكريلك، وأخذ في صنع لوحات ضخمة الحجم للمشاركة بها في المعارض الفنيّة الضّخمة كـ(البينالي مثلاً)، وظلّت مشاركاته الفعّالة في المعارض المشتركة، والمعارض الشّخصيّة التي أقامها بنفسه دليلا على وفائه لفنّه، وشاهداً على تبنّيه محاولة الدّمج بين الاهتمام بالفكرة، ومحاولة تنفيذها بأسلوب جماليّ فيه الكثير من الإبداع والابتكار.
وقد نالت أعماله الفنيّة الكثير من الإعجاب والتّقدير في المعارض الجماعيّة والشّخصيّة الّتي اشترك فيها، وحصدت مجموعة من الجوائز الهامّة منها:
◄ الجائزة الأولى في المخيّم الكشفيّ بالدّوحة عام 1969.
◄ جائزة أحسن جناح في بينالي الشّارقة.
◄ جائزة الدّانة الذّهبيّة في الكويت عام 1998.
◄ الجائزة الثّانية في معرض (وجوه معبّرة) عام 1998.
◄ الجائزة الثانية في يوم البيئة عام 1998.
مصادر البحث ومراجعه:
◅ عبدالرّحمن زينل: أرشيف الفنّ الإماراتيّ: موقع أرشيف الإمارات للفنون التّشكيليّة، شبكة الإنترنت.
◅ مركز القطارة يستعرض 4 عقود من الفنّ الإماراتيّ: ميدل إيست لاين، 3/4/2011.
◅ واقعيّة الرّمز في لوحات عبدالرّحمن زينل: د.عبد الكريم السيّد، ملحق الخليج الثقافيّ، 10/09/2012.
◅ وجوه من التّشكيل الإماراتيّ المعاصر: د. محمود شاهين، مركز سلطان بن زايد للثقافة والإعلام، ط1، 2013.
Photos © alawadhiart.com