الإبداع.. بين التأثير والتأثر!

"الترجمة نموذجاً"

محمد عطية محمود

 

ثمة إحساس بالاغتراب والعزلة، يكتنفان العلاقة بين الإبداع العربي، ونظائره في سياق الإبداع العالمي، برغم تلك المحاولات الحثيثة التي ربما يبذلها البعض لمحاولة الخروج من إسار هذه العزلة.. ذلك مما يدعو لطرح التساؤلات المهمة والمحددة في هذا الشأن الذي قد يؤثر سلباً في تلك العلاقة التي تتوقف غالباً عند حد التأثر، لا التأثير، والإعجاب والنظر إلى هذا الإبداع الآخر نظرة مشدوهة ودالة على محدودية أفق الإبداع، الذي ربما انفصل واقعه ومحليته التي تميزه لتعانق مفاهيم أخرى من المعالجات المتأثرة بما ينتجه هذا الآخر..
 

ذلك أن فعل المواكبة هنا لا يأتي بالمعنى المراد والمبتغى، وهي إحدى نقاط التشاكل مع هذا المفهوم، فضلاً عن العديد من العوائق التي تعمل على تحجيم وتقزيم هذا التواصل، وذلك مما قد يدعونا إلى محاولة سبر أغوار أبعاد تلك الإشكالية المهمة التي قد لا يلتفت إليها البعض إمعاناً في الانغلاق على الاعتبار القاصر أن المحلية هي في حد ذاتها العالمية، دونما التطرق إلى سبل التواصل التي ينبغي أن يتطرق إليها السعي الحثيث والجاد للوصول إلى تلك النتائج، تلك التي تأتي ثمارها من خلال العديد من المسالك والدروب الممنهجة، وهو الذي يدعونا أيضاً إلى الولوج في العديد من العوامل الهامة التي تحكم وجود هذه العلاقة/ العلامة الكبيرة، والتي ينبغي التأكيد عليها ومحاولة تحديد تلك العوامل التراكمية التي تؤثر بالطبع سواء بالسلب أو بالإيجاب لتحديد سمات هذه الإشكالية، ولعل أبرزها هو رافد الترجمة من وإلى اللغات الأخرى التي تعمل على إذابة الحدود والفواصل، وهو ما سنحاول سبر غوره، من خلال تلك الورقة..
 

التراث الإنساني

مما لا شك فيه أن الدراسات الحديثة في مجال اللسانيات والعلوم الاجتماعية قد توصلت إلى توضيح التأثير المتبادل والبالغ بين اللغة والهوية.. تلك العلاقة التي تصب في السمات الرئيسة والمميزة لتلك اللغة، وما يتشعب منها وما تنتجه من علاقات وتاريخ يضرب في جذور تميزها سواء في علومها أو آدابها، أو ما يتعلق بطرائق تعاملها وتلاقحها مع اللغات الأخرى التي تميز الشعوب الناطقة بها، ما يفتح مجالاً غزيراً للمعرفة.

"والمقصود باللّغةِ هنا اللّغةَ الأم، وبالهُويةِ الهُويّةَ الفردية والاجتماعية على حدّ سواء. لقد عرف الوطن العربي في القرن التّاسع عشر وبدايات القرن العشرين نهضةً كبيرةً؛ كان للترجمة فيها دورٌ كبيرٌ، وبعد أن مرّ العالم العربيُّ بسنوات عِجافٍ نسبياً، في مجالات التفاعل الثقافي والبحث العلمي وتطوير المعارف"1.

ما يعزز من دور الترجمة، أو وسيلة التقارب ونقل الخبرات والعلوم والآداب والفنون بين الشعوب بلغاتها ولهجاتها الخاصة، المستمدة من معايشة وتجارب بدأت أولية، ثم ترسخت لتنتج كل عوامل الحياة وتعبر عنها وعن البيئة الحاضنة لها والمؤسسة لخصوصيتها، والتي تمتح من موروث متمايز بعلاقاته الحميمة بتلك البيئة وتلك العقلية المنتجة لمفهوم الحضارة والرقي، وهو من الثمار التي تجنيها الترجمة التي بدأت حركتها تحرك الراكد في الثقافة العربية، وتقرب المسافات مع اللغات والحضارات الأخرى.

"فإن حركة الترجمة العربية تشهد منذ مطلع القرن الحالي تأسيس منظمات ومراكز، ومعاهد وصلت إلى أعلى درجات النقل من اللغات الأجنبية إلى العربية"، وهو الأمر الذي يدلّ على أن العالم العربي يلج في عصر جديدٍ من النّهضة الفعلية والواعدة؛ على صعيد عِلميّة الكتب المترجَمَة، ورِفعة مواضيعها، وتخصّص نصوصها من جهةٍ، وعلى صعيد نوعيّة الترجمة ومراحل إنتاج النصوص المُترجمة من جهةٍ أخرى"2.

ذلك الذي من المفترض أن يحدث نوعاً من الثراء الفكري والمعرفي، ونوعاً من الانفتاح الثقافي والتواصل للتعرف على ثقافات العالم، من خلال ما يكتبون وينقلونه لنا على نحو من التأصيل الممنهج، ذلك الدور بالغ التأثير، الذي كان له السبق من خلال تلك الهيئات المؤسسات الفاعلة لاختراق ثقافة الآخر، وتقديم النماذج الدالة على البيئة الخاصة والتاريخ الخاص الذي يصبح توثيقه بنقله جزءاً من التراث الإنساني على كافة أصعدته الفكرية والثقافية والتاريخية والفنية، ومن ثم ما يخصنا في هذا المقام، الآثار الأدبية الخالدة، والمعاصرة، والذي يفتح بها قنوات التأثر على مصراعيها..

والسؤال هنا: هل يقف الحال عند وضعية النقل والاستقبال؟ أم يتخطاه إلى كسر حاجز المواكبة وإحداث عملية التلاقح الفكري؟ ومن ثم التجاوز لإنتاج حالات إبداعية متميزة، لا الرضوخ لحالات الاتباع الفكري والإبداعي الذي تجعل من التأثر إشكالية سلبية، والذي يتطلب علاجه المزيد من الوعي الثقافي الذي يجعلنا نميز بين التأثر اللصيق التابع، والتأثر الحميد الدافع إلى خوض غمار مناطق أخرى من مناطق الوعي الإنساني التي تخص المبدع: كأدوات وبيئة ومناخ قائم بذاته قادر على فرض تجليات وجوده.. ليصير هنا التمايز على محفة المنافسة التي قد تؤدي إلى التفوق والحصول على جدارة الإبداع العالمي، والتي لا تتأتى إلا من خلال رافد آخر من روافد الترجمة

من العربية إلى لغات الْآخَر

وهو ما يدعونا للولوج في الحالة المقابلة والموازية، وهي الترجمة من العربية إلى اللغات الأخرى الأكثر شيوعاً وانتشاراً وذيوعاً والتصاقاً بتحقيق ما يصبو إليه الإبداع بصفة خاصة، لتلعب الترجمة هنا دوراً مهماً ومؤثراً في ذيوع الحركة الإبداعية، ومن ثم تقديمها للعالم بلغاته المختلفة، وفتح باب التعامل معها في حيز التقييم والوضع على خريطة الثقافة العالمية، وذلك مما يطمح إليه المبدع أنى كان للوصول إلى عالميته ووجود أعماله وسط كوكبة التراث الإنساني المتراكم الذي تحدثه هذه الخطوات الإيجابية التي تذيب المسافات وتقلص الفجوات، لما لمكانة ما يترجم كفن إبداعي وإنساني من حظوظ الارتقاء إلى معدلات القراءة الأعلى والأجدر.

هذا الدور المؤثر والمفتقد في ذات الآن، والخاضع لترتيبات أخرى وعوامل تتناوب بين الإعاقة والتيسير، والذي لا يسد الحاجة ولا يعبر عن المشهد الحقيقي للإبداع العربي، برغم المحاولات المتأخرة التي نهضت لتكتشف إبداعات القامات الكبيرة دونما الالتفات إلى نماذج مائزة تعد كتاباتها معبراً جديداً عن واقع جديد، وهو ما يتم التعامل معه من خلال المترجمين على نحو ما محدد، وهي المحاولات التي تلت حركة الترجمة للتراث المصري والعربي القديم، وتقديمه والاحتفاء به بل وصولًا إلى درجة التأثر به، وفك مغاليقه الفكرية والثقافية والتاريخية، لتحدث هذه الفجوة الكبيرة التي فصلت بين كل ما هو تراثي، وما هو حديث ومعاصر.

في ذات الوقت وتلك الحقبة التي اتجه فيها العديد من الكتاب العرب على اختلاف هوياتهم الإقليمية في المهاجر، وفي الدول التي وقعت تحت نار الاحتلال، إلى الكتابة بلغة الوطن البديل، أو لغة المحتل التي يملكون مهارة التعامل بها محادثة وكتابة ومعايشة وثقافة، لتقديم واقعهم العربي وبيئتهم العربية المفتقدة لديهم، أو واقعهم الجديد على حد السواء تماشياً مع عالمية ما يكتبون لكونه بلغة أخرى، ربما كان لها الحظوة الأكبر من الانتشار وحظوظ القراءة والاطلاع عليها، ومن ثم التميز والانتشار وتحقيق المزيد من هذه الرؤية الانفتاحية على العالم لإثبات الوجود، وهو ما ظل مستمراً حتى الآن، بإشكاليات وجود وبآليات متغيرة.

ليشكل كل ذلك رافداً مهماً من روافد تعرف الآخر على الإبداع العربي بشكل عام، والتي اختلطت إلى حد بعيد بهذه السمات الجديدة التي ربما خلقت عالماً مشتركاً جديداً يحبل بإشكاليات الحياة الجديدة، والتي ربما أتت في حيز جديد من الاتجاه إلى فكرة عولمة.
 

"نوبل نجيب محفوظ والترجمة"

تأتي حركة الترجمة إلى العربية فيما قبل "نوبل نجيب محفوظ"، كنموذج وعلامة فارقة في تاريخ الأدب العربي، لتكسر هذا النمط من الخمول، ولتقدم للقارئ هذا الإبداع المنبثق من المحلية والملتصق بها، ولتلفت نظر القارئ الأجنبي والباحث إلى هذه النوعية من الكتابة غير المنفصلة عن بيئتها، وفي الوقت ذاته ليست منفصلة عن الثقافة العالمية من خلال ترجمة عدد من الأعمال الإبداعية والفكرية لعدد من الكتاب.

أكد "جونسون ديفيز" في محاضرته التي ألقاها بعنوان "في الترجمة"، في أول سلسلة محاضرات مركز دراسات الترجمة التابع للجامعة الأمريكية بالقاهرة (AUC)؛ أن ترجمة الأدب العربي واجهت صعوبات كبيرة في بداية عمله، حيث كان من الصعب إقناع ناشر أو اختيار عمل تتم ترجمته، مشيراً إلى أن المهم عند دور النشر العربية تعيين شخص تكون مهمته تحديد الأعمال الواجب ترجمتها والأعمال المهمة المرشحة للترجمة.

وقد قام جونسون ديفيز بترجمة ما يزيد على 25 رواية ومجموعة قصصية للكثير من الكتاب العرب، وهو أيضاً أول من قام بترجمة أعمال نجيب محفوظ، وكانت قصة "زعبلاوي" من أوائل القصص القصيرة التي قام بترجمتها، وإدراجها ضمن مجلد دار جامعة أكسفورد للنشر بعنوان "قصص قصيرة عربية حديثة"، والتي وجدت طريقها فيما بعد لمختارات "نورتن" تحت عنوان "روائع الأدب العالمي"، كمثال وحيد للكتابة من الأدب العربي الحديث. ويذكر جونسون ديفيز أنه لم يترجم كتاباً كاملاً لنجيب محفوظ قبل حصوله على جائزة نوبل، ولكن بعد حصوله على الجائزة!

وهو ما يثير إشكالية الاهتمام بالأدب العربي الذي أخذ يشق سبيله ليتنفس في لغات العالم الأخرى، ومنها اللغة الإسبانية، والتي يشار إلى أنها من أكثر اللغات التي تمثل قبولاً على ترجمة أعمال نجيب محفوظ إليها، تلك الحالة التي تشبه الظاهرة، ليشهد المطلع على حركة الترجمة الاهتمام والمكانة التي حازتها أعمال محفوظ لدى قراء الإسبانية -كنموذج- وليدرك الفارق بين ما ترجم له قبل وبعد عام الحصول على نوبل (1988) على مستوى الكم والنوع معاً:

"فقبل تلك السنة كانت ترجمة الأعمال الأدبية العربية محصورة في دائرة الاستعراب؛ إذ كانت تتم على يد المستعربين ولهم، لتظل في دائرة مغلقة. أما الأعمال التي كانت تترجم خارج هذه الدائرة فكانت رغم عددها المحدود تتم عبر لغة ثالثة، خاصة الإنجليزية والفرنسية. هذا بالإضافة إلى أن معظم الدراسات أو جلها كان يدور حول الأندلس تاريخاً وأدباً"3.

ذلك التأثير الحادث في خريطة الترجمة وتوجهاتها، وخروجها عن النسق والمعيار التاريخي والسياسي والعلوم الاجتماعية، لتدخل بفضل فوز محفوظ بنوبل في السياق الفني والأدبي والإبداعي، في تلك المنطقة التي كانت تربط العرب بها صلات فتح واستقرار وحضارة، ولترتبط بها إبداعياً كما ارتبطت بها تاريخياً.

وبفضل هذه الظاهرة أصبح هناك "جيش" من المترجمين المتخصصين في الترجمة من العربية، بعد أن كان هذا النشاط مقصوراً على عدد معروف من المستعربين، أعني بهم أساتذة الأدب واللغة العربية في الجامعات ومراكز البحث الإسبانية"4.

ربما كان ذلك التأثير هو ما نبتغيه للأدب العربي على الثقافات الأخرى، حيث يتضح مدى الاهتمام ومدى السعي الذي واجهت به هذه الثقافات المغايرة هذه الحالة الإبداعية التي قدمت إليهم، واقتحمت عالمهم الثقافي من هذا الجزء الشرقي من العالم، الذي لم يلتفت أحد إلى إبداعه من قبل بمثل هذه الصورة.. ولعل هذا ما يدفعنا للسؤال التالي: "أين الإبداع العربي وتأثيره، بعد هذا التأثير الذي أحدثته الحالة المحفوظية على العالم"؟

لكن مما لا شك فيه، أتت مرحلة نوبل التي لم يفز بها كاتب عربي من قبل نجيب محفوظ ولا بعده؟! لتفتح آفاقاً جديدة للترجمة، للمزيد من الكتاب العرب، ولعل تخصيص جائزة في الرواية العربية باسم "نجيب محفوظ" من قبل الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وترجمة العمل الروائي الفائز بها، تعد ثمرة مباشرة من ثمار هذا الحدث، لتزداد الثمرات والنتائج من خلال الالتفات إلى العديد من الأعمال الإبداعية والمبدعين العرب بصفة عامة -كما قال جونسون دافيد- كما أدى إلى تحقيق جوائز عالمية لبعض الكتاب عن أعمال أدبية، ومن ثم زيادة نسبة حظوظ ترجمة أعمالهم إلى اللغات الأخرى، وخصوصاً مع تنامي فرص الترجمة من خلال الجوائز العربية التي انتشرت في الآونة الأخيرة، والتي تمنح تلك الأعمال الفائزة فرصة الترجمة ونشرها على العالم، مما يعزز الشعور بأننا في سبيل الارتقاء في مجال الترجمة إلى اللغات الأجنبية، والوجود المهم على خارطة الإبداع العالمي.

الكون قرية صغيرة

يتضح لنا مما تقدم، أن ثمة صراعاً كبيراً بين عنصري التأثير والتأثر، فيما بين العلاقة المتوترة بين الإبداع العربي ونظيره العالمي، وهما العنصران اللذان ينبغي دائماً أن تتجه إليهما جل محاولات إماطة اللثام عن تلك العلاقات التي تنتج ماهية الأدب والإبداع، ومدى جدارتهما بالتعبير عن ضمير الوطن/ البيئة، فالإنسان ابن لبيئته، ولكن عليه الخروج من هذا النمط الضيق، للتعبير الصادق عن هذه البيئة ووضعها الملائم على خريطة الوجود، إلى جوار ما يتاح من حركة ناهضة وعمل دؤوب لمحاولة اللحاق بالدرب المتطور عالمياً، اتساقاً مع أن الكون أصبح قرية صغيرة، ساهم في ذلك العديد من وسائل التواصل والاتصال من خلال الثورة الرقمية، وثورة المعلومات والشبكة العنكبوتية العملاقة التي صارت تجمع العالم كله من خلال أزرار صغيرة، والتحكم به.

وهو إضافة إلى الصراعات المتجددة، التي ربما ساهمت في زيادة عوامل التأثير الخارجي، على حساب التأثير الذي ربما أحدثه الإبداع المحلي، إذا ما لم تتسارع الخطى وتتكاتف نحو نهضة تستفيد من تقنيات الحياة الجديدة بفعالياتها وسماتها الخاصة، والتي دائماً ما تطالعنا بالمزيد من علامات الاستفهام والتعجب، التي لا ينبغي التوقف عندها، للخروج من إسار هذه الإشكالية التي تخص الفكر والثقافة بالمقام الأول، والعمل على الانفلات من هذه العزلة، وهذا الحس بالاغتراب، برغم ما قلنا من محاولات لملء هذا الفراغ القائم بين مدى التأثير والتأثر المتبادلين.


الإحالات
1. الترجمة العربية، ودورها في تعزيز الثقافة وبناء الهوية، بسام بركة، مجلة تبين، العدد الأول، صيف 2012، إصدارات المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
2. المرجع السابق.
3. د. خالد سالم - تأثير نجيب محفوظ على الترجمة – الحوار المتمدن:  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=375360
4. د. المرجع السابق.

 

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها