ديمقراطية العرض وقيد الاختيار!

الوجه الآخر للمسرح الانغماسي

إسلام محمد


على مقعد خشبي، جلستُ أرقب المشهد مع تلك الإيماءة الأخيرة لرفع الستار، التي تنذر ببدء الحكاية، ملامح منزل قديم تكتسيه غبرة الذكريات، وممثلون ينسجون بهدوئهم هيبة المكان، ظللت أفتش بعيني عن البطل المنتظر؛ لأمنحه ترحيباً يليق بظهوره، لكنه لم يأتِ، وبدلاً من قدومه، انشق سكون الخشبة عن ممثل مد يده نحوي، مطالباً إياي باقتحام قدسية العَرض، والصعود لأكون أنا النص المفقود، مرتجلاً حديثاً لم يكتب، وتعابير وجه لم تنسج.
 

هنا، ارتبكت كثيراً، وارتجف سكون ذاتي الآمن، فوجدت عقلي يتمتم بأسئلة تزيد ذهني شتاتاً: هل انزلق العرض إلى واقعي فعلاً؟ أم أنني وقعتُ ضحية مزحة من فريق العمل؟ وإن كان هذا هو البدء، فلماذا أقحمت أنا في وسط الحكاية؟ هل جرى تبديلي مع البطل في غفلة؟ وكيف ينطق لساني بما لم يحفظه قلبي؟

واستمراراً لتلك الزوبعة الداخلية، لم أجد بداً من الاستسلام لغواية المشهد، فمددت يدي وصعدت إلى خشبة المسرح، وحين سألني الممثل المقابل، انطلقت الكلمات من حنجرتي طيعة، وكأن أرواحاً قديمة استعمرت صوتي، فاستمر العَرض بين تصفق حاد، وإعجاب بالغ، لأدرك في تلك اللحظة أنني غريق في لجة "المسرح الانغماسي"، ذاك الذي لا يكتفي بعينيك كمشاهد؛ إنما يبتلع وجودك بالكامل.
 

 انهيار الجدار الرابع

قديماً، كان المقعد في المسرح التقليدي هو حصني الآمن الذي يمنحني امتياز المشاهدة من بعيد، كان يحميني من خطر التورط الحسي خلف مسافة فاصلة بيني وبين الخشبة، اعتبرتها دوماً عهداً مقدساً يضمن بقائي شاهدة لا ضحية ضمن الصراع، أما اليوم، وفي حضرة المسرح الانغماسي، فقد وجدتني أبصر انهيار ذاك الجدار الرابع أمام عيني، ذاك الحائط الوهمي الذي طالما تظاهر الممثلون بوجوده ليتحركوا في عزلتهم، بينما نختلس نحن السمع والنظر من خلفه.

لقد تهاوى الساتر فجأة، وانكشف زيف المسافة، لأجد نفسي وجهاً لوجه أمام عيني الممثل، لم يعدْ هناك جدار يحجزني؛ إنما صرت أشاركه أنفاسه المتهدجة، وقلقه المتصاعد، ومصير حكايته التي انزلقت لتصبح حكايتي أنا.

حينها، استحضرت في ذهني تجربة فرقة Punchdrunk البريطانية، وتحديداً في أيقونتهم Sleep No More، هناك، حيث طوعت الجدران لتخلق فندقاً وهمياً بعث من ثلاثينيات القرن الماضي تحت اسم McKittrick Hotel، دببت بقدمي في مبنى شاهق يتألف من خمسة طوابق، يضم أكثر من مائة غرفة صممت بدقة غريبة تُثير في النفس رهبة بصرية، فما بين غابات داخلية نبتت من العدم، وغرف نوم تكتسي بالغبار، وصولاً إلى مستشفيات نفسية وممرات ضيقة تفوح من حاناتها رائحة التبغ العتيق، شعرت أن المكان ذاته يتنفس القصة.

وبمجرد عبوري عتبة الدخول، لم أجد نفسي مدعوة لجلوس رتيب؛ إنما تسلمت قناعاً أبيض إيذاناً ببدء رحلة استثنائية تمتد لثلاث ساعات، في تلك اللحظة، أدركتُ أنني تحولت إلى شبح يشارك في العرض دون أن يراه أحد، فالممثلون بلا أقنعة، هم البشر الذين يتألمون، ويصرخون، ويتحركون، أما نحن، فكنا أرواحاً محايدة تُراقب في صمت، وتتسلل بين الكادرات الحية كظلال عابرة لا تترك خلفها أثراً.

علمت آنذاك أن النقطة الفاصلة تكمن في تحويل ذاك الفراغ التقليدي الذي كان يحول بيني وبين الممثل، حاجباً عني رعشة اليد ونبرة الهمس، فبمجرد نزولي إلى ساحة المسرح، استشعرت ثنايا لا يعمرها النص المكتوب، بقدر ما تعمرها غريزتي في الارتباك، ودهشتي في الاكتشاف.

 التورط الأخلاقي

في قلب هذا الفضاء، وجدتُ نفسي لا أكتفي بمتابعة خيوط الحكاية، ولكني أقف أمام تساؤل يدور في رأسي: حين لا أعود مجرد متفرج يقبع خلف حصانة المقعد، هل أصعد درجة لأكون شريكاً في الجريمة؟ لقد وضعني هذا النوع من المسرح في مأزق أخلاقي لم أحسب له حساباً، فالمسافة التي كانت تمنحني عذراً للحياد قد تلاشت، وحل محلها تورط قسري يجعل من صمتي موقفاً، ومن ثباتي في مكاني فعلاً درامياً.

وكان تنقلي في ردهات الفندق ممارسة فعلية لما أطلقت عليه الباحثة جوزفين ماشون (Josephine Machon) في أطروحتها المرجعية "سلطة الاختيار" أو (Agency)، حيث تتلاشى دكتاتورية الرواية الواحدة، وتفسح المجال أمام حرية مربكة، وجدتني حينها أملك زمام قصتي، إذْ كان بمقدوري أن أقتفي أثر ممثل واحد لأستنطق أسراره، بينما يختار غيري الغرق في تفاصيل غرفة أخرى، لينسج كل منا حكايته الخاصة.

هنا، ولد مفهوم "العروض غير الخطية"، حيث لم يعد للعرض مسار رسمي يفرضه المخرج على الجميع؛ إنما استحالت المسرحية إلى آلاف الروايات المتوازية والمتقاطعة، روايات تكتب بعدد المشاهدين وخطواتهم، في هذا المسرح، نحن لا نتلقى القصة، بل ننتخب تفاصيلها، لنخرج في النهاية بحقيقة مجزأة، لا تكتمل صورتها إلا حين تتحد تجاربنا الفردية في ذاكرة جماعية واحدة.

استحضرت حينها فلسفة المخرج أوغستو بوال ونظريته الثورية "مسرح المقهورين"، ذاك الذي لم يرض لنا أن نظل أسرى لدهشة التلقي، فدعانا لنكون فاعلين (Spect-actors) في صياغة المصير، بالنسبة لـ "بوال"، كانت تلك اللحظة التي نقتحم فيها مجرى العرض هي التي تمنح الشخصية صك غفرانها، فتنتشلها من محيط الضحية السلبية لترتقي بها إلى مرتبة المساعد الذي يفتش عن مخرج وسط العتمة، في تلك البرهة، لا تعودين ممثلة تؤدي دوراً مرسوماً، بل تستدعين قيمك الحقيقية من مكامنها، وتضعينها تحت اختبار قاس أمام الجميع.

وسط مروري بين دروب الممثلين على المسرح، استدرج المشهد حواسي الخمس، فأنا هنا بكل كياني، أشم رائحة الغبار، وألتمس الأرض غير الممهدة التي تعطل حركتي، وأستمع لتفاصيل الشارع العشوائية، لأجد عقلي الناقد معطل عن التحليل، ليفسح الطريق لـعقلي العاطفي المندمج في أحداث المشهد، سالباً مني القدرة على المسافة، وتجبرين على أن تكوني جزءاً من المشهد، لا بعينيك فحسب، بل بمسام جلدك وذاكرة أنفك.

حينها، جال في خاطري عبق التجارِب العربية التي أرادت هذا الدرب، وتحديداً تجربة المخرج انتصار عبد الفتاح في "مسرح الجرن"، حيث يتحلل الجدار بين الفنان ومريديه، هناك، بينما يوزع المخرج ممثليه وجدتني واقفاً وبجانبي منشد يصدح بمكنونات روحه، وعازف ناي يتنقل بين الصفوف.

 العبور لخيال المخرج

وداخل ممرات دائرية تستحضر هيبة حلقات الذكر وجلالها، كان الممثلون يتحركون والجمهور يُحيط بهم أو يسير معهم، مما خلق حالة من الدوار الإبداعي جعلتني أذوب في صلب تلك الجماعة، وسط هذا الطقس، كان المخرج يزيدنا إبداعاً ويحفزنا على المشاركة بالإيقاع، عبر التصفيق المنتظم أو الهمهمة بآهات صوفية، حتى غدا صوتي ونبضي جزءاً حياً من الموسيقى التصويرية للعرض نفسه.

وفي خلفية تلك الروائع، تجلى لي البطل الصامت الذي يملي حضوره برائحة البخور التي تسكن الممرات، وملمس الخشب العتيق المحفور تحت أناملي، وإضاءة خافتة تتهادى لتخدر أعصابي، وجدتني أنساق نحو حالة من التنويم المغناطيسي الجماعي، في تلك اللحظة، شعرت وكأن روحي قد فارقت مكمنها، لتسكن خيال المخرج وتذوب في رؤياه، وسط تفاصيل نثرها المخرج في نفوسنا، وحولها لحقائق تشم بالوجدان، وتلمس بالروح، وتبصر بأعين غادرت منطق الواقع لتبني مدينتها الخاصة على خشبة المسرح.

لم يقتصر استدراج حواسي على استحضار الطقس الروحاني؛ إنما امتد ليعبث بمناطق العتمة في نفسي، حيث تجلى الرعب النفسي في عرض (The Willows) بلوس أنجلوس كأنه قيادة للوعي، هناك، كنت ضيفاً في عشاء فاخر داخل قصر يفيض بالغموض، حيث يمارس الممثلون فن الاستلاب الذهني أو الـ(Gaslighting) بأقصى درجات النعومة، كان الرعب ينساب من خلال النظرات المواربة والهمسات الرتيبة، وفي اللحظة التي لمست فيها يد الممثل يدي برفق يسبق همسة مرعبة، أدركت أن حاسة اللمس لم تعد وسيلة للأمان، بل غدت جسراً لنقل التوتر الطقسي، حيث اكتشفت تدريجياً أنني لم أدع لأتذوق الطعام، بل لأكون أنا القربان المنتظر في ذاك الطقس الغامض.

وعلى الضفة الأخرى، قذفت بي تجربة (Variant 31) في لندن إلى أتون الرعب الغرائزي، حيث يتلاحم المسرح الانغماسي مع ألعاب البقاء وسط متاهة تمتد عبر خمس وثلاثين غرفة، هناك، تعطل عقلي الناقد تماماً أمام وقع الهروب وحل الألغاز، تحت ضغط اللحظة، كان جسدي هو الذي يقرأ النص الدرامي، مجبراً على الزحف في ممرات ضيقة تستنشق روائح التعفن المصطنعة، وتتحسس جدراناً لزجة تثير الاشمئزاز، مما جعل المسافة بين التمثيل والواقع تذوب، ليحل محلها فزع حقيقي يكتبه العقل العاطفي في أعلى درجات استنفاره.

 ضريبة المسرح الانغماسي

وبرغم فتنة هذا التحرر، إلا أن تحطيم الجدران بين العرض ومريديه يفرض ضريبة باهظة، وتحديات قد تنقلب إلى عوائق حقيقية تفقد الفن جوهره الأسمى، ففي غمرة الاحتفاء بـحرية الاختيار، نجد أنفسنا أمام معضلة (تشتت الكلية لصالح الجزء)، فبينما تقتفي أثر ممثل في ركن قصي، قد يفوتك المشهد المفصلي الذي تتكثف فيه روح العمل، لتخرج بتجرِبة منقوصة ورواية مشوهة، حينها يتحول الغموض الجمالي إلى ارتباك محبط، ويستحيل شعورك بالانطلاق إلى إحساس بالتيه، كأنك أضعت بوصلة المعنى وسط التفاصيل.

ثم إن هذا الانغماس الكلي يطرح إشكالية الاختراق الحسي، فالمواجهات الفردية والتلامس الجسدي الذي تتطلبه بعض العروض قد لا يستسيغه الجميع؛ وإنما قد يستحيل إلى اقتحام للمساحة الشخصية، إن ملامسة يد الممثل أو همسه المباغت في أذن المشاهد قد يوقظ قلقاً دفيناً أو رهاباً اجتماعياً، مما يقلب لذة الاندماج إلى شعور بالتهديد، ويحول الطقس الفني من مساحة للتحرر إلى تجربة انتهاك نفسي، لاسيما في دهاليز الرعب التي تتلاعب بالأمان الداخلي للإنسان.

وفي موازاة ذلك، يبرز خطر طغيان الحواس على المعنى، حين تستبد بهرجة السينوغرافيا من إضاءة وبخور وديكور بسلطة "الكلمة"؛ فيخرج الجمهور مبهوراً بالبهرجة البصرية، لكنه فاقد للمحتوى الدرامي، لينتصر الاستعراض الفج على عمق الفن، وتتحول التجربة من كشف وجودي إلى مجرد مدينة فاخرة مبالغ فيها تفتقر إلى الثقل الفكري.

وعلى الرغم من المزالق التي قد يخلقها المسرح الانغماسي من تهميش النص، أو تشتت الرؤية، يظل هذا الاتجاه هو الرئة التي يتنفس منها الفن في عصرنا الحديث، فنحن لا نخرج من هذه العروض كما دخلنا، ولكننا نرحل محملين بحكايات اخترناها بأنفسنا، وندوب تجارب لامست أرواحنا، ليبقى السؤال قائماً حتى بعد انطفاء الأضواء: هل كنا حقاً نؤدي أدواراً رسمها الخيال، أم أننا نُعيد ترتيب مخاوفنا في هيئة مسرحية؟ هل كنا نمثل أمام الآخرين، أم نواجه وجوهنا الحقيقية التي لم تجرؤ يوماً على الظهور؟

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها