امرأة الغياب

فؤاد عفاني

كان يجلس في المقهى وأمامه فنجان قهوته السوداء، وعيناه مشدودتان إلى شاشة هاتفه في انتظار رسالة جديدة منها. لقد أصبح هذا حاله منذ عودتها بعد غيابٍ دام سنوات.. ما زال يتذكر لحظات جميلة جمعتهما في الأيام الخالية، ويذكر أيضاً كيف أحبَّها منذ رآها أول مرة، وكيف ظل عاشقاً حتى وإن فرقتهما مسافات المكان ومسافات أخرى لا سبيل لطيِّها، ولكنه يتذكر أيضاً كيف أنها ودون سابق إنذار قررت الرحيل يوماً، دون أن تفكر في قدر الجراح الذي خلفته بعدها، ولا اهتمت بحجم الفراغ الذي جعل حياته معتمة.
بعد غيابها، حاول أن يرتب أوراقه من جديد ويلملم الأشلاء التي خلفتها زوبعة الصبية الفاتنة التي رمته بسهم من عينيها فأصابت القلب ثم واصلت طريقها بابتسامة ساخرة. لم تُشفه جرعات النسيان التي أصرّ على أن يتداوى بها، فعيونُها تلاحقه في أحلامه، واللونُ الأسود ظل لونَه المحبَّبَ لأنه كان لونُها يوماً، وابتسامتُها الهادئةُ كانت تحاصره طيلة أمسياته الحزينة فتدفعه للبحث عنها لعله يلاقيها صدفة على مواقع التواصل الاجتماعي.. مع الوقت، تبدّد الأمل في لقائها أو سماع خبر عنها ولكنّ حبّها انزوى في ركن من القلب كقنبلة موقوتة تفجرها أي لوعة ذكرى.
لم يلُمْها على غيابها، ولم يلم نفسه على حبها، فالمشاعر لا قانون لها، والحب حالة تُلقي صاحبها في عالم مفعم بالأحلام فيحلِّق بجناحي الأمل حيثما يريد من الهوى. آمنَ بقدَرِه، فهو موقن أن الأشياء الجميلة تأتيه متأخرة. فطيلة حياته لم يكتف بالخسارات، ولكن القدر كان يُمْعِن في تعذيبه فيقدّم له أحلامَه متأخرةً.

عاد إلى قهوته يرتشفها، وفي ذهنه سؤال يحيره منذ الأيام الثلاثة الماضية: لماذا عدتِ يا سلمى؟ أمَا اكتفيت بما جنيْته في حق هذا القلب؟

طرد السؤال عن خاطره وشغل نفسه بالسعادة التي اعترت قلبه بعد عودتها، فكأنها لم تختفِ يوماً، لقد كان حنينها بين جوانحِه جمرةً خامدة تحت الرماد سرعان ما اتقدت نارها، فعاوده ذاك الشعور الذي غمره قبل سنوات، شعورٌ لا يدرك أحاسيسه إلا العاشقون الذين اكتوَوا بنار الحب. هي المرأة الوحيدة التي تجعله يعيش في حالة من فوضى المشاعر التي يمتزج فيها الفرح بالحزن والشوق بالحنين، امرأةٌ يشعرُ برعشة أناملها رغم كل المسافات، فيخفق قلبه لِخَفقان قلبها، وتثقُلُ الكلمات على لسانه في حضورها.
أخذ رشفته الأخيرة من الفنجان، وتأمل في المسافات بينهما، تمنى أن يقول لها كم أحبّها، وكم هو مجنون بها، تمنّى أن يضمَّها، ويلومَها على الغياب، ويهمس في أذنها أنها تسكنه رغم كل شيء... لكنه لم يفعل ذلك، فقد اختبَر الفَقد في السنوات الماضية، وكل ما يريده الآن هو أن تظل إلى جانبه دون أن يَصدُر منه ما يدفعها للهروب من جديد، سيكون إلى جانبها في هدوء ينصت إلى نبضها ويعيش على أمل اللقاء.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها