"عرس الزين" بين الرواية والحكاية الشعبية

فؤاد مرسي


رغم أن موضوع استلهام التراث الثقافي وتوظيفه في النصوص الأدبية أمر شائع ومتعدد الأغراض، إلا أن قلة نادرة من تلك النصوص هي التي استطاعت أن تستحضر آليات المأثور وفق قوانينه وتقاليده الخاصة، بحيث فارقت هذه النصوص جنسها الكتابي وحلت في مواضعات جنس آخر هو الأدب الشعبي، بما يتعالق به من عادات وتقاليد وطقوس ومعتقدات.


في مثل هذه النصوص النادرة يسطع الحس الفولكلوري بقوة، فيصبغها بألوانه، ويضعها داخل مساحاته مباشرة، وينقلها من عالم الكتابية إلى أقانيم الشفاهية، أو بمعنى آخر؛ يحيلها من ساحات الجنس الأدبي إلى مواضعات وتقاليد النص الفولكلوري بمواضعاته وأساليبه، على نحو ما نجد من صناعة جديدة للأسطورة كما في رواية "فساد الأمكنة" للروائي المصري "صبري موسى"، والحكاية الشعبية كما في "عرس الزين"، للروائي السوداني "الطيب صالح"، والبطولة كما تقدمها "الأشياء تتداعى" للكاتب النيجيري "تشينوا أتشيبي". إذ يمكننا القول، إن هذه الروايات تجاوزت حدود جنسها الكتابي وعبرت بعيداً عنه، بحيث لا يمكن فهم أبعاد عوالمها أو التواصل والتعاطف مع أبطالها دون تفهم ملامح الجنس الجديد الذي حلّت فيه، وهو الأدب الشعبي بروافده المختلفة، فصارت -إن جاز التعبير- نصوصاً شعبية يمكن أن تضاف إلى مجموع النصوص الشفاهية التي تشكل عقل ووجدان أبناء كل دولة من دول كاتبيها، إذْ يمكننا، عندها، أن نحكي حكاية "الزين" في المجالس والدواوين بوصفها حكاية شعبية تتناقلها الأجيال وتستخلص معانيها دائماً ونتعلم منها.

ونتناول "أوكونكو" بطل رواية "الأشياء تتداعى" بوصفه نموذجاً للبطل الحامل قيم مضامين مجتمعه، وليس مجرد بطل رواية تنسرد الأحداث عبر حركته في الزمان والمكان.

وبالنهج ذاته نضيف إلى تاريخ الأساطير الإنسانية أسطورة جديدة هي أسطورة "نيكولا" كما صاغها "صبري موسى" في "فساد الأمكنة".

حكاية الزين

بدا الطيب صالح في معظم أعماله الإبداعية وكأنه يواجه الآخر -المستعمر الإنجليزي- الذي رضخ على الجسد السوداني وحاول إرهاقه وإجهاضه وتمزيق أوصاله وتحويلها إلى أشلاء متفرقة. في هذه المواجهة تسلح الطيب صالح بالمنتوج الإبداعي لمجتمعه من حكايات وأساطير، امتلكت وأسست مقوماتها الفنية قبل أن يفرض الأوروبي نموذجه القصصي أو الروائي على العالم العربي، فتحولت كتاباته إلى نصوص ثقافية شديدة المحلية تقف نداً لنص الحياة التي يريد الآخر تعميمها على الشرق.

في رواية عرس الزين، التي كتبت في سنة 1962، يتجلى سؤال أول يمتلك وجاهته وهو: هل أراد الطيب صالح أن يواصل استحضار مكونات عالمه المحلي وخصوصية بيئته وتشبثه بالمنتوج التراثي الحي ليقدم رواية تستفيد من، أو توظف، مكونات الأسطورة والحكاية الشعبية فحسب؟ أم أنه كان يريد أن يصوغ حكاية شعبية جديدة تنضاف إلى مجموع الحكايات الشعبية السودانية.

لقد ولدت "عرس الزين" من رحم الجماعة الشعبية، وحملت تقاليدها وأفكارها وعقائدها ومواقفها وتاريخها، فـ"الزين" –بطل الرواية- لم يكن مجرد شخصية روائية عادية، ابتُدعت لتسهم في الدفع بالموضوع الروائي إلى غايته، أو بُنيت لتحمل رؤية الكاتب وموقفه وتمررهما بصورة أو أخرى، ضمن عناصر أخرى عديدة تنهض عليها بنائية العمل الروائي.

كان "الزين" وعاء حاملاً للتاريخ الاجتماعي، وسجلاً أميناً للجماعة الشعبية، حوى أفكارها ومآسيها إزاء التاريخ الرسمي ورموزه التي دأبت على تهميشه وإقصائه مقابل استئثارها بالمشهد الحياتي ورسم خطوطه وملامحه.

لقد خرج الزين من البنية السردية للحكاية الشعبية ليتحول إلى بطل روائي. ومن خلال هذه الشخصية أقام "الطيب صالح" جسراً من التواصل بين الثقافتين: الرسمية والشعبية.. فلم يكن هدفه كما يبدو من النظرة المتعجلة للرواية أنه أراد إجراء تبرير لحياة الجماعة الشعبية أو المصالحة بين الواقع وما وراء الواقع.. وإنما بين الأطراف المتباينة للواقع ذاته.. تلك الأطراف التي من فرط تعارض مصالحها واختلاف مشاربها، بدا أنه من المستحيل تلاقيها (الزين – سيف الدين). (الناس- شخصية الحنين). لكن "الزين" استطاع أن يقرب هذه المسافات ويذيب جبل الثلج الرابض على قلب الحياة.. ذلك الجبل الذي صور لكل إنسان أنه قادر بذاته، ومكتف ومتحقق بها. وباعد بين أعضاء الجسد الواحد.

في هذه الرواية يكاشفنا الطيب صالح بدرايته الوثيقة والعضوية بفنيات وأساليب الحكي الشعبي، حتى إنه يمكن القول إنه قدم حكاية جديدة تنضاف لمجمل الحكايات الشعبية السودانية، وهي حكاية "الزين"، لتتحول إلى ذاكرة جماعية تمجد القيم النبيلة، مستفيداً من جماع السمات الأسلوبية والفنية والبنائية للحكاية، ومن أهمها الاعتماد على بنية التكرار وهي بنية أساسية في جسد الحكاية.

تبدأ الرواية بخبر إعلان دخول "الزين" في المرحلة الثانية من مراحل دورة الحياة، وهي مرحلة الزواج والعبور إلى عالم الرجال، وكأن الراوي يؤهلنا لاستقبال عملية طقوسية كاملة بما تستتبعها من إجراءات، تمثل علامة فارقة في تاريخ الإنسان.

"الزين يتزوج".

قام "الطيب صالح" بتوظيف بنية التكرار التي تعتمد عليها الحكاية الشعبية، من خلال تكرار خبر زواج "الزين" ثلاث مرات ليجعل منه نقطة محورية تروح وتأتي عليها الحكاية من جانب، وتمثل عامودها الرئيس من جانب ثان. فضلا عن مطابقة الاسم للمسمى، كقيمة تحرص عليها الحكاية الشعبية دائماً. الزين رمز الجمال، ونعمة رمز الوفرة، والحنين رمز الشغف والرغبة في الانعتاق والخلاص.

لذا سوف تجعل القرية من زواج الزين تاريخاً فريداً في سجلها وتجعل منه حدثاً فارقاً، يعبر عنه "ناظر المدرسة"، وهو متوجه إلى دكان "الشيخ علي" وعنده "عبد الصمد" قائلاً قبل أن يصل إليهما: "شيخ علي، حاج عبد الصمد، السنة دي سنة العجايب دا كلام إيه دا" [ص: 88].

الشخصية العجائبية

مثل كل الأبطال الشعبيين ولد "الزين" ولادة عجيبة وغريبة عن المألوف لتمنح شخصيته خصوصية اجتماعية منذ لحظته الأولى في الحياة: إذ "يُروى أن الزين، والعهدة على أمه والنساء اللائي حضرن ولادتها، أول ما مس الأرض، انفجر ضاحكاً. وظل هكذا طول حياته". كما أنه: "كبر وليس في فمه غير سنين، واحدة في فكه الأعلى، والأخرى في فكه الأسفل" [ص: 15].

فضلا عن ملامح العجب الأخرى التي يقدمها الراوي عبر وصفه الخارجي لشخصية "الزين" مشفوعاً "بتشبيهات تتصل بعالم الحيوان: حواجب ولا أجفان، عنق طويل كالزرافة، ذراعان طويلتان كذراعي القرد، ساقان رقيقتان طويلتان كساقي الكركي، الضحك الغريب الذي يشبه نهيق الحمار".

أما فقدانه الأسنان البيضاء فهو أيضاً من الغرائب التي ترويها أمه عنه، فقد كان فمه مليئاً بأسنان بيضاء كاللؤلؤ. ولما كان في السادسة ذهبت به يوماً لزيارة قريبات لها، فمرا عند مغيب الشمس على خرابة يشاع أنها مسكونة، وفجأة تسمر الزين مكانه وأخذ يرتجف كمن به حمى، ثم صرخ. وبعدها لزم الفراش أياماً، ولما قام من مرضه كانت أسنانه جميعاً قد سقطت، إلا واحدة في فكه الأعلى، وأخرى في فكه الأسفل. [ص: 15].

هذه الحكاية التي تربط بين المرئي والخفي ونفاذ الأخير إلى الأول والسيطرة عليه، إضافة إلى المظاهر الأخرى المتصلة بالعجب تجعل من "الزين" شخصية فريدة ومتميزة عن الجميع، بحيث كان محوراً لحديث المجالس منذ ولادته.

لكن هذه الشخصية بملامحها الدميمة في الظاهر تنطوي على داخل ممتلئ بمحبة الناس وقدرتها على إدخال البهجة إلى نفوسهم.

لقد رفضه مجتمع الرواية في البداية وسخر منه وأخرجوه من زمرة العاقلين، لكن هيهات فهذا المطرود من جنة محتكري اليقين هو الذي وهب لهم الحياة وأوقفهم على مشكلاتهم وعيوبهم.

مراحل العبور

يمر بطل السيرة الشعبية بثلاث مراحل أساسية في حياته تشكل قوامها ومجريات أحداثها. فإضافة إلى ميلاد "الزين" المختلف، هناك التنشئة الاغترابية، التي بدت من خلال هيئته الجسدية الباعثة على النفور أو السخرية منه:

كان وجه الزين مستطيلا ناتئ عظام الوجنتين والفكين وتحت العينين، جبهته بارزة مستديرة، عيناه صغيرتان محمرتان دائماً، محجراهما غائران مثل كهفين في وجهه، ولم يكن على وجهه شعر إطلاقاً. لم تكن له حواجب ولا أجفان، وقد بلغ مبلغ الرجال وليست له لحية أو شارب.

تحت هذا الوجه رقبة طويلة، لذلك كان من بين الألقاب التي أطلقها الصبيان على الزين لقب "الزرافة". والرقبة تقف على كتفين قويتين تنهدلان على بقية الجسم في شكل مثلث. الذراعان طويلتان كذراعي القرد. اليدان يظنان عليهما أصابع مسحوبة تنتهي بأظافر مستطيلة حادة، نظراً لأن الزين لا يقلم أظافره أبداً.

إلى آخر المظاهر الجسدية التي أسهبت الرواية في تفصيلها لتبرير مسألة اغترابه عن المجتمع، حتى أصدقاؤه المقربون فهم مغتربون مثله: عثمانة الطرشاء، موسى الأعرج، بخيت الذي ولد مشوهًا هو الآخر، ويتابع أهل البلد هذه العلائق فيزداد عجبهم. ويظنونه مرة نبي الله الخضر ومرة ملاكا أنزله الله في هيكل آدمي زري "ليُذكِّر عباده أن القلب الكبير قد يخفق حتى في الصدر المجوف والسمت المضحك كصدر الزين وسمته".

وخلافا للمُتوقَّع من هذه الشخصية فإن الزين كان يمتلك قوة خارقة، حين تنفجر فلا يقدر أحد على إيقاف هيجانها.

أما ثالث المراحل وهي الاعتراف الجماعي بالزين؛ فإننا نتكشفها بزواج "الزين" من "نعمة" أجمل فتيات القرية. ولأنه شخصية عجائبية فقد أحدث خبر زواجه دوياً هائلاً، استقبله كل بطريقته وأعاد إنتاج خبره بما يتوافق مع أهوائه وأغراضه.

سوف يتزوج "الزين" من نعمة التي كانت قد طلبتها "أمنة" بائعة اللبن لابنها "أحمد" ورفضت.

إن خبر زواج "الزين" من "نعمة" يجعل "آمنة" بائعة اللبن تعيد حساباتها وتفكر في سبب رفض أم نعمة لابنها "أحمد"، ومن بين الأسباب التي خمنتها لذلك الرفض أن تكون "أم نعمة" قد اكتشفت أن بائعة اللبن تغشها، ومن ثمّ كيف ترضى لبنتها أن تتزوج من ابن غشاشة. وفور وقوع "آمنة" على هذا الدافع المتخيل، فإنها تبادر بزيادة أم نعمة في اللبن لتشتري ودها.. هكذا كان زواج الزين دافعاً لأن يعيد البعض النظر في مواقفه وطريقة حياته ومساءلة نفسه.

أما الناظر الذي كان قد طلبها لنفسه من أبيها، ورُفض طلبه لفارق السن بينهما، فلما سمع "بأنها ستزف للزين دون سائر الناس أحس الخنجر ينغرس أكثر في قلبه". [ص: 92].

وطقس العبور يمثل نقطة مهمة في حياة الإنسان وموقعه الاجتماعي، إذْ يعني انتهاء مرحلة من عمره والدخول في عداد المرحلة التالية، والزين كان يستبق هذه المكانة، إذْ يلجأ في مداعباته ومسامراته دائماً للحلف بالطلاق من امرأته قبل زواجه على عادة الرجال الشعبيين، وكان "محجوب" لا يصدقه لأنه غير متزوج، أما حين يحضر "محجوب" حفل زفاف الزين، فإنه يقول: "دحين أصبحت بني آدم. حلفتك بالطلاق يا دوب أصبح ليها معنى". [ص: 121].

البعد الصوفي

يستمد البعد الصوفي في "عرس الزين" وجوده من خلال شخصية "الحنين"، الذي يظهر ويختفي دون مقدمات وحين يظهر في القرية فإنه لا يقيم إلا في بيت الزين.

ويمتد الأمر إلى توطين الصوفي في متن الحياة اليومية لهذا المجتمع، عبر العلاقة الخاصة بين الزين والحنين كدال لعلاقة الديني بالاجتماعي، وكيف يتمثل الثاني الأول. فالظهور المفاجئ لـ"الحنين" في واقعة الشجار بين الزين وسيف تمثل نقطة تحول محورية في الرواية، فالشخص الوحيد الذي استطاع أن يوقف هيجان "الزين" هو "الحنين" الذي بان تأثيره وسلطانه على الزين.

وليس فقط انصياع "الزين" للحنين مثل تابع لسيد هو ما يثير التعجب؛ إنما هو أيضاً صاحب النبوءة الأساسية في عالم الزين والتي ستنقله من مرحلة إلى مرحلة أخرى من مراحل الأبطال الشعبيين، إذْ تنبأ بأنه سيتزوج من أجمل فتيات القرية وهي نعمة. في هذا الخضم الحكائي تقوم النبوءة بدورها الهيكلي في السيرة.

هكذا تحتشد الرواية بالرموز والدلالات الاجتماعية التي تكتنف وتؤطر حياة مجتمع الرواية، فضلاً عن الثنائيات المتقابلة التي توقفنا على عظم المفارقة بين: العلم والجهل، القبح والجمال، المظهر والجوهر. فالزين المتواضع هو الذي يفجر أسئلة أبطال الرواية جميعهم، ويجعلهم يعيدون اكتشاف ذواتهم في مرآته، بل بالأحرى إعادة اكتشاف الحياة نفسها. وإعادة ترتيب العلاقة الجدلية بين المتن والهامش، حيث يتحول الهامش إلى متن ذي جمالية خاصة، من خلال زواج الزين من نعمة واتحادهما معاً، ليصبح هذا الاتحاد هو الجسر الذي يصل بين هذه الثنائيات ويؤلف بينها في انسجام.

وفي سبيل تحقيق هذا المسعى، اعتمد الطيب صالح على تفجير المفردات الفولكلورية سواء الظاهرة أو الكامنة من: لغة وتراكيب وعادات وتقاليد وطقوس.. إلخ، واستنطاق هذا كله وإعادة إنتاجه بوصفه طاقات إيجابية مشحونة بالخبرات الحياتية الفعلية، التي اكتسبها الناس من جراء تفاعلهم المباشر مع الحياة أخذاً وعطاءً، لينتقل الفولكلور من المجال الحكائي إلى الفعل السردي، بما يحكمه من جماليات، ويصبح الفولكلور بأبعاده المختلفة هو الركن الرئيس للرواية، لغة، وشخصيات، وأحداثاً، ومكاناً، هو قرية "ود حامد" التي تتحول من مكان واقعي إلى بنية فولكلورية، محتشدة بالعلامات والرموز، التي تعكس النظام المعرفي والفكري الحاكم، فعلا، لسلوك أبطال الرواية.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها