أسرارٌ بينَ أنيابِ فيل الماموث المنقرض!

ترجمة: محمد زين العابدين


هذا المقال يلقي الضوء على أسرار ما تبَّقى من أحفاد فيل الماموث المُنقَرِض، والصراع التجاري المحموم على التجارة غير المشروعة في الأنيابِ الثمينة لهذا الفيل العجيب، ويستعرض المقال الأضرار المدمرة للبيئة، والمُهددة للحفاظ على الموارد البيولوجية والجيولوجية، الناتجة عن ذلك.

 


تجارة غير مشروعة ومدمرة للبيئة في أعماق سيبيريا!

في الصيف السيبيري، لا تغيب الشمس أبداً. على طول ضفاف نهر (كوليما)، في شمال شرق المنطقة، تعلو أشجار الصنوبر والتنُوب الطويلة، المغطاة بخليطٍ من الأشنة والطحالب.

إنها واحدة من آخر المناطق البرية العظيمة في العالم، لكن جمالها يتآكل حرفياً بسبب الأعمال السرية المزدهرة. في كل عام، تتوجه أطقم سرية من الرجال إلى المنطقة للبحث عن الكنز المخفي: أنياب فيل الماموث الصوفي المتجمدة في التربة الصقيعية.

إنه عمل قذر ومضني. إنهم ينامون في خيام مؤقتة، ويعيشون على لحوم البقر المُعَّلبة، والمعكرونة والفودكا، ويعملون بشكل غير قانوني، ويمزقون بقايا الماموث المدفونة بالأرض بمستوى من القوة الغاشمة لم يسبق له مثيل من قبل.

إنهم يبيعون الأنياب بربحٍ كبير، مما يخلق "حمى ذهب" جديدة - ليس في المعادن الثمينة، ولكن في أجزاء جسم فيل منقرض. وفي خضم كل ذلك، تتزايد المخاوف من أن هذه الممارسة يمكن أن يكون لها تأثير مدمر على ابن عم الماموث في العصر الحديث، الفيل الأفريقي.

إنهم يفجرون ضفاف النهر، والمنحدرات دائمة التجمد، بنفَّاثاتٍ من الماء، تُسحَب من النهر أو البحر القريب. وتأتي الطاقة من مضخات المياه المؤقتة التي تعمل بالبنزين، والتي يتم تحويلها من محركات عربات الثلوج والمركبات الأخرى.

تعمل المدافع المضغوطة على تحويل التربة الصقيعية إلى كتلة من الحمأة والحصى كريهة الرائحة، والتي تتسرب بعد ذلك إلى المجاري المائية. ولأن التربة الصقيعية ظلت متجمدة منذ نهاية العصر الجليدي الأخير، أي قبل حوالي 11700 عام، فقد تم الحفاظ على بقايا الحيوانات المدفونة فيها بشكلٍ مثالي.

يحتفظ الصيَّادونَ بالأنياب السليمة، ولكن يتم التخلص من كلِّ شيءٍ آخر، سواء العظام أو الأسنان وشظايا الأنياب، ويُترك لهذه العناصر في السنوات التالية، إما أن تُغسَل أو تَجِّف.

الأضرار التي لا داعي لها:

في بعض الأحيان، يقوم الصيَّادونَ بحفر سفوح التلال بأكملها، فيحفرون أنفاقاً تمتد لمسافة 60 متراً أو أكثر في الأرض. يقول البروفيسور (لوف دالين)، عالم الحفريات القديمة بالمتحف السويدي للتاريخ الطبيعي في ستوكهولم، والذي يزور سيبيريا بشكلٍ روتينيٍ، لاستكمال الأبحاث الخاصة بدراساته العلمية: "هذه ظاهرة جديدة في روسيا؛ من الواضح أن هذا ليس جيداً؛ لأنهم يدمرون التربة الجليدية، ويتركون فيها ندوبًا كبيرة".

ولتعظيمِ أرباحهم، يحاولُ التجار بشتى الطرق العثور على الأنياب، في مناطق تكون فيها كثافة العظام الحيوانية مرتفعة؛ وهذا مصدر إحباط لـ(دالين)؛ لأن المقابر الجماعية التي ينقبون فيها لها قيمة علمية خاصة. وهو يقول: "إنها إما موقع لحوادث قتل بشري، أو نوع من الفخاخ الطبيعية التي ماتت فيها أفيال الماموث المنقرضة".

الكنز المدفون:

بسبب عملية الحفر والطمر المستمرة، بحثاً عن المزيد من العاج، تعَّمقت أنياب أفيال الماموث أكثر فأكثر. وفي بعض الأحيان، يقوم المنقبون بإنشاء كهوف ضخمة تحت الأرض. في عام 2012، زار دالين موقعاً يضم حوالي 30 نفقاً، وقد تم التنقيب فيه قبل بضع سنوات عندما أخذ الصيادون أنياب ماموث صغير عثروا عليه. أراد دالين والفريق استعادة الجثة، ولكن مع ذوبان الجليد المتكرر في فصول الصيف المتعاقبة، أصبحت الأنفاق غير مستقرة، وانهار المكان الذي كانوا فيه قبل أن يتمكنوا من العثور على الماموث، بعد لحظات من زحف الفريق للخروج منه.

خسارة العلم:

عندما كان فيل الماموث حياً في الأزمنة الجيولوجية الغابرة، كان طول أنيابه يصل إلى 4 أمتار، وكانت تستخدم للمساعدة في البحث عن العشب تحت الثلج.

واليوم، توفر هذه الأنياب سجلاً قيِّماً لحياة الحيوانات، بالإضافة إلى احتوائها على الحمض النووي الذي يمكن استخدامه في الدراسات الوراثية، حيث تحتوي أنياب فيل الماموث على سلسلة من حلقات النمو، تشبه إلى حد كبير حلقات جذع الشجرة.

وبذلك أمكن للباحثين استنتاج عمر الحيوان، بل وإماطة اللثام أيضاً عن بعض تفاصيل قصة حياته؛ على سبيل المثال، اتضح أن أنياب إناث أفيال الماموث البالغات كانت تنمو بشكل أبطأ أثناء الحمل، لذلك أصبح من الممكن معرفة عدد النسل الذي تم إنتاجه، من خلال إحصاء عدد الأنياب.

مقبرة الماموث:

قبل خمسين ألف سنة، بدتْ سيبيريا مختلفة تماماً عما هي عليه اليوم. فبدلاً من الغابات والتندرا الصخرية، كانت المنطقة مغطاة بالمراعي والتربة الخصبة، وكانت قطعان فيل الماموث الصوفي تجوب السهول المفتوحة.

ثم شيئا فشيئاً، قرب نهاية العصر الجليدي الأخير، بدأت أعدادها في التناقص. لا أحد يفهم حقّاً السبب وراء ذلك. يلقي البعض اللوم على الصيد البشري، والبعض الآخر يلقي اللوم على التغير المناخي، والبعض الآخر يلقي اللوم على الأمرين معاً.

ما نعرفه هو أنها اختفت من سيبيريا قبل عشرة آلاف عام، ثم من مخبئها الأخير، بجزيرة شمالية تسمى (رانجل)، قبل 3700 عام فقط، أصبحت سيبيريا الآن مقبرة ضخمة للماموث، وتشير التقديرات إلى أن بقايا مئات الآلاف من الحيوانات الفردية مدفونة في التربة الجليدية.

حقائق عن فيل الماموث المنقرض:

الاسم اللاتيني له هو: الماموثوس (Mammuthus)، ومتوسط عمره 60 عاماً، وأقرب أقاربِهِ الأحياء إلى الآن هو الفيل الأفريقي (Loxodonta africana)، وقد لعب التغير المناخي، والصيد البشري الجائر لأفيال الماموث دوراً في زوالها.

ويصل طول الذكور البالغين إلى 3.4 متراً، ويصل وزنها إلى سبعة أطنان (أي ما يعادل تقريباً وزن ثلاث سيارات أجرة سوداء في لندن). وقد عاش فيل الماموث خلال العصر الجيولوجي الممتد فيما بين عصر البليوسين (قبل 5 ملايين سنة)، وحتى نهاية العصر الجليدي (قبل عشرة آلاف سنة).

وقد بقي على قيد الحياة عدد قليل من أفيال الماموث، المعزولين في جزيرة رانجل بالمحيط المتجمد الشمالي حتى عام 1650 قبل الميلاد.

كنوز تحت الجليد:

مع ارتفاع درجة حرارة عالمنا، تذوب التربة الصقيعية وتبدأ بقايا الأفيال العملاقة المتساقطة في الظهور. في بعض الأحيان، يمكن رؤية الأنياب وهي تخرج من منطقة التندرا غير الساحلية، ولكن في أغلب الأحيان، يتم العثور عليها في الأماكن التي تتآكل فيها التربة الجليدية بشكل طبيعي، مثل ضفاف الأنهار والسواحل.

وفي المستوطنات التي تحولت إلى مدن أشباح، بعد سقوط الشيوعية، قدَّمت أنياب الماموث شريان حياة للسكان الأصليين في المنطقة، والذين لا يزال مسموحاً لهم قانوناً بجمعها.

نابٌ واحدٌ يمكنُ أن يُغَّيِرَ حياةَ الرجل. وفي ريف سيبيريا، حيث يبلغ متوسط الراتب الشهري نحو 500 دولار، يمكنُ لنابٍ يزن 65 كيلوجراماً أن يحقّقَ ربحاً لمن يجدهُ، يُقَّدَر بما يزيد على 30 ألف دولار. ونتيجةً لذلك، انتشرت حكايات "مخططات الثراء السريع"، مما أدى إلى جذب سلالة جديدة من الصيادين، الذين يصلون لأماكن تواجد أنياب الماموث بالقوارب.

وبالإضافة إلى أنياب الماموث؛ فإن قرون عملاق آخر من العصر الجليدي، وهو وحيد القرن الصوفي، تحظى أيضاً بتقديرٍ كبير، ولنا أن نتخيل أن قرن وحيد القرن الصوفي، الذي يبلغ وزنه 2.4 كجم، سيحقق لمن يجده عند بيعهِ ربحاً يُقَّدَر بحوالي 14 ألف دولار، عند بيعِهِ إلى وكيل، يقوم بعد ذلك بتصديرِهِ إلى جنوب شرق آسيا.

وفي فيتنام، يتم طحن القرون إلى مسحوق، واستخدامها في الطب التقليدي، مع الاعتقاد الخاطئ بأن لها القدرة على علاج كل شيء، بدءاً من النقرس إلى السرطان، ولدغات الثعابين، بل إنَّ السكانَ المحليين يعتقدون أن هذا المسحوق له القدرة أيضاً على العلاج من المَّسِ الشيطاني. لكِّنَ أنيابَ الماموث تواجهُ مصيراً مختلفاً.

جوانب أخرى لتجارة العاج:

ينتهي نحو 90% من أنياب فيل الماموث السيبيري (أكثر من 60 طناً سنوياً) إلى الصين أو هونج كونج، حيث يتم نحتها في زخارف شديدة الإتقان، تدل على مهارة وتمَّكُن صانعيها؛ وتُباع بمئات الآلاف من الدولارات.

ويزعم البعض أن أنياب الماموث، التي توصف بأنها "مصدر أخلاقي" للعاج، ستخفف الطلب على عاج الأفيال، لكن آخرينَ يعارضونَ ذلك، بأن وجود العاج بأي شكلٍ من الأشكال، لا يؤدي إلا إلى تحفيز السوق.

 


المصدر: مجلة BBC Knowledge الإنجليزية - عدد أبريل 2018.
 

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها