مقدمات في فلسفة الفن

بورجا مريم


في كتابه الموسوم بـ"مقدمات في فلسفة الفن" افتتح رياض عوض حديثه بسؤال مهم وهو: كيف يكون العمل الفني جميلًا؟ ويجيب بأن الاستمتاع بالفعل الفني ليس شيئاً نهائياً، فهو ينمو ويتطور. وعلى هذا فإن الاستعداد الفطري لتذوق الأعمال الفنية لا يكفي وحده، إذ لا بد من تغذيته والارتقاء به بكل الوسائل المتاحة، حتى نبلغ مراتب التذوق العليا. مؤكداً على أنه بات اليوم من المسلم به أن الإبداع الفني عملية معقدة جداً، ونحن نرى في أيامنا هذه إجماعاً لدى الفنانين والنقاد والفلاسفة على ضرورة الاهتمام بالمشاهد والمتذوق والمستمع.


ويشير رياض عوض إلى أن قضية المحتوى والشكل مسألة أساسية في الفن، كما هي مسألة أساسية في غير الفن ولقد تصدت لها الفلسفة منذ القدم، خاصة فلسفة أرسطو الذي اعتبر من الكثيرين مرجعاً صالحاً في فهمها. حيث يقول أرسطو: إن الشكل هو العنصر الأساسي والأهم في الفن، بينما المحتوى هو بمثابة العنصر الثانوي.

ويذهب رياض عوض إلى التأكيد على أن قيمة العمل الفني، وإلى حد كبير قيمته المعرفية والأخلاقية، وبالتحديد أن كل مضامينه يمكن أن تلغى تماماً إذا لم يقلق الفن المتلقي، ولم يثر فيه الاستجابة الانفعالية، ولم يقدم له المتعة الجمالية. ويرى هنا أن العلاقة وثيقة بين الشكل والمضمون. فهما متلازمان، يؤثر الواحد منهما في الآخر، ولا يمكن الفصل بينهما بوصفها عناصر مستقلة في العمل الفني. فالعمل الفني وحدة لا تتفتت، وتفتيتها إلى أجزاء أو عناصر يقضي على الفن وعناصره. فالشكل والمحتوى يتحدان بشكل وثيق في تفاعل جدلي، واتحادهما لا يتم إلا من خلال موقف الفنان الذي يعطي للمحتوى شكلًا، ليس من خلال عرضه فقط؛ وإنما من خلال الطريقة التي قدم بها هذا الشكل، والسياق، ودرجة الوعي عنده.

نقطة مهمة جداً توقف عندها رياض عوض وهي الفن في فجر الإنسانية، حيث يرى أن الفن لم تكن تربطه بالجمال سوى علاقة واهية، ولم تكن له أية علاقة بالرغبة الجمالية. لقد كان أداة سحرية، أو سلاحاً سحرياً لدى الجماعة البشرية في نضالها من أجل البقاء. إن نشأة الفن الأولى لم تكن فنية، وإنما كانت وظيفية واستعمالية. ابتدأ الفن استجابة للمنفعة، ثم تدرج إلى المتعة حين تحرر الإنسان نسبياً من الحاجة والضرورة والحتميات الملحة.

علاقة الفن بالفلسفة:

وفيما يخص حديثه عن علاقة الفن بالفلسفة يقول: إنه عندما تسعى الفلسفة إلى تناول المسائل الفنية تناولا، وتعمل على إخضاعها لروحها وطرقها وماديتها إخضاعاً تاماً، فإنها لا تسلم من سوء النتائج، كما أن الفن لا يلبث أن ينفر منها. ولكن الثابت والأكيد يضيف رياض عوض أن للبحث الفلسفي قيمة كبيرة، لا من حيث تحليل فكري فحسب، بل لأنه يزيد من استمتاعنا بالموضوعات الفنية، ويوسع فهمنا لها، ويفتح أمام الناقد والمتذوق آفاقاً جديدة يطل منها على ميدان الفن. حتى إن علم الجمال بالذات لم يكن ليبصر النور، ويمتلك مبرر وجوده لولا الفلسفة.

الفن والأخلاق:

علاقة الفن بالأخلاق كانت حاضرة عند رياض عوض؛ إذ اعتبر أن محاولة استبعاد أي إشراف أخلاقي على الفن بحجة حماية الفن والحفاظ على نزاهته هو استبدال لتعصب بتعصب آخر. كما أن محاولة إعلاء الطابع الجمالي فوق كل شيء، لا تقل في ابتعادها عن المعقولية عن محاولة إعلاء الشأن الأخلاقي فوق كل اعتبار. وبالتالي فمما لا شك فيه أن المستقبل معطى فاصل في الحياة، لا يمكن تهميشه، ومن هذا المنطلق فإن الاستغراق الجمالي ليس هو الموقف الوحيد الذي يجب أن نواجه به العالم كما أن العمل الفني لا يمكن إطلاقاً أن تكون تأثيراته بذاته ولذاته، سواء أكانت هذه التأثيرات إيجابية أو سلبية، مصدر فتنة أو مصدر فساد، مصدر نفع أو مصدر ضرر؛ وإنما التأثيرات تكون له من خلال المجتمع وأخلاقيات هذا المجتمع في زمن محدد ومكان محدد.

وهنا نجد رياض عوض يؤكد على أن النظرية الاجتماعية للفن يجب ألا تقلل من قيمة الأثر الفردي وفاعليته في العمل الفني، بل على العكس أن الفرد هو الذي يبدأ بالعمل الفني، وهو الذي ينفذه، ولكنه في الوقت ذاته لا يكون مستقلًا في هذا التنفيذ عن سائر أفراد المجتمع، بل هو فرد اجتماعي مشبع بروح الجماعة، تلك الروح التي ينبع منها إلهامه الفني الذي يعمل على إشباع حاجات الوسط الذي يعيش فيه. فالفنان كما يقول الاجتماعيون هو أقدر من غيره من الأفراد العاديين على إنجاز المطالب. بيد أن المجتمع في نهاية الأمر هو المصب والمورد الأخير للعمل الفني وللقيمة الفنية ولإحساسنا بالجمال.

عن الفن والنقد:

وعن علاقة الفن بالنقد يقول رياض عوض: الحقيقة أنه مهما كنا لا نرضى للفنان أن يخضع فنه لأذواق النقاد يتحكمون بها؛ فإن الحياة الفنية مع ذلك لا يسعها أن تستغني عن هؤلاء النقاد ولا أن تزدهر إلا بهم، فالفنان مهما تميز بالتفوق والإبداع فإن حاجته إلى الانتفاع بالثقافة الفنية والمعرفة الأدبية التي يوفرها له الناقد هي حاجة مطلوبة؛ لأن من شأنها أن تلهب تفوقه. والنقاد بما أوتوا من علم ونفاذ بصيرة يمكن أن يوقظوا الأذواق المرهفة إلى الجمال ومواضعه، فالإنسان لا يزال في حاجة إلى ما يبصره بالجمال، ليسعى إليه، ويعمل له، ويجد في الحصول عليه، وما يصبره بالقبح في الحياة والناس، ليعدل عنه، حتى يحقق المثل الأعلى الذي تصبو الإنسانية إلى تحقيقه.

وختم رياض عوض بالتأكيد على أن تحديات المستقبل تستدعي أن يأخذ الفن دوره من أجل تقدم وتطور بلداننا العربية لمواكبة الحضارة العالمية؛ لأننا نشهد حقبة لم تعرف البشرية نظيراً لها، فالمستقبل قد يكون مختلفاً عن ماضينا، فقد تمحى حضارات، وتفنى أمم، ولا عجب بالتالي أن يسكننا القلق، ولا عجب إذا ما تساءلنا: هل للفن مستقبل في عالم المستقبل؟ إن الفنان مطالب بأن يشترك في صنع المستقبل، مهما بدا له العالم لا يحفل بوجوده، فلم يكن الفن يوماً إلا حلماً بالمستقبل، حمله على كواهلهم فنانون تحلوا بالشجاعة والأمل.

 

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها