العوامل المؤثرة في اللعب عند الأطفال

د. صابر علي عبد الحليم


حاجة الطفل إلى اللّعب كحاجته إلى الطعام والشراب، فكما أن الطفل لا يستغني عن الطعام والشراب، كذلك لا يستغني عن اللعب والحركات الرياضية والتي تؤدي بالضرورة إلى نمو الطفل جسمياً وعقلياً. واللعب ميل فطري في الطفل وطبيعة بيولوجية تتم بها عملية التطور الحركي والفكري، فاللعب شيء ممتع للأطفال يدخل عليهم الفرح والسرور، كما أنه يساعد في العملية التعليمية للطفل، فهو أداة للتعلم والتسلية في وقت واحد؛ فمن خلاله يتعلم الأطفال التعاون واحترام حقوق الآخرين، كما يساعد على نمو الذاكرة والإدراك والتخيل، فهو يساعد الطفل على التعلم باستمرار، وتحصيل دروسه، وحبه للمدرسة، كما يستفيد الطفل من اللعب في أنه يخلص جسمه من الرواسب والفضلات بشكل طبيعي؛ نتيجة الحركة الحاصلة، والتي تتبع اللعبة التي يمارسها الطفل. ولأهمية اللعب عند الأطفال؛ يقول ابن سينا: "إذا انتبه الطفل من نومه، فالأحرى أن يستحم، ثم يخلى بينه وبين اللعب ساعة، ثم يطعم شيئًا يسيرًا، ثم يطلق له اللعب الأطول، ثم يستحم، ثم يغذى"، تختلف الألعاب لدى الأطفال باعتبار العوامل المؤثرة، كالجانب البدني والعقلي والاجتماعي والبيئي والثقافي.
 

العامل البدني أو الجسمي

ونقصد بالعامل الجسمي أو الجسدي، الطفل الصحيح جسمياً الخالي من الإعاقة، فالطفل الصحيح جسمياً أكثر لعباً ونشاطاً من الطفل المعتل، أو المعاق، فالطفل الصحيح لديه القدرة البدنية أن يلعب فترة أطول من الطفل المعاق، أو المعتل جسمياً؛ فالطفل القوي جسمياً لديه نشاط أكثر من الطفل ضعيف البدن، حتى لو لم يكن من ذوي الاحتياجات الخاصة، فالأطفال الذين تكون أغذيتهم ورعايتهم الصحية ناقصة هم أقل لعباً من الأطفال الذين يتمتعون بصحة جيدة وغذاء مكتمل وسليم، فمثلا لعبة كرة القدم، الطفل الذي يتمتع بصحة جيدة وغذاء سليم يمكنه أن يشارك أقرانه في التقاط الكرة ولفترة أطول، بخلاف الطفل الأقل غذاء وصحة؛ فإنه لن يمكنه مواصلة اللعب؛ نظراً لاعتلال بدنه؛ فإنه يتوقف عن اللعب لهذا السبب.

العامل العقلي

تختلف الألعاب بين الأطفال تبعاً لقدرتهم العقلية، فالأطفال الأذكياء ومن هم متصفون بالنباهة وسرعة البداهة، هم أكثر لعبًا ونشاطًا تبعاً لسلامة جسدهم وصحة عقلهم وللعامل العقلي، فكلما تقدم الطفل في السن تختلف الألعاب؛ فالطفل الذي في سن الثانية من عمره تختلف لعبته عن الطفل الذي في سن الحادية عشرة. الطفل الأكثر ذكاء، ومن يتمتع بقدرات عقليه سرعان ما ينتقل من اللعب الحسي إلى اللعب الذي يبرز عنصر الخيال والمحاكاة جلياً واضحاً، وهو أمر طبيعي لدى الأطفال الأذكياء، بخلاف غيرهم من الأطفال الذين هم أقل ذكاء؛ فإنهم لا يبدون جديداً في سلوكهم يدل على تفوقهم ومحاكاتهم لأقرانهم.

أما بالنسبة لاختيار مواد اللعبة وانتقائها؛ فإن الأطفال الذين يتمتعون بذكاء عقلي يظهرون تفصيلا للعبة وموادها، فهم يعمدون إلى فكها وإعادة تركيبها، بخلاف غيرهم من الأطفال الذين لا يجدون من اللعبة إلا قضاء وقت، ثم سرعان ما يعمدون إلى كسرها وإلقائها.
 

وتبدو هذه الفروق بين الأطفال الأذكياء، ومن هم دونهم، فالأطفال الأكثر ذكاء يمارسون الألعاب العقلية، كما أنهم يميلون إلى الألعاب الرياضية، والتي تدل على سلامة جسمهم وغذائهم الجيد، كما تكون لديهم هوايات مختلفة تنسجم مع قدراتهم العقلية والإبداعية؛ فرياضة العدو مثلا من الألعاب المهمة التي يجب أن ينشأ عليها أطفالنا فهي تعلمهم الشجاعة، كما تعرفهم بالدور الذي قام به "فيد يبيدس" اليوناني المشهور من قرية مارثون، أو مارتون، والذي عرف فيما بعد بسباق "مارثون المعروف الآن".

عامل الجنس

ونعني به الاختلاف الحاصل بين الذكر والأنثى في جانب ممارسة الألعاب الرياضية، فالصبيان يميلون إلى الألعاب التي تتفق مع طبيعتهم، والتي ترمز إلى القوة والسيطرة كألعاب السيارات، والقطارات، والفروسية، بخلاف البنت؛ فإنها تميل بطبيعتها الفطرية إلى ألعاب تتفق مع طبيعتها مثل لعبة الدمى، وتقمص الأدوار النسائية: طبيبة، معلمة، وغير ذلك.

عامل البيئة

يؤثر عامل البيئة على لعب الأطفال بشكل كبير، فالبيئة الصحراوية تختلف عن البيئة الحضرية، وعن البيئة الريفية، فلكل بيئة ما يناسبها من الألعاب، وذلك لأن الأطفال يتأثرون في ألعابهم ببيئتهم التي يعيشون فيها وعاداتهم وتقاليدهم، فأطفال البيئة الصحراوية لهم ألعاب تتفق مع عنصر البيئة؛ فهم يلجؤون إلى الجري مثلا والتخفي، والفروسية والعدو، أما أطفال البيئة الريفية فإنهم يلعبون لفترة أطول في الشوارع والساحات، كما أنهم يمارسون ألعاباً تختلف عن ألعاب البيئات الأخرى، فهم يقضون فترة أطول في اللعب مقارنة بالبيئة الحضرية والصناعية، وباختلاف البيئات تختلف الأحوال الاقتصادية "فالأطفال الأغنياء في البيئة الصناعية، ومن يتمتعون بمستوى مادي ورفاهية يلعبون فترة أطول من الأطفال الفقراء، وربما يرجع السبب إلى قدراتهم العالية من ناحية الجسم والغذاء المتكامل؛ والذي يزيدهم نشاطاً وحيوية، وبخلاف غيرهم من الأطفال الفقراء أو ممن يعانون من اعتلال جسمي، كما يرجع في طول فترة اللعب وقصرها بين النموذجين إلى أن أطفال الفقراء ينصرفون إلى العمل مع والديهم لمساعدتهم؛ نظراً لظروفهم الاقتصادية".

كما أن البيئة لها دور كبير في نوعية اللعب، فأطفال المناطق المعتدلة يخرجون للعب في الحدائق، بينما أطفال المناطق الباردة بالتزحلق على الجليد واللعب على الثلج، وفي حرارة الصيف يذهب الأطفال إلى شواطئ البحر ويمارسون ألعاباً تتفق مع طبيعتهم وبيئتهم وقدراتهم الجسدية والعقلية.

العامل الثقافي

بعد أن يلتحق الطفل بالمدرسة يبدأ اهتمامه بألعاب الجري والألعاب الرياضية، وهو بهذا يكون قد تنازل عن ألعاب كان يمارسها في طفولته المبكرة؛ علاوة على أنه يلجأ إلى أعمال في اتّجاه الوعي والاستفادة؛ حيث الإدراك والتمييز والتنبه لما يدور حوله، وشعوره بالمستقبل والتأمل الذاتي، والنضوج الجسمي والرشاقة، واعتدال القوام، وكلما تقدم السن بالطفل بهذا المعنى المقصود، كلما انحسر وقت اللعب حتى يقل تدريجياً؛ وذلك للأهداف وتحقيق الذات، وشعوره بالواقع الاجتماعي والثقافي، وإسرافه في التأمل الذاتي في أن يكون في المستقبل شخصية قيادية، وانحسار وقت اللعب لدى الطفل يرجع إلى العوامل الآتية:
1. تزاحم الواجبات المنزلية والمدرسية المفروضة عليه، وشعوره بالمسؤولية يؤدي بالضرورة إلى تقليل وقت اللعب.
2. رغبة الوالدين في إلزام الطفل أعمالاً تعود عليه بالنفع في مستقبل حياته فيدفعانه إلى التعلم والدراسة، مما يؤدي إلى تخصيص وقت للعب يتفق عليه الأبوان.
3. التركيز على لعبة واحدة تتناسب مع أعمارهم، ووضعهم الجسمي والعقلي.
4. المقارنة المستمرة بينه وبين طفل الجيران؛ وهذا يدفع الطفل إلى الرغبة في التحصيل الدراسي لفترة أطول مما يقلل وقت اللعب.
5. إذا كان الطفل من أسرة غنية وتمتلك وعياً ثقافياً؛ فإنها تدفع الطفل إلى أعمال تقلل من وقت اللعب حتى يتناسب ذلك مع وضعهم الاجتماعي والثقافي.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها