الفنان شوقي الموسوي

قراءة في والتجرِبة والرؤية

د. جمال العتّابي


منذ بداياته الأولى في كربلاء، تشكّلت تجربة الفنان شوقي الموسوي بوصفها استجابة مبكرة وواعية للصورة والمعرفة معاً. في المرحلة الابتدائية والمتوسطة، لم يكن الرسم لديه نشاطاً هامشياً، بل ممارسة يومية متداخلة مع التعليم نفسه، كان يرسم الخرائط في درس الجغرافيا، ويجسّد جسم الإنسان في درس الأحياء، ويلوّن على السبّورة بطريقة تثير إعجاب الطلبة والمعلمين على حدّ سواء. هذه اللحظة المبكّرة تكشف عن حسّ بصري يتجاوز التمرين المدرسي إلى إدراك وظيفي للصورة بوصفها أداة فهم وتفسير.


التحاقه بكلية الفنون الجميلة في بابل شكّل منعطفاً حاسماً، ليس فقط على المستوى الأكاديمي، بل على المستوى الإنساني أيضاً. تفهّم والده شغفه بالفن، وسانده عملياً، كان يشتري له الألوان أثناء دراسته، في إشارة دالّة إلى بيئة حاضنة أسهمت في ترسيخ اختياره الفني. في الكليّة، تأثر بأساتذة تركوا أثراً واضحاً في تكوينه، مثل عبد السادة عبد الصاحب وعامر خليل، حيث بدأت تجربته ضمن الإطار الواقعي والأكاديمي الصارم، قبل أن تشهد تحولات متعاقبة نحو التعبيرية، ثم التعبيرية التجريدية.

غير أن التحول الأعمق في مسار الموسوي لم يكن أسلوبيًا فحسب، بل فكرياً وجمالياً. تأثر بالفنان شاكر حسن آل سعيد، من حيث الأسلوب والرؤية النظرية والعملية، إذْ فتح أمامه أفق التفكير في الفن بوصفه خطاباً معرفياً، لا مجرّد ممارسة شكلية. كما تأثر بإسماعيل الشيخلي وجميل حمودي، إلى جانب الفن الشعبي والفن الإسلامي، بما يحمله من طاقة رمزية وروحية، أسهمت في بلورة لغته البصرية الخاصة.

حاول الفنان إسماعيل فتاح ثنيه عن مواصلة الرسم، وإقناعه بالاتجاه إلى النحت، لما رآه فيه من تفكير متميز وقدرة بنائية، بيد أنه ظل وفيّاً للرسم، بوصفه الفضاء الذي وجد فيه حريته القصوى للتأمل والتجريب.

في معرضه الأخير، يصرّح الموسوي بوضوح عن انتقالة في تجربته التشكيلية، إذْ جعل من الذاكرة محوراً مركزياً للاشتغال. لكنه لا يتعامل مع الذاكرة بوصفها أرشيفاً للماضي، بل كحقل أسئلة مفتوح. فالفن، في نظره، ليس إنتاج أجوبة، بل صناعة أسئلة. كل ما مرّ عليه الزمن يتحول إلى ذاكرة، سواء كانت مؤلمة أم سارّة: السيارة القديمة، الدرّاجة، الأرقام، الحروف اللاتينية والفارسية والتركية، وحتى فايروس كورونا، الذي لم يعد حدثًا طارئًا، بل ذاكرة جمعية مشحونة بالقلق والعزلة.

هذه العناصر لا تُوظَّف بوصفها رموزاً مغلقة، بل كأشكال بصرية ذات قابلية تأويلية. الرقم والحرف، على سبيل المثال، لهما صلة شخصية بالفنان، لكن علاقتهما بالمتلقي تختلف، فلكل ذات قراءتها الخاصة. الرقم يؤثر في "أنا" الفنان، لكنه يؤثر في الآخر بمعنى مغاير، وهنا تتجلى فلسفة الموسوي القائمة على تعددية الدلالة، ورفض المعنى الأحادي.

حضور المربّع في اللوحات ليس اختياراً شكلياً عابراً، بل بنية فكرية. المربّع يحيل إلى النظام، والثبات النسبي، والمركز، لكنه في الوقت نفسه يفتح على فكرة الاحتواء. هذا يقودنا إلى البعد الصوفي في تجربته، فالموسوي يرى أن كل الوجود يعود إلى مركز واحد. القبّة، التي تظهر بوصفها فكرة أو بنية تصميمية في أعماله، هي تعبير عن اللامتناهي لدى المتصوفة، حيث يتجه الوجود من الأطراف نحو المركز.

في لوحات الموسوي صور سيارات قديمة، شخوص ظلية، أجساد مبتورة، وإشارات طريق. هذه العناصر لا تُقدَّم كموضوعات جاهزة، بل كآثار وذكرى، أشبه بصور الماضي حين تعود مشوشة أو ناقصة. السيارة، على سبيل المثال، تتحول إلى علامة على الانتقال والهجرة والزمن، بينما يظهر الجسد بوصفه حاملاً للصدمة لا كياناً تشريحياً مكتملًا. بهذا الأسلوب، يحرّر الموسوي الرمز من أحاديته الدلالية، ويمنحه طاقة تأويلية مفتوحة.

تُعدّ الذاكرة في الفن المعاصر مفهوماً مركزياً لا يُستدعى بوصفه حنيناً أو سرداً ماضوياً، بل بوصفه آلية معرفية تُعيد تنظيم العلاقة بين الفرد والعالم. وفي هذا السياق، تبرز تجربة الفنان شوقي الموسوي كمشروع تشكيلي - فكري منظّم، لا يقوم على الحدس وحده، بل على وعي فلسفي وتاريخي عميق، تجلّى بوضوح في معرضه الشخصي الثامن "ذاكرة"، وفي مؤلفاته النظرية التي اشتغلت على إشكالية المرئي واللامرئي عبر الحضارات القديمة. بوصفه القاعدة المفهومية التي ينبني عليها مشروعه التشكيلي.

قراءته للفن الإسلامي تتأسس على إدراكه لجوهره الروحي: الدائم والثابت هو الباقي، لا الفاني. الزخرفة، في هذا السياق، ليست تزييناً، بل تعبير عن المطلق واللامتناهي، القائم على فكرة التوحيد. من هنا، ينظر الموسوي بنقد إلى جانب من الفن المُعاصر الذي يراه مناهضاً للمركزية والثبات، ومبتعداً عن البعد الروحي، في مقابل رؤيته التي تسعى إلى استعادة المعنى عبر الرمز والبنية.

في الحضارة الرافدينية:

يقدّم الفنان تصورًا لافتًا يربطه بأنماط من السلوك: سومر تمثل الحكمة والاختلاف في طقوس العبادة والتواصل، بابل تحيل إلى التجارة والتنظيم، آشور تجسّد الحرب والقوة. هذه القراءة الحضارية لا تنفصل عن مشروعه التشكيلي، بل تغذّيه بوصفه امتداداً لذاكرة مكانية وثقافية عميقة.

ضمن هذا السياق يمكن توصيف تجربة شوقي الموسوي بأنها تجربة صوفية - روحية فلسفية، ترى الفن ذاكرةً حية، وتتعامل مع اللوحة بوصفها مجالاً لإعادة طرح الأسئلة الكبرى حول الزمن، والذات، والمعنى. هذا الجدل البنّاء يعكس ما اشتغل عليه الفنان نظرياً في "جغرافية الجدل"، حيث لا يُفهم الفن خارج سياقه الحضاري والفلسفي. إنها تجربة لا تسعى إلى إرضاء العين فقط، بل إلى إشراك العقل والروح في فعل التلقي، وهو ما يمنحها مكانتها الخاصة ضمن مشهد التشكيل العراقي المعاصر، ويجعلها جديرة بقراءة نقدية متأنية في المنابر الفنية المتخصصة.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها