صنع الله إبراهيم.. الرواية كموقف والكاتب كشاهد على العصر

إبراهيم حامد عبداللا


في صباح يومٍ من أيام الربيع المصري، رحل رجلٌ لم يحمل في جعبته سوى الكلمة الصادقة، والضمير اليقظ، والرؤية الثاقبة. رحل صنع الله إبراهيم، ليس ككاتب فقط، بل كظاهرة ثقافية، كرمز، كأثرٍ لا يُمحى في وجدان الأدب العربي الحديث. رحل في 24 أبريل 2024، عن عمر ناهز 88 عامًا، تاركًا وراءه إرثًا أدبيًا وإنسانيًا لا يُقاس بالصفحات، بل بالانفعالات، بالثورة، بالمواجهة. لم يكن صنع الله إبراهيم مجرد روائي، بل كان مشروع مساءلة، مشروع وعي، مشروع مقاومة بكل ما تحمله الكلمة من عمق وشجاعة.

 

الصمت كأداة سياسية والكتابة كفعل تمرد:

في قلب رواية "اللجنة" (1981)، واحدة من أبرز أعماله، يقف البطل أمام هيئة غامضة، لا نعرف اسمها، ولا تفاصيلها، لكنها تمثل كل أجهزة الدولة القمعية، كل أشكال التسلط، كل أوجه التحكم. لا يُسمح له بالكلام، ولا بالسؤال، ولا حتى بالتفكير بصوت عالٍ. كل ما يُطلب منه هو الصمت، والطاعة، والامتثال. في هذا الصمت، لا يُقرأ كامتناع عن الكلام، بل كأداة سياسية، كآلية تكميم، كنظام مراقبة يُفرض على الجسد والروح معًا.

هنا، يُصبح الصمت في روايات صنع الله إبراهيم لغةً، بلغةٍ أقوى من الكلام. فهو لا يصف الواقع فحسب، بل يفككه، ينقب في تفاصيله، يُخرج ما هو خفي، ما هو مُدفَن تحت طبقات من التزوير والتجميل. في "اللجنة"، يُصبح البطل كائنًا محاصرًا بين آلة بيروقراطية كافكاوية، وبين واقع اجتماعي مأزوم، وبين وعيٍ يُحاول فهم ما لا يُمكن فهمه. هذه الرواية ليست مجرد قصة، بل هي تشريح دقيق للدولة الأمنية في مصر، وفضحٌ لآليات التسلط، وتحليلٌ للعلاقة بين السلطة والفرد.

النيوليبرالية: وهم التحديث وواقع التبعية

لكن صنع الله إبراهيم لم يقف عند النقد السياسي فقط، بل امتدّ إلى ما هو أعمق: النقد الاقتصادي والثقافي. في روايته "الجليد" (2009)، وفي سياقات متعددة من كتاباته، يُعيد طرح السؤال: ما هو "التحديث"؟ هل هو تقدمٌ حقيقي، أم مجرد استبدالٍ للسلطة؟ هل هو تحرر من التخلف، أم تبعية جديدة؟

في خطابه الشهير عند استلامه جائزة "ابن رشد للفكر الحر" عام 2004، لم يُخفِ صنع الله إبراهيم انتقاده للسياسات النيوليبرالية التي فُرضت على مصر منذ عصر السادات. قال: "لم يكن التحديث الاقتصادي مرغوبًا، بل فُرض كنظام جديد، يُحلّل فيه المواطن إلى مستهلك، وتُحلّل فيه الثقافة إلى سلعة". وأشار إلى كيف تمّ الترويج لمنتجات غربية مثل "الكوكاكولا" كرمز للحداثة، في حين تمّ التخلي عن المياه العامة، وتمّ تهميش الصناعات المحلية، وتمّ تدمير الاقتصاد الوطني.

في رواياته، نرى الناس يتهافتون على زجاجات كوكاكولا، رغم أنها لا تختلف في المذاق، بل قد تكون أسوأ من المياه المحلية، لكنها تُباع كرمز للانتماء إلى "العالم الحديث". هذه الصورة، التي تظهر في أكثر من عمل له، ليست مجازية فقط، بل هي تعبير عن واقع اجتماعي مأساوي: حيث يُصبح الاستهلاك أداة تبرير للهوية، والسلطة تُحكم قبضتها من خلال التحكم في الحاجات، وليس فقط في الأفكار.

الحافلات الأمريكية "كارتر"، التي تظهر في رواياته، برائحتها الكريهة، وعيوبها الفنية، تُصبح رمزًا لهذا التبعية. فهي لا تُستخدم لأنها أفضل، بل لأنها "غربية"، لأنها "حديثة"، لأن النظام يريد أن يُثبت أن "التحديث" هو الاستيراد، وليس الابتكار. هنا، يُصبح الاقتصاد أداة سياسية، والسياسة أداة ثقافية، وكلها تتقاطع في فرض نمط حياة معين، يُقصي من لا يستطيع أو لا يريد الاندماج فيه.

الكتابة كسرد مقاوم:

في تجربة صنع الله إبراهيم، لا تُكتب الرواية لتُسلّي، ولا لتُجمّل، بل لتُواجه. قال عنه الناقد السوري هيثم حسين: "الرواية عند صنع الله إبراهيم ليست حكاية، بل فعل سردي مقاوم". ففي "بيروت… بيروت" (1984)، لا يروي الحرب الأهلية اللبنانية كحدث تاريخي، بل يغوص في تفاصيلها النفسية، في تناقضاتها، في كيف تُصبح الحرب أداة لتدمير الذات قبل تدمير الآخرين. البطل، الصحفي المصري، لا يراقب الحرب من بعيد، بل يعيشها من الداخل، يُصبح جزءًا من فوضاها، ويُدرك أن لا طرفًا بريئًا، وأن كل خطاب يُبطن عنفًا.

وحتى في "ذات" (1992)، التي تحولت إلى مسلسل تلفزيوني ناجح، لا يُقدّم صنع الله إبراهيم بطلة الرواية كضحية بريئة، بل كامرأة تُصارع القيود الاجتماعية، والذكورية، والسلطة الأسرية، والفساد السياسي. "ذات" ليست رواية نسوية بالمعنى التقليدي، بل هي تجربة وعي، تجربة كشف، تجربة تمرد على كل أشكال السيطرة.

أما "نجمة أغسطس" (1974)، فهي رواية الوعي السياسي، التي تُعيد بناء أحداث 1967، ليس من منظور عسكري، بل من منظور إنساني. كيف تُصبح الهزيمة وعيًا؟ كيف يُدرك الجيل أن ما يُروى له عن النصر هو كذبة؟ كيف تُصبح الكتابة وسيلة لاستعادة الكرامة بعد الخسارة؟

الكاتب الذي قال "لا":

لكن ما يُميّز صنع الله إبراهيم ليس فقط ما كتبه، بل ما رفضه. في أكتوبر 2003، رفض تسلم جائزة "ملتقى القاهرة للرواية العربية"، التي تُقدّمها الدولة، مُعلّلًا ذلك بأن "الدولة التي تفرض الحصار على الثقافة، لا يمكن أن تُقدّم جائزة أدبية حقيقية". كانت هذه اللحظة نقطة تحوّل، ليس في حياته فقط، بل في المشهد الثقافي العربي.

منذ تلك اللحظة، صار صنع الله إبراهيم رمزًا للمثقف المستقل، الذي لا يُساوم، الذي لا يُداهن، الذي لا يُقدّم نفسه كنجم في سوق الثقافة، بل كصوت في صحراء الصمت.

الإنسان قبل الكاتب:

لكن ما يُدهش أكثر في صنع الله إبراهيم هو حياته اليومية، بساطتها، تواضعه. عاش في شقة متواضعة في حي مصر الجديدة، في الدور السابع، بدون مصعد، لا يملك سيارة، ولا يرتدي ملابس فاخرة، يركب المترو، يمشي في الأسواق، يُشبه أي مواطن مصري عادي. في مقابلة مع الصحفي خيري حسن عام 2007، سُئل: "كيف تعيش في هذه الشقة البسيطة، وأنت رفضت جائزة بقيمة 24 ألف دولار"؟ فأجاب: "لأنني أعيش في مصر، وأريد أن أبقى قريبًا من شعبها".

هذه البساطة لم تكن تمثيلًا، بل كانت تجسيدًا لقناعاته. لم يُفرق بين حياته وكتابته. فالكاتب الذي يكتب عن الفقر، لا يمكن أن يعيش في فيلا. والكاتب الذي يُدافع عن المهمشين، لا يمكن أن يُصبح جزءًا من النخبة. لهذا، ظلّ صنع الله إبراهيم "رجل الشارع"، ليس كرمز أدبي، بل كحقيقة معيشة.

الإرث: الرواية كذاكرة جماعية

إذا كانت الرواية عند صنع الله إبراهيم فعل مقاومة، فهي أيضًا فعل حفظ. فقد حوّل تجربته الشخصية إلى ذاكرة جماعية. سُجن بين 1959 و1961، إبان حملة عبد الناصر ضد الشيوعيين، وعاصر السادات ومبارك، وشهد التحولات الكبرى في مصر والمنطقة. كل هذه التجارب لم تُختزل في السيرة الذاتية، بل انتشرت في رواياته.

"يوميات الواحات" (2003)، سيرته الذاتية، ليست مجرد سرد للأحداث، بل هي تأمل في علاقة الكاتب بالسلطة، بالسجن، بالعزلة، بالحرية. فيها يُحدثنا عن كيف يُصبح السجن تجربة وعي، كيف يُصبح العزلة فرصة للتفكير، كيف يُصبح الألم مصدرًا للإبداع.

ومن خلال رواياته، صنع الله إبراهيم حوّل مصر إلى نصّ. لم يكتب عن مصر فقط، بل كتب مصر. ففي "اللجنة"، كتب عن الدولة وعلاقتها بمواطنيها. في "نجمة أغسطس"، كتب الهزيمة والوعي. في "بيروت… بيروت"، كتب الحرب والهوية. في "ذات"، كتب المرأة والمجتمع. في "وردة" (2000)، كتب التدخل الغربي في عُمان. وفي "أمريكانلي" (2016)، كتب التبعية الثقافية.

التأثر والتأثير: جيل كامل تحت الظل

لا يمكن الحديث عن الأدب العربي المعاصر دون الحديث عن تأثير صنع الله إبراهيم. لقد فتح منافذ كانت مغلقة. روايته "تلك الرائحة" (1966)، التي نُشرت في مجلة "شعر" في بيروت، لأنها مُنعت في مصر، كانت أول رواية تُجرّب اللغة، تُفكّك السرد، تُقدّم البطل ككائن مشتت، لا يملك إجابة، بل يملك فقط سؤالًا. كانت هذه الرواية بمثابة انفجار في الأدب العربي، وكانت بداية لتجربة تجريبية لم تُكتمل بعد.

الروائي السوري فواز حداد قال عنه: "ليس جيلنا فقط مدينًا له، بل الأجيال التالية". وهذا صحيح. فجيل الكتاب المصريين في التسعينيات والألفينيات، من أنيس منصور إلى سليمان فوزي، ومن بهاء طاهر إلى سعد القرش، كلهم تأثروا بطريقته في السرد، في نظرته إلى السلطة، في صراحته.

وحتى في الأدب العربي خارج مصر، صار اسمه مرجعًا. واسيني الأعرج، ياسين عدنان، رباب كساب، عبد الصبور بدر، كلهم نعوا رحيله بكلمات لا تُشبه النعي، بل تشبه الاعتراف بالدين. قال عبد الصبور بدر: "لم يكن مواطنًا.. كان أمة". وقال عزت القمحاوي: "ستبقى كتابته شاهدة على تاريخ سياسي وأدبي".

الغياب والعودة: مساحات من التساؤل

قبل وفاته بأشهر، نُقل إلى مستشفى معهد ناصر إثر كسر في الحوض ونزيف داخلي. في تلك اللحظة، عاد اسمه إلى الواجهة، ليس ككاتب، بل كإنسان مريض، كمثقف مهمل. ضجّت مواقع التواصل بالدعاء، بالتأمل، بالنداءات من أجل رعايته. لكن الناقد هيثم حسين سأل: "لماذا نعود إليه فقط وهو على فراش المرض؟ لماذا لا نُكرمه وهو حي؟ لماذا يُصبح التفاعل على السوشيال ميديا بديلاً عن السياسة الثقافية"؟

كان هذا السؤال لطمة للواقع. فصنع الله إبراهيم، طوال حياته، لم يُعطَ ما يستحقه من اهتمام رسمي. لم يُقدّم له دعم حقيقي، لم تُترجم أعماله بشكل واسع، لم تُدرّس رواياته في المدارس كما يجب. فقط عندما مرض، صار "أيقونة"، وصار الحديث عنه "واجبًا وطنيًا".
 

الرواية موقف، والكاتب شاهد

في النهاية، لا يمكن اختزال صنع الله إبراهيم في سيرة أو قائمة أعمال. هو تجربة. هو وعي. هو ضمير. هو الكاتب الوحيد الذي جمع بين الكتابة والنضال، بين الفن والسياسة، بين البساطة والعمق.

رحل، لكنه لم يغب. ففي كل رواية تُكتب بجرأة، في كل مقال يُنتقد فيه الفساد، في كل كاتب يرفض التطبيع مع السلطة، في كل صوت يُصرّ على قول "لا"، يعود صنع الله إبراهيم.

رحل، لكنه بقي.
رحل، لكنه يكتب.
رحل، لكنه يُحاكم.
رحل، لكنه يُذكر.

لقد كان، وما يزال، رجل "اللا".
الراوي الذي لم يُساوم.
الكاتب الذي لم يُخفِ.
الإنسان الذي لم يُبتعد.

الرحمة له، والخلود لنصه، والشكر لمن جعل من الكلمة سلاحًا، ومن الكتابة فعل تمرد.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها