الرمزية في أدب نجيب محفوظ

فنٌ أدبي أم ملاذ آمن؟

هاني القط


قدّم محفوظ للعالم العربي وللقارئ العالمي نصوصًا أدبية عظيمة، تجمع بين الواقعية السحرية والتأملات الفلسفية العميقة. ومع ذلك، فإن ما يميز أعماله حقًا هو استخدامه المكثف للرمزية. هذه الرمزية التي تتناثر في أعماله ليست مجرد تلاعب فني، بل هي جسرٌ يعبر به محفوظ إلى عالمٍ أعمق، حيث الواقع لا يُفهم إلا من خلال تأويل الرموز واستكشافها.


لكن السؤال الذي يظل عالقًا في أذهان القراء والنقاد هو: لماذا لجأ نجيب محفوظ إلى الرمزية في كثير من رواياته؟ هل كان ذلك بدافع فني محض، أم كان وسيلة للهروب من بطش السلطة في عصر كانت فيه الحرية الفكرية محدودة؟


البعد الفني للرمزية وعالم النفس الإنسانية:

لقد أدرك نجيب محفوظ، بحس الروائي والفنان، أن الأدب ليس مجرد مرآة تعكس الواقع، بل هو وسيلة لاستكشاف أعماق النفس البشرية والبحث عن معاني أعمق للوجود. في أعماله الرمزية مثل "أولاد حارتنا"، و"الحرافيش"، و"ليالي ألف ليلة"، نرى كيف يتعامل مع قضايا اجتماعية وفلسفية ودينية بطرق تتجاوز المباشرة.

ففي "أولاد حارتنا"، يستخدم محفوظ الرمزية ليعيد سرد قصص الأنبياء في إطار مجازي، حيث تظهر الحارة كشكل مصغر من المجتمع البشري، وحيث تتحول الشخصيات إلى رموز تمثل قوى الخير والشر. هذا النهج الرمزي لا يخدم فقط غرضًا فنيًا، بل يسمح لمحفوظ باستكشاف الصراعات الدينية والسياسية دون أن يواجه اتهامات مباشرة. هنا، لا يمكننا أن نتجاهل البعد الفني؛ فالرمزية تسمح لمحفوظ بتوسيع نطاق رواياته وجعلها متاحة للتأويل المتعدد، مما يعزز من عمقها وتفاعلها مع مختلف القراء.

الرمزية كدرع واقٍ من بطش السلطة:

إلى جانب الدافع الفني، كان هناك أيضًا سياق سياسي واجتماعي يفرض نفسه على نجيب محفوظ كأديب يعيش في ظل أنظمة لا تتسامح مع النقد. كانت الرمزية وسيلة ذكية للتهرب من الرقابة الحكومية ومن بطش السلطة. ففي فترة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، كانت مصر تمر بفترات من القمع السياسي، وكان أي انتقاد صريح قد يعرض الكاتب للسجن أو للرقابة الشديدة.

وقد قدمت "أولاد حارتنا" مثالًا حيًا على ذلك. فقد أثارت الرواية جدلًا كبيرًا منذ نشرها، وتم منعها من التداول داخل مصر لفترة طويلة بسبب تأويلاتها الدينية والسياسية. لم يكن بوسع محفوظ أن يكتب بشكل صريح عن هذه القضايا، فاختار أن يتعامل معها بطريقة رمزية، حيث يستطيع القارئ الذكي أن يستشف المعاني الخفية دون أن يتعرض الكاتب للمساءلة.

وفي "اللص والكلاب"، يستعير محفوظ رمزية أخرى ليعبّر عن خيبة الأمل الثورية. البطل سعيد مهران، الذي تحول من لصٍ إلى ثائرٍ يسعى للانتقام من خيانة أصدقائه، يرمز إلى تلك الفئة من الناس التي تم خداعها تحت شعارات براقة، لتجد نفسها في مواجهة واقع أكثر قسوة من ذي قبل. هذه الرمزية كانت تعبيرًا عن خيبة أمل محفوظ من نتائج الثورة، لكنه لم يستطع التعبير عنها بشكل صريح خوفًا من الرقابة.

الرمزية في مقابل المباشرة:

بالنظر إلى نهج محفوظ في استخدام الرمزية، يطرح النقاد تساؤلات حول كيفية تطور هذه الأعمال لو افتقرت إلى هذا العنصر. من المؤكد أن النقص في الرمزية كان سيجعل الأعمال أكثر مباشرة وأقل تعقيدًا على مستوى التأويل. وبهذا كانت ستواجه خطر التحول إلى سجلات تاريخية تأريخية للأحداث بدلاً من أن تبقى أعمالاً أدبية غنية ومتعددة الأبعاد.

كما أن الرمزية تمنح الأعمال الفنية القدرة على التكيف مع مختلف العصور والبيئات الثقافية؛ إذ تتيح للقارئ الاستفادة من الحكاية ضمن سياقاته الخاصة، مما يعزز من قيمة النص كمنتج ثقافي يتجاوز حدود الزمان والمكان.

القارئ والرمزية:

تجربة القراءة لأعمال محفوظ الرمزية تتطلب من القراء أن يشاركوا بفعالية في فَك رموز النص وفهم معانيه المضمرة. هذا يُمكّن القارئ من الفصل بين مستويات السرد الظاهرة والمخفية، ويثير لديه الفضول والرغبة في الاستكشاف والتفسير.

من خلال اختيار الرمزية كوسيلة تعبير، دعا محفوظ قراءه إلى أن يكونوا ناشطين ومبدعين، مشاركين في بناء المعاني بدلاً من أن يكونوا مستقبلين سلبيين. وبهذا، عُززت علاقة القارئ بالنص، وجُعلوا فاعلين في صناعة تجربة القراءة.

الرمزية في "الحرافيش" و"ثرثرة فوق النيل":

في رواية "الحرافيش"، يتعمق محفوظ في الطرق التي يتفاعل بها البشر مع السلطة والقدرة على التغيير عبر الأجيال. تصبح شخصية عاشور رمزًا للعدل والشجاعة في مواجهة الفساد والظلم الاجتماعي. هذه الرمزية تمد العمل بعمق إضافي، حيث تصبح الحكاية ليست مجرد قصة عائلة أو مجتمع، بل نموذج لرحلة البحث عن الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية.

أما في "ثرثرة فوق النيل"، فيستخدم محفوظ الرمزية لكشف الغطاء عن الفساد والاضمحلال الاجتماعي في مصر خلال فترة الستينيات. بشكل رمزي، يشير النيل إلى تدفق الزمن والحياة، في حين يجسد مصطفى الراوي حالة مصر، في تفاعلها مع الإغراءات والرغبات اللامحدودة التي تقود إلى الدمار الذاتي.

دور الرمزية في التواصل الثقافي والاجتماعي:

أحد الجوانب التي تجعل من الرمزية أداة فعالة هو قدرتها على تجاوز الحواجز الثقافية واللغوية. فالأفكار الكبرى المتعلقة بالصراع بين الخير والشر، والبحث عن المعنى، والتمرد ضد السلطة، تتردد في كل ثقافة وتجربة إنسانية. بالرمزية، استطاع محفوظ أن يصل إلى جمهور أوسع من مختلف الخلفيات، ويجعلهم يتفاعلون مع قضاياه المركزية.

فنٌ وفكرٌ في توازن دقيق:

في النهاية، يمكن القول إن الرمزية في أدب نجيب محفوظ ليست مجرد أسلوب أدبي، بل هي ضرورة فرضتها الظروف السياسية والاجتماعية التي عاش فيها. كانت الرمزية وسيلة لفهم العالم، وتجسيدًا للعمق الفلسفي في أعماله، وفي نفس الوقت كانت درعًا يحميه من بطش السلطة. لقد نجح محفوظ في خلق توازن دقيق بين الفن والفكر، مما جعل أعماله قادرة على تجاوز الزمن والمكان، والتفاعل مع القارئ على مستويات متعددة.

ولو افتقرت رواياته للرمزية، لفقدت جزءًا كبيرًا من سحرها وعمقها، وربما كانت ستتعرض للإهمال والنسيان. الرمزية هي التي جعلت من أعمال نجيب محفوظ أيقونات أدبية تتحدى الزمن، وهي التي منحتها القدرة على التأثير في القارئ بطريقة تتجاوز البعد الظاهري للأحداث والشخصيات.

إن قراءة أعمال نجيب محفوظ هي رحلة في عوالم متعددة، حيث الواقع والخيال يتداخلان، وحيث الرموز تفتح أمامنا أبوابًا جديدة للفهم. وقد كان محفوظ يدرك تمامًا أن الرمزية ليست فقط وسيلة فنية، بل هي أيضًا وسيلة للنجاة في عالم لا يرحم من يجهرون بالحقيقة.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها