تقنيات اللغة والتصوير السينمائي في رواية "شغف"

 للكاتبة رشا عدلي

طارق إبراهيم حسان

تعتبر الكاتبة رشا عدلي أحد أبرز الأصوات الروائية النسائية في الوطن العربي، أصدرت العديد من الأعمال الروائية، مثل: "صخب الصمت"، و"الحياة ليست دائماً وردية"، و"الوشم"، و"نساء حائرات"، و"شواطئ الرحيل"، و"قطار الليل إلى تل أبيب"، و"جزء ناقص من الحكاية".

وقد وظفت السرد المتعدد في روايات: "شغف" و"آخر أيام الباشا" و"على مشارف الليل". وتشترك هذه الروايات الثلاث بوجود زمنين مختلفين يربط بينهما عوامل مشتركة أبرزها المرأة. وقد رُشحت "شغف"، و"آخر أيام الباشا" للقائمة الطويلة لجائزة البوكر العالمية. وتعتبر "شغف" هي الأكثر رواجًا بين روايات الكاتبة والأكثر حفاوة من القراء والنقاد. إذ تُعدّ أحد الأعمال الأدبية المميزة التي تمزج ببراعة بين السرد الروائي والتقنيات السينمائية الحديثة، ما يجعلها تختلف عن الروايات التقليدية في أدب الرواية العربية. وقد صدرت مؤخراً الطبعة المصرية عن دار الشروق بالقاهرة، كما صدرت ترجمة بالفرنسية للرواية.

في هذه الرواية، تتداخل البنى السردية واللغوية بشكل فني متقن، إذ تتراوح بين الخيال والواقع، وتوظف أسلوبًا تصويريًا مشهديًا يعكس براعة الكاتبة في إبداع المشهد وتقديمه للقارئ كما لو كان جزءًا من فيلم سينمائي. كما أن الكاتبة توظف تقنيات سينمائية مثل التصوير المتحرك، والمونتاج، والقطع الزمني، لتنتقل بين العوالم المختلفة بشكل سلس ومؤثر.

اللغة الحية المعبرة عن الواقع

إذا كانت الرواية الواقعية تتحدد عند إيان وات باعتبارها "نقلا للحياة الواقعية"، وتؤكد أحداثها على تصوير التجارب الإنسانية بصدق وأمانة، مستخدمة الأساليب الصحفية والمادية للاقتراب من الواقع. وهي أيضًا "واقع مكتوب" بحسب فلوبير، ومن ثم فإن "النقل الواقعي مرجعية تترفع عن توظيف اللغة توظيفاً زخرفياً لتنقل الأحداث كما وقعت فعلا، طامحة بذلك إلى أن تكون عرضاً أصيلاً لتجربة الأفراد الحقيقية"، لذا فإن أكثر ما يلفت الانتباه، هي تلك اللغة الحية التي قامت عليها الرواية، فهي ليست مجرد لغة سلسة ورشيقة فحسب؛ بل هي لغة تنبض بالحياة، ومعبرة عن زمنها، فاللغة التي رصدت عالم زينب في البيت والشارع وفي قصر نابليون هي لغة مختلفة تماماً عن اللغة التي تناولت عالم البطلة المعاصرة، لكل منهما خصوصيته التي تطلبت سرداً مختلفاً.

ولذا؛ فالرواية وهي تدور في زمنين مختلفين؛ لا تجعل القارئ يشعر بغربة للغة أو بمحاولة استحضارها عنوة من زمنها الغابر، بل أن الكاتبة تعود بكل حواسها إلى تلك المرحلة وتعايشها. وتنقل مشاهدات من بيت زينب، وقصر نابليون، وبيت السناري الذي أقام فيه فنانو الحملة.

وتأتي اللغة أيضاً تجلياً لما ذهب إليه "دي سوسير" بأنها "ظاهرة اجتماعية، تعكس كل العادات والتقاليد والثقافات التي تطبع مجتمعا من المجتمعات"، فالأحداث تكشف عن الموروث الثقافي والاجتماعي للشخوص وتعبر عن المجتمع بمشاهدات وعلاقات تتواءم وزمن وثقافة هذا المجتمع، أي أن الصور والمفردات والتراكيب اللغوية تختلف اختلافًا كبيرًا بين زمن الشخوص الروائية أواخر القرن الثامن عشر، ونظرائهم في القرن الحادي والعشرين على الرغم من أن المكان واحد. فالمكان بحسب ميخائيل باختين يشكّل إحدى طرائق إبداع صورة اللغة في الرواية.

اللغة المشهدية: تصوير المكان والزمان

من أهم عناصر الجذب في رواية "شغف" هو استخدام اللغة المشهدية التي تحمل معها قوة تصويرية تُشبه إلى حد بعيد تقنيات التصوير السينمائي، إذْ يتمكن الراوي في الرواية من نقل القارئ إلى الزمن والمكان بطريقة شديدة الإبداع، بحيث يصبح القارئ وكأنه يشاهد صورًا سينمائية حية. فالرواية تُقدم صورًا دقيقة عن الأماكن والشخصيات عبر استخدام مفردات لغوية تحاكي حركة الكاميرا في السينما، حيث تركز على التفاصيل الصغيرة في المكان والشخصية، في رصدٍ مستمر لتفاصيل الحياة اليومية في زمنين مختلفين، أحدهما في مصر القرن الثامن عشر خلال الحملة الفرنسية، والآخر في مصر المعاصرة.

على سبيل المثال، نجد في وصف شخصية أم زينب في مشهد التنظيف اليومي داخل منزلها: "تميل أمها بجذعها بمكنسة من القش تكنس الغبار عن بلاط المنزل، تنفض الكنبة الأسطنبولي، وتعيد وضع المساند المحشوة بالقطن المصري عليها، تمسح المنضدة الخشبية المستديرة وتلمع الصينية النحاسية الموضوعة فوقها، وأخيراً تشعل البخور في الغرفة، وتغلق بابها وتخرج، بعد أن اطمأنت إلى أنها أعدت المجلس الخاص لزوجها الشيخ البكري وأصدقائه من شيوخ وعلماء الأزهر الشريف".

هذا النوع من التفاصيل الوصفية يخلق صورة بصرية واضحة في ذهن القارئ، ويتحرك به بين الداخل والخارج كما لو أن القارئ يتابع لقطات سينمائية متواصلة. هذه الحركة المكانية تُماثل حركة كاميرا السينما التي تلتقط المشهد في صور متعددة.

التنقل بين الزمانين: تقنيات المونتاج السردي

واحدة من أبرز السمات التي تميز رواية "شغف" هي قدرتها على التنقل بين الزمنين: الزمن المعاصر الذي تدور فيه أحداث البطلة "ياسمين"، وزمن الحملة الفرنسية الذي يعيد سرد أحداث الماضي عبر زينب البكري. ورغم اختلاف الزمنين، فإن الرواية تبقى متصلة بشكل جذري من خلال الشخصيات التي تتنقل بين العوالم المختلفة وتجمع بين الماضي والحاضر، مما يخلق توازناً بين الحقيقة التاريخية والخيال الروائي.

تقنيات المونتاج السردي تشبه المونتاج السينمائي في الأفلام، حيث تنتقل الكاتبة بين مشهد وآخر، بل وتنتقل بين الزمنين المختلفين. على الرغم من الفجوة الزمنية التي تفصل بين نهاية القرن الثامن عشر والزمن الحاضر، فإن الربط بين الشخصيات في كل من الزمنين يتم بصورة سلسة. يتم ذلك من خلال لوحة فنية قام برسمها الفنان الفرنسي ملتون جرمان للفتاة زينب البكري، والتي تُصبح نقطة التماس بين الماضي والحاضر. عبر هذه اللوحة، تتمكن ياسمين في الحاضر من اكتشاف حياة زينب في الماضي، في وقت كانت فيه مصر تتعرض للاحتلال الفرنسي.

هذه الطريقة في الانتقال بين الزمنين تدفع القارئ للانغماس أكثر في السردين المتوازيين، بحيث يكون كل حدث في الزمن الحاضر مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بمثيله في زمن الحملة الفرنسية، ما يعكس تداخلًا معقدًا بين الواقع والخيال، والتاريخ والأسطورة.

التصوير السينمائي في وصف الأحداث

لعل من أهم التقنيات السينمائية التي استخدمتها الكاتبة في رواية "شغف" هي التصوير السينمائي المتحرك. تُمثل كاميرا الرواية عينًا تراقب التفاصيل الدقيقة في كل مشهد، وتنقل الحركة والانفعالات في الزمنين بطريقة سينمائية بحتة. على سبيل المثال، في مشهد يتحدث عن دخول زينب إلى منزلها بعد رحلة طويلة: "في الخارج استقبلتها نسمة هواء رطبة تختلط بعطر منبعث من زهرة مسك الليل. عدد من الجنود الفرنسيين يتمشون في الطرقات بزيهم العسكري، صبغت الشمس بشرتهم باللون البرونزي، تطلعوا إليها بعين شغوف، فمن النادر لقاء فتاة أو سيدة تسير وحدها في الطرقات، كانوا دوما يشاهدونهن فوق ظهور البغال أو العربات التي تجرها الحمير...".

في هذا المثال، تنقل الكاميرا أو الراوي مشهدًا ينطوي على حركة ووجوه الجنود الفرنسيين وتفاعلهم مع زينب التي تجذب أنظارهم، وكذلك التفاصيل البيئية (العطر والهواء الرطب) التي تحاكي التفاعل مع المشهد الحسي، وتخلق في ذهن القارئ صورة حية شبيهة بالصور التي نراها في أفلام التاريخ.

المونتاج السينمائي وتأثيره على سير الأحداث

تستخدم رشا عدلي أيضًا تقنية المونتاج السينمائي بطريقة مبتكرة في عرض الأحداث، حيث يقوم السرد بالتنقل بين المشهد تلو الآخر مع تغييرات واضحة في الزمان والمكان. على سبيل المثال، في مشهد آخر، يحدث قطع زمني فجائي بين مشهد في حمام النساء بأحد الأزقة الضيقة، حيث تذهب زينب إلى هناك في زيارة: "كان الحمام في أحد الأزقة الضيقة، على بعد عدة شوارع، طرقت زينب المطرقة النحاسية لبابه الخشبي، فتحت المعلمة صاحبة الحمام الباب، واستقبلتها بفتور على غير عادتها...".

هذا التقطيع الزمني السريع بين مشهد وآخر يشبه القطع السريع في الأفلام السينمائية، حيث تقوم كاميرا الرواية بالتنقل بين الأحداث بشكل مفاجئ ودون تحذير، مما يساهم في خلق توتر درامي وتفعيل عنصر التشويق في النص.

اللغة المشهدية والرؤية التوثيقية

النمط التوثيقي الذي تحمله الرواية يعتبر أحد المفاتيح التي تساهم في دقة تصوير الحياة في القاهرة في فترة الحملة الفرنسية. تُظهر اللغة المشهدية في الرواية بُعدًا اجتماعيًا وثقافيًا، كما لو أن الكاميرا في يد الراوي تلتقط لحظات حية من تاريخ مصر في تلك الحقبة.

وصف الحياة اليومية في القاهرة، خاصة في الأحياء الشعبية التي تُظهر التفاوت الطبقي، يعكس الروح الواقعية في الرواية، ويقترب من السينما الوثائقية التي تسجل التفاصيل اليومية بشكل دقيق. على سبيل المثال، تصف الرواية منزل زينب وكأنه مشهد سينمائي يلتقط فيه الراوي كل التفاصيل: "في الزمان البعيد، كانت الشوارع ضيقة تلتف حول الأزقة الصغيرة، وكان الغبار يعم الهواء..." هنا، لا تقتصر اللغة المشهدية على الوصف فقط، بل تجعل المكان كما لو كان شخصاً حياً يتفاعل مع شخوص الرواية.

ملاحظات لا بدّ منها

على الرغم من انفتاح الرواية ونزوعها إلى بنى سردية شديدة الخصوصية كالميل إلى السرد الغرائبي والتوثيقي والواقعي، الذي يقوم على اليومي والمعاش، ومحاولة تكثيف اللغة والتركيز على السرد المشهدي، وتوظيف كاميرا التصوير السينمائي في المزج بين الصوفية والتاريخ وفنون العمارة، والمعلومات التوثيقية التي ضمتها الرواية من كتاب الجبرتي "عجائب الأبصار في التراجم والأخبار"، الذي يؤرخ فيه لتلك المرحلة المهمة من تاريخ المصريين؛ فإن الرواية تتوزع أيضاً بين التاريخي والرومانسي والاجتماعي.

من السمات اللافتة، أيضًا، أن صورة الأب بدتْ سلبية ومتردِية واتسمتْ بالخيانة. في بنية السرد الأولى أدت خيانة الأب إلى انتحار الأم، وفي البنية الأخرى يخون الأب وطنه بتعاونه مع رأس الاحتلال نابليون بونابرت من أجل منصب رفيع ووجاهة زائلة، فيبيع ابنته -زينب- مقابل هذه الوجاهة، وعند القبض عليهما إثر فشل الحملة، قال: "اقصفوا رقبتها، ليس لي علاقة بما فعلت"، فهو نموذج للشخصية الانتهازية الذي لا تهمه سوى مصلحته. أما المرأة في الحالتين فهي ضحية عبث الأب وتنتهي حياتها بالموت.

يبقى أن أشير إلى أن رواية "شغف" هي تجربة أدبية تدمج تقنيات السينما في البناء السردي بشكل مبتكر، حيث تعكس قدرة السرد الأدبي على محاكاة جماليات الصورة السينمائية، واستدعاء حس المشهد البصري، بما يخلق توازناً بين اللغة الروائية والخيال الفيلمي. وهو ما يعكس أيضًا تداخل الفنون في أفق جمالي واحد، يتيح للرواية أن تتجاوز حدود الحكي التقليدي نحو كتابة مشهدية تستند إلى القطع والمونتاج والتكثيف البصري.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها