في بهوٍ عظيمٍ تخترقه أشعّةٌ خافتةٌ تنساب من بين خراطيشِ الملوك التي تُزيّن واجهة المتحف الزجاجية، تبتسم بضوءها الذهبي على أحد تماثيل رمسيس الثاني الشاهقة، لتعيدنا آلاف السنين إلى الوراء في مشهدٍ تمثيليٍّ يُجسّد ظاهرةَ تعامد الشمس. وفي القاعة المخصّصة له في الطابق الثاني، حيث خُصِّصت قاعتان كبيرتان لعرض كنوز الملك الفرعون توت عنخ آمون الخالدة، الذي حَكَم ثلاثةَ عشر عاماً فقط قبل 3300 عام، يسطع المشهد فوق رؤوس زائريه كأنه إعادةُ ولادةٍ للملك الصغير في الحاضر. ففي الأول من نوفمبر 2025، فُتِحت أبوابُ المتحف المصري الكبير عند أهرامات الجيزة لأول مرة، حاملةً إلى العالم كنوزَ توت عنخ آمون كاملةً. لم تكن هذه مجرد إعادة ترتيبٍ لقطعٍ أثرية متناثرة؛ بل هو فصلٌ جديد في السرد الحضاري لمصر، ستشهد فصولَه الأجيالُ القادمة.
منذ اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون عام 1922 على يد عالم الآثار هوارد كارتر، حُفِظَت 5400 قطعةٍ أثرية من قبر الملك الشاب في أمان. وكانت هذه المرة الوحيدة التي وُجد فيها قبرٌ فرعوني كاملٌ بكنوزه الثمينة؛ فرعونٌ مات في التاسعة عشرة من عمره، لكن ثراءه الحياتي أعادَه بصوتٍ مسموعٍ إلى حاضرنا. ولفترةٍ طويلةٍ ظلّت قطعُ توت، بما فيها قناعُه الشهير وصنادله ومجوهراتُه وثريّتُه الذهبيةُ الوحيدة، متناثرةً بين مخازن المتحف المصري بالقاهرة ومتحف الأقصر. أمّا الآن، فستجتمع كل هذه الآثار في قاعةٍ واحدةٍ تسرد حياةَ هذا «الفرعون الصبي»، وتُمكِّن الزائر من أن يعيش دراما أصله ومصيره.
الانتهاءُ من بناءِ المتحف المصري الكبير يُعَدّ إنجازًا معمارياً عالمياً. يغطي المجمّع مساحةً ضخمةً تقارب 480,000 مترٍ مربّع، منها 85,000 مترٍ مربّع مخصَّصة للمعارض الدائمة. وقد طُمِسَ كلُّ ما كان منسيّاً أو مُهمَلًا: متحفٌ واحد، وحضارةٌ واحدة؛ فقد وُصِف المتحف بأنّه الأكبر عالمياً المُكرَّس لحضارةٍ واحدة، إذْ يضمّ أكثرَ من 50,000 قطعةٍ أثرية - بنسبةٍ تزيد بكثير على متحف اللوفر في باريس، الذي يضمّ نحو 35,000 قطعة.
يقف المتحفُ الجديد على تلةٍ صخريةٍ تُشرِف مباشرةً على أهرامات الجيزة، وقد صُمِّم من قِبَل مكتب (Heneghan Peng Architects) ليكون جسراً بصرياً يصل الماضي بالحاضر. فالبنايةُ ذاتُ الجوانب المثلثة تُوزِّع إشراقاتِ الشمس، وتبدأ خطوطُها في اتجاه الأهرامات الثلاثة، كأنها «البُعد الرابع» لإرث الجيزة العريق. وفي مدخله الكبير نُقِل تمثالُ رمسيس الثاني الضخم -الذي يزيد طولُه على أحد عشر متراً- من المتحف المصري بميدان التحرير، ليقفَ مهيباً في الردهة الشاهقة في استقبال ضيوفه، حيث يمتدّ الدَّرَجُ العظيم عبر ستة طوابق وسط معرضٍ من تماثيل الفراعنة والملوك والآلهة. ويستقبل الزائرَ عند انتهائه من صعود هذا الدَّرَجُ العظيم مشهدٌ بانوراميٌّ لأهرامات الجيزة، كأنّ المتحف يحتضنها ويعيد قراءتها من منظورٍ جديد. أمّا واجهةُ المتحف المصري الكبير فتتوجّه مباشرةً نحو أهرامات الجيزة؛ تصميمٌ معماريٌّ حديثٌ يمزجُ أشكالًا مخروطيةً تيمّنًا بأهرام الجيزة العتيقة، ويضمّ معروضاتٍ مستوحاةً من الفنون الفرعونية.
لقد حرصَ مصمّمو المتحف على دمجِ التكنولوجيا في العرض الحضاري؛ فكلُّ قاعةٍ مُزوَّدةٌ بشاشاتٍ رقميةٍ ووسائطَ متعددة، ويُستخدَم الواقعُ الافتراضي لشرح تفاصيل الحياة في مصر القديمة. ويقول مدير إدارة الترميم ونقل الآثار، عيسى زيدان: «المتحف ليس مجردَ مكانٍ لعرض الآثار، بل يهدف إلى جذب الأطفال ليتعلّموا التاريخَ القديم… فالمتحفُ هديةٌ للعالم». وفي هذا الإطار، أوضح الرئيسُ التنفيذي أحمد غنيم: «نحن نستخدم لغةَ الجيل الجديد؛ فالجيلُ الشاب لا يستعمل اللغات القديمة التي نقرأها نحن، بل يريد التكنولوجيا». ويشتمل المشروعُ أيضًا على مركزٍ لترميم الآثار يُعدّ من أكبرِ وأحدثِ مرافقِ الصيانة في العالم؛ إذْ يضمّ سبعةَ عشرَ مختبرًا متصلًا بالمتحف عبر نفقٍ تحت الأرض.
الافتتاح الأسطوري
انطلق المتحفُ المصريُّ الكبيرُ في الأوّل من نوفمبر 2025 باحتفالٍ بهيجٍ لا مثيل له، حضره الرئيسُ عبد الفتاح السيسي وزوجتُه، مع قرابةِ ثمانين وفدًا رسميًّا، من بينهم تسعةٌ وثلاثون وفدًا على مستوى الملوكِ والأمراءِ ورؤساءِ الدول. وتراقصت الأضواءُ في سماءِ الجيزة فوق أهرامات المصريين، بينما أبدعت العروضُ الضوئيةُ والموسيقيةُ المُبهِرة؛ فرقةٌ من الراقصين بزيٍّ فرعونيٍّ تقليدي، وتيجانٍ ذهبيةٍ، قدّمت مشاهدَ مهيبةً وسط ألعابٍ ناريةٍ و5,000 طائراتٍ مسيّرةٍ رُسمت على أجنحتها صورُ آلهة المصريين القدماء في السماء. أما كلماتُ الرئيس السيسي في تلك اللحظة فحملت معنى الاستهلال التاريخي؛ إذْ أعلن عن افتتاح «فصلٍ جديدٍ في تاريخ الحاضر والمستقبل في قصة هذه الأمة القديمة»، مُشيرًا إلى أن المتحف يُشكّل «تجسيدًا حيًّا لرحلةِ شعبٍ سكن أرضَ النيل منذ فجر التاريخ».
يقع المتحف على مشارف أهرامات الجيزة ليُحاكيها في فخامته؛ فواجهته المزخرفة بألواح الألباستر الشفافة تُنصتُ إلى هندسة الأهرامات القريبة، تمامًا كما أن تصميمه -الممتدّ على أكثر من 120 فداناً من المساحات- يُكرِّم مآثر الأجداد ويفوق أيَّ صرحٍ أثريٍّ مُخصّصٍ لحضارة واحدة في العالم. فهنا يلتقي ماضي مصر، الممتدّ سبعمائة ألف سنة وحتى العصر الروماني، في جولة واحدة. وتحت سقفه رحَّب المتحف بأكثر من 57 ألف قطعة أثرية؛ من التماثيل والنقوش والتوابيت الضخمة، إلى مراكب الشمس والنُّصُب العملاقة. وصحيحٌ أن كل رُكنٍ فيه يمرّ على عصور مصر المختلفة، غير أنّ ذلك الجزء الذي سكنه فرعون الوادي (توت عنخ آمون) في قلب الافتتاح، احتلّ اهتمام العالم كله.

جولة سريعة في قاعات كنوز توت عنخ آمون:
كان العنوان الأبرز للاحتفال هو الكشف عن كامل كنوز الملك الشاب توت عنخ آمون، حيث تُجمع لأول مرة منذ عام 1922 كلُّ القطع الأثرية المكتشفة في قبره على يد عالم الآثار هوارد كارتر. في هذه القاعات الأخيرة تتجسّد مدينةُ الذهب التي دُفِن معها الفرعون الشاب؛ إذْ تغمر الغرفةَ أكثر من 5,500 قطعة، من بينها قناع توت الذهبي الشهير، المصوغ من ذهب نقيّ مُطعَّم باللازورد والفيروز، يقدّم وجه الملك في إشراقةٍ لا تنطفئ، كأنه يطلّ على العالم من خلودٍ صامت. وإلى جواره يستقرّ العرش الجنائزيّ المُزخرف بالذهب، منحوتًا بتفاصيل متقنة تُبرز فخامة الفن في عصر الأسرة الثامنة عشرة، كرسيًّا يُذكّر بأن الجالس عليه لم يكن طفلًا عابرًا بل وريثًا لعرشٍ فارهٍ ومقدّس. وتنساب بعده العربات الحربية الستّ، مذهّبةً مزخرفة بالجلد، تشهد على قوّة عسكرية لم تكن متوقّعة من ملكٍ بهذه السنّ؛ فقد رأى فيها علماء الآثار ترسانةً كاملة، تعيد رسم صورة توت عنخ آمون من "صبيٍّ ناعم" إلى قائدٍ مقدام تعانق خطواتُه غبار المعركة.
وعلى مقربة منها يسطع الخنجر السماوي، مقبضه من ذهبٍ خالص، وشَفرته الحديدية مصهورةٌ من نيزكٍ هبط من أعماق الفضاء، قطعةٌ ميتيوارية تستحضر علاقة الملك بالسماء، وقصص النجوم التي لطالما شكّلت وجدان المصري القديم. ثم تمتدّ مجوهراته الشخصية -أقراطٌ وقلائد وأساور مذهّبة، وأحذية جلدية صغيرة، ومقدّمات طعام للبعث- شاهدةً على ثراء حضارته وعمق إيمانه بالآخرة، وكأنها وحدها تكمل الحكاية: حكاية فرعونٍ حملته كنوزه من عالم الأحياء إلى عالم الخلود. وتجسّد هذه الكنوز حياةَ الملك وتصوراته للبعث، إذ قال مدير المتحف أحمد غنيم إن القطع معروضة «ليس كمقتنياتٍ منفصلة، وإنما كحكايةٍ تروي حياة الملك وحكمه».
تحتوي كلُّ قطعةٍ على همسةٍ من شخصية توت عنخ آمون تتخطّى حدود الزمان. فمن نقوش الذهب على عرباته تُقرأ صورةُ الملك قائداً عالميّاً؛ إذْ اكتشف العلماءُ رسوماً لنباتاتٍ سورية وزخارفَ من بحر إيجة على أثاثه الحربي، فيُقال إنّها توليفةٌ فنية تعكس انفتاحه على ثقافات متعددة، وتُظهره «متحكّمًا في أماكنَ وشعوبٍ مختلفة». ومن هذا المنطلق، تبدو الخناجرُ والأقواسُ المحيطة بتوت ليستْ مجرّدَ زخارف، بل إشاراتٍ إلى الشجاعة والاستعدادِ للمعركة. أمّا «الفضيحة الكبرى» -كما يصفها بعض الباحثين- فهي أنّ شفرةَ خنجره الحديدية صيغت من نيزكٍ سماويّ، مانحةً إيّاه هالةً ملحمية ترسّخ نظريةً جديدة يقترحها عددٌ من العلماء: رُبّما لم يمت ضحيةَ مرضٍ بسيط، بل سقط في إحدى معاركه البعيدة تحت سماءٍ غير سماءِ مصر.
وفي الوقت نفسه يبقى وجهُه الشابّ وجمالُه المهيبُ رمزًا خالدًا. وكما لاحظت تقاريرٌ إعلاميةٌ عالمية، فإنّ الزائر حين يدخل أروقةَ المتحف يخطو حقًا في حوارٍ بين التاريخ وهويته المعاصرة. فــ«الفرعون الشاب»، لا يزال يُلهم العالمَ بغموضه وجماله ورمزيته. وانطلاقاً من هذا الفهم، غدا المتحفُ المصري الكبير انتصاراً نهائيّاً لتراثه؛ فهو «ملجأٌ للذاكرة ومنارةٌ للفخر القومي» يضمن أن تبقى قصةُ مصر القديمة مصدرَ إلهامٍ للأجيال القادمة.
في نهاية المطاف، لا يُعَدُّ المتحفُ المصريُّ الكبير مجرّدَ بناءٍ زجاجيٍّ حديث في الجيزة؛ بل هو فصلٌ جديد في ملحمة الحضارة المصرية. لقد تحقّق حلمٌ امتدَّ لعقود، وأصبح هذا الصرحُ حيًّا ينطق بأمجاد الفراعنة ويحفظها إلى الأبد. وكما علّق الخبيرُ أحمد صديق: «توت عنخ آمون هو أشهرُ ملكٍ في تاريخ البشرية، والآن تُروى قصته كاملةً في مكانٍ واحد». فهنا، في قلب هذا المتحف، تتقاطع أسطورةُ الماضي مع مطالب الحاضر؛ مجدٌ يعود ليتحدّث إلى يومنا بألفةٍ بالغة، وأملٌ يتجدّد لمستقبل مصر الثقافي.