دقَ جرسُ المنبهِ كصفارةٍ إسعافِ، نهضتْ مفزوعةً، وكأنها خرجت من أحشاء المحيط بأنفاس متقطعة، لاهثة، ما إن ينفتح جفناها حتى يعودان إلى الالتصاق ببعضهما البعض، يتعانقان، يرجوانها إكمال رحلتهما، الجرس اللعين ما زال مصراً على قرع الطبول على مسمعها، تهز نفسها بحركة ثقيلة، تنظر إلى عقربيه، يشيران لها إنها السادسة صباحاً موعد الاستيقاظ لتبدأ رحلتها المضنية مع اليوم!
صراخ صغيرها يزاحم المكان، تهب نحوه لتقضي أموره، وهي منشغلة بتحضير الفطور، وفمها الفاغر ينادي على الوليدين الآخرين كي يسرعا في ارتداء ملابسهما وإكمال الإفطار، يرن المنبه من جديد، عقرباه تحثها على موعد الانصراف للعمل، وإلا فإن باص المدرسة سيرحل دونهما، تضع صغيرها في الروضة بعد أن تزرع وجنتيه قبلاً، في عجلة تستقلّ حافلة بعد مواجهة مضنية مع المتاريس المنتظرة، وكأنها موجات بشرية حاشدة تسارع لحجز كرسي في تلك الحافلة العجوز، تعتلي أحد المقاعد الشاغرة أخيراً، بعد معركة ضارية، هي تعلم أن السؤال ذاته ينتظرها وستدلي بالإجابة نفسها!
ستطلب السكرتيرة منها الحضور إلى مكتب المدير، ليفرقع في وجهها بعضاً من التهديد والوعيد، يسبح بها خيالها بعيداً إلى الذي قال "رفقاً بالقوارير" اليوم في أحشاء هذه الزحمة، وفي السباق حول لقمة العيش أصبحت القوارير تشبه آلات عديمة الحواس من يرفق بهن المدير؟ العمل؟ السلطة بالقوانين التي تساوي بين الرجل والمرأة في الواجبات، تعمل ثمان ساعات باليوم والباقيات في المنزل.
أه لو كان أو زوجها! ميسور الحال لخلصها من هذا الجهد المضني، تحلم براحة تأخذها بعيداً عن تلك الملفات المتراصة أمامها ككومة جبل تنتظر منها المراجعة، والعديد من القضايا في لائحة الانتضار للعروج بها.
حبها للكفاح جعلها ترتبط برجل لا يملك غير أخلاقه سلاحاً للزمن، وهل هناك خير من الأخلاق! في زمن صارت الأخلاق فيه عملة نادرة، قد تقذف إليك من بروج السماء لكن نادراً ما تصادفك فوق الأرض؟ وحين تتصادف بها يتغلغل الريب إلى قلبك كالوسواس، أحقاً هناك من يملك أخلاقاً في هذا الزمن؟! من أين استوردها؟!
تحلم بقيلولة علّها تكون حقنة تخفف تعبها، تذكرت جارتها كيف تعمل على استنطاق غضبها "ايه هو العمل يجعلك تتكبرين على خلق الله"، والله أحسدك يا جارتي لقد خرجت من بين جهات جسدك أشياء فاضت وشبعت أكلا وراحة، ألم تنظري لحالي كيف العظم كساني، أمي تقول لي لو وضع أحد رأسه فوق كتفك لوخزه العظم الذي بان عليك، تغذي جيدّاً حتى يمتلأ الذي بين العظم واللحم، وكيف أتغذى وكل ما أراه يشعرني بالغثيان؟! لاحت صورة سها كالوميض في أفق البصر وهي تستقلّ سيارة فاخرة، لقد غيرت اتجاه نظراتها كي لا ترى البؤس الذي بان عليها يشق القلب نصفين، تعود إلى مكتبها بعد أن استمعت إلى الاسطوانة اليومية للمدير! تغرس رأسها في وسط حشود من الملفات، تنتظر المراجعة، تعب مضني يعمها، ودوار شديد يلف رأسها، لا بُد الإعياء، تطلب قهوة ساخنة علها ترشها بالفطنة وتزيل عنها العياء، وتهديها بعضاً من الحيوية، رنين الجرس يعلن نهاية الدوام ترفع رأسها الثقيل كالصنم بما جادت به قريحتها.
تهرول مسرعة حتى لا تفوتها الحافلة المحشوة بالناس كعلبة الساردين، حتى الهواء فيه يعاني الاختناق، تلف صغيرها بعد أن تطبع قبلات عشوائية على وجنتيه شوقاً واحتراقاً.
فوضى عارمة تعم البيت، تتنقل بين زواياه كالنحلة، علّها تخفف من قتامة تلك الفوضى وهي منكبة في أشغالها الشاقة "لو كانت لي خادمة"، يرن المنبه من جديد وقت الدروس لولديها وهما على مشارف الامتحانات، العشاء ينتظر لمسة من يديها، وإلا مآله الاحتراق، قرع بالباب، عائلة زوجها في زيارة مفاجئة، يقهقه زوجها معلناً بهجته بقدوم أهله، يناديها بتحضير عشاء دسم "لا تنسي كي القميص والبنطلون عندي اجتماع غداً"!
تتوغل في دوامة الصمت للحظات، تغرق في دموع روحها المرهقة، صرختها تغوص وتنتحب في حلقها، الصغير يبكي يحتاج إلى تغير الحفظات، الابن "ماما لم أفهم هذا الدرس ومعلمي طلب مني إنجاز هذه التمارين".
صوت القهقهات يعلو غرفة الاستقبال!
الجرس يرن، تحس بالضيق، تعمها عاصفة هوجاء تقتلع روح الثبات في نفسها، تسقط منهارة غارقة في يم دموعها.. اعتقوني من فضلكم!