"انتهى وقت الزيارة". حفظ سعيد هذا الصوت جيدّاً، لكنه لم يألفه بعد. كان الصوت يصل إليه دائماً وبعد انتهاء كل زيارة بالوقع ذاته بارداً وحاداً كسكين. كان يحسّه متطفلاً على لحظة اللقاء تلك، كما جدران السجن متطفلة على الحياة. سألته وهي تمسح عينيها بطرف كمّها، وكأنّها تجيب "كيف أحضر طفلة لهذا المكان"؟ عاد سعيد إلى زنزانته بخطوات ثقيلة ونخزات متتالية في صدره، ورغم ذلك تعمد ألا يلتفت. حدّق بسقف الزنزانة لوقت متأخر من تلك الليلة، كان طعمٌ مرّ ما زال عالقاً تحت لسانه.
"لا أريدها أن ترى والدها هكذا، أريدها أن تتخيلك كما أنت، وليس ما صنعوا منك".
خبّأت طفلته في الحلم وجهها في صدر المساعد إسماعيل، الذي كان يصرخ ضاحكاً "وينا وينا" لتخرج رأسها وضحكاتها تقفز من فمها الصغير، فيشعر سعيد بقشعريرة تجعل جسده النائم يرتجف. "هذه طفلتي أفلتها". حاول الصراخ، لكن صوته خرج كتمتمة مبحوحة هذيلة وضعيفة، جثا على ركبتيه متوسلاً إسماعيل: "أعطني ابنتي". لم يره إسماعيل، ولم تره ابنته.
انتفض جسده، وصحا مذعوراً وخائفاً، أخرج صورتها من تحت وسادته، مرر أصابعه على وجهها، أغمض عينيه، وعضّ على لسانه، وهو يتخيل كيف يضمها بين ذراعيه، ويحكي لها حكاية قبل النوم.
داخل سحابة من الدخان، وعلى بعد لا يتجاوز أربعة جدران وكومة من الأجساد المتعبة، كان إسماعيل يسحب نفساً طويلاً من سيجارته، ويشرد في أفكاره.
"أكمل اللعب". يصرخ أحدهم به وهو ينفث دخان سيجارته. يسحب آخر نفس ومع تنهيدة خرجت من أعماقه: "وهي باصرة". يسود صمت لبضع ثوان، ثم ينفجر الجميع بالضحك.
تصل إلى سعيد أصوات ضحك، يستعين بها ليجد حجة جديدة لعجزه عن النوم، يحس بحنين لرائحة الورق. فينزل متثاقلاً عن السرير، يخرج من تحت وسادته دفتراً وقلماً، حصل عليهما بعد أن أعطت زوجته خاتم زواجها لأحد الحراس. ويقرر كتابة رسالة.
"وقت الزيارة قد انتهى". دوّن سعيد العبارة، وبدأ يعصر ذاكرته علّه يستحضر كلمات أخرى ليكمل، لكن عبثاً، يشعر أنه يمتلك المعنى كاملاً لكن لا لغة لديه ليقول شيئاً.
تنفذ إليه رائحة سوق الخضار، من مكان ليس هنا، ربما من مخيلته، وهناك يلتقي بعثمان. وعثمان هذا عادة يتسلّى بحشر رأس بندقيته بمؤخراتهم في أوقات الفراغ. هناك في سوق الخضار يصطدم به فتتقافز حبات الطماطم من الكيس الذي يحمله. يمد عثمان يديه بتوتر يلتقط الحبات عن الأرض، وبلسانه ذاته، يقول له مرتبكاً: "اعذرني يا أخي لم أنتبه لك".
في سوق الخضار في مكان ليس هنا، وفي وقت ليس هذا الوقت، عثمان ليس عثمان، وسعيد أيضاً سيكون آخر، علاقتهما المتوترة هذه بسبب المكان إذاً.
خارج أوقات العمل الرسمية، عثمان يعتذر، يحب ويضحك ويحزن، ويرى سعيد إنساناً وقد يعترف بحقه بكتابة الرسائل، دون أن يجعله يبتلعها مبللة بالبول.
يعود سعيد للورقة "انتهى وقت الزيارة". لا شيء آخر، ولا كلمة زيادة.
يذكر أنه ترك أيضاً وراءه في البيت عبارة واحدة على ورقة، قال لزوجته وقتها: "أنا عاجز عن الكتابة منذ بدأنا التظاهر"، ثم خرج بحجة تدخين سيجارة للمشي، ولم يعد..
الموضوع ليس شخصياً بين سعيد وإسماعيل، وهو يدرك ذلك ويفهمه جيداً. يعلمه إسماعيل فقط بانتهاء وقت الزيارة لأنها انتهت بالفعل. هو ليس مسؤولاً عن سحق لحظة الحياة تلك بصوته الحيادي، ورغم كل هذه المنطقية في تفسير سلوك إسماعيل، يبقى سعيد حاقداً عليه أكثر من الباقين، ربما بسبب الحلم أو بسبب شدة كرهه للحيادين.
يجتاحه الحنين مرّة أخرى، يشعر بالحاجة للركض، يتلمس قدميه. منذ 33 عاماً، خطت أقدامه خطواته الأولى، ذرفت أمه الدموع كما تذرفها دائماً. وكما يذرفها هو الآن بين هذه الجدران وهو يتلمس قدميه ويشعر بهما عاجزتين عن خطوة جديدة.
في أعلى فخذه اليمين أثر لجرح قديم.
في أيام الامتحانات لا وقت للتسلية، برأي أهله، لكن كان لسعيد نظرته الخاصة. قفز من شباك الحمام لأنه لم يقاوم صوت الكرة تحت أرجل أطفال الحي. فحصل على ما يستحقه كما قالت أمه وقتها، ويوم ضبطه والده يقبّل ابنة الجيران تحت درج البناية، حصل أيضاً على ما يستحقه. وربما هو الآن يحصل على ما يستحقه من إسماعيل الذي يخطف بكل حيادية طفلته.
على الورقة، لا شيء إلا تلك العبارة التي كان يريدها رسالته الخاصة لسارق طفلته ولحظات شعوره بالحياة وهو يردد كالآلة "انتهى وقت الزيارة". يحب البشر ويكره الآلات، يكره الحياد بشدة.
مشى سعيد بعد ثلاثين يوماً بخفة غير معتادة وراء السجان، وبين خطوة وخطوة كان يتخيل وجه طفلته وابتسامتها وملمس يديها ورائحتها، ثمّ يتحسس الرسالة التي لم يضف عليها حرفاً في جيبه.
قطع باحة السجن الفارغة بسرعة. كانت المرة الأولى التي ينتبه فيها أن لا سقف لباحة السجن. عبر الباب الرئيس الذي يؤدي إلى قاعة الزيارة. ولما وصل بدأ ينقل عينيه بين الوجوه باحثاً عن وجه زوجته. تجمد نظره لحظة عثر عليه، كانت خلف القضبان بيدين فارغتين ووجه باسم، وبجانبها إسماعيل واقفاً على الباب الفاصل بين الحياة والموت، بين الحرية والسجن، يحمل طفلةً صغيرة يلاعبها؛ كانت هذه الطفلة قد سرقت قلبه مذ رآها بين أحضان أمها تقتحم عتمة هذا المكان، وهي تستكشفه بعينيها المضيئتين كنجمتين.
لم يفكر سعيد لحظة، ركض كالمجنون، ركض وكأن الحلم نبوءة تتحقق، ركض وهو يصرخ بالصوت المبحوح ذاته، "أفلتها هذه طفلتي". استقرت يده على عنق إسماعيل، وكأنه وجد أخيراً أحداً يعاقبه على كل ظلم لحق به، مذ لحظة ولادته، حتى لحظة قال له أحدهم "بدك تشرف معنا دقيقتين عالفرع" بعد أن سحب سيجارته من بين شفتيه وسحقها على الأرض بحذائه العسكري الضخم.
شعر سعيد في هذه اللحظات بأنه قادر على القتل فمن حقه هو وحده أن يشمّ رائحة طفلته أولاً.
لكن في النهاية حصل سعيد على ما اعتقد أنّه يستحقه، كان وحيداً مرمياً على الأرض في زنزانة ضيقة، يتحسس الرسالة في جيبه، بينما تصله أصوات ضحك خافتة، وتنفذ إلى أنفه رائحة تشبه رائحة سوق الخضار، ربما تكون من مخيلته!