القراءة.. شكلت لي طوق نَجاة!

حوار مع السّارد عبد البر الصولدي

حاوره: إلياس الخطابي


يُعَدّ الكاتب المغربي عبد البر الصولدي من الأصوات السّردية المغربية التي تنشغل بأسئلة الإنسان في هشاشته الوجودية وتوتراته النفسية، عبر كتابة قصصية وروائية تَميل إلى التكثيف، والغوص في التفاصيل الداخلية للشخصيات. وقد لفت الانتباه إلى تجربته السردية من خلال مجموعته القصصية "رجل بلا ظل"، الفائزة بـجائزة الشارقة للإبداع العربي في دورتها الثالثة والعشرين، قبل أن يواصل ترسيخ حضوره الإبداعي بحصول مجموعته "نزيف الأطياف" على جائزة سرد الذهب في دورتها الثالثة، إلى جانب تتويجه بـجائزة كتارا في القصة القصيرة. ويشتغل الصولدي على بناء عالم سردي مشبع بالحس الإنساني والتأمل الوجودي القلق، بلغة تجمع بين البساطة والعمق.


في هذا الحوار، نتحدث معه عن بداياته، وأثر القراءة، وغواية الكتابة، وواقع القصة القصيرة، وأسئلة الأدب والإنسان.

 

 بدايةً؛ مَن هو عبد البر الصولدي؟ وكيف يعرف نفسه للقارئ؟

حينما يعرف الإنسان ذاته؛ فإنه أمام سؤال مستعصٍ، يبقى الجواب عنه دائمًا مؤجلًا، إذْ إن الوجود الإنساني موسوم بالتغيّر، وكل متغيّر ينفلت من التعريف. لكن، في هذه المرحلة، أعرف نفسي بكوني شخص وجد ضالته في الكتابة. وعبر مسار حياتي القصير والمتواضع، تشكّلت في ذهني مجموعة من الهواجس الوجودية التي لم أجد بدًّا في التعبير عنها إلا عن طريق الكلمة.

تكويني الفلسفي، وتعاطيي مع الأشياء من خلال ترك مسافة بيني وبينها، أجّجا في روحي حب السؤال، وارتأيت أنه من الممتع، ربما، أن أتقاسم أسئلتي وهواجسي مع الآخر. فحينما أكتب؛ إنما أنا أُقحم القارئ في مخاضاتي الخاصة، بعيداً عن أي حكمة أو درس سألقنه إياه. يُذكّرني هذا ببيت شعري لـمحمود درويش: من أنا لأقول لكم ما أقول لكم؟

من خلالِ الكتابة أوجّه دعوة إلى أصدقائي من القرّاء لتقاسم بعض الهموم الذاتية معي، ولنشارك معاً مصيرنا الوجودي الهش.

 كيف بدأت علاقتك الأولى بالقراءة، وهل تتذكر الكتب أو اللحظات التي دفعتك إلى الاقتراب من الأدب؟

ارتبطت علاقتي الأولى بالقراءة بالبيت، إذْ كان والدي، رحمه الله، يمتلك مكتبة محترمة، وكان حريصاً على اقتناء الجرائد بشكل دائم. أتذكر أنه كان يناولني الجرائد بعد انتهائه منها، ليس لقراءتها وإنما لتمزيقها أو إعادة تشكيل الوجوه والصور التي تحتضنها صفحاتها. غير أنّ تلك العلاقة البريئة بالورق والصور تحولت، مع الوقت، إلى افتتان حقيقي بالكلمات.

وقد توطدت علاقتي بالكتاب أكثر خلال فترة الظهيرة، حين كانت القيلولة عند أهلي طقساً مقدساً. وبما أنني كنت طفلًا مشاغباً، تضعني أمي في الغرفة التي تضم المكتبة وتغلق الباب، وكأنها تعاقبني بالعزلة، بينما كانت، من حيث لا تدري، تفتح لي أبواب العالم. هناك، بدأت أقاوم الملل باكتشاف عوالم الحرف، وأفلاك الكلمات التي تدور في سماء الكتب.

 إلى أي حَدٍّ ساهمت القراءة في تشكيل وعيك ورؤيتك للحياة وللإنسان؟

للقراءة، على المستوى الشخصي، فضلٌ كبير في تشكيل وعيي ورؤيتي للحياة؛ لأنها شكلت في مرحلة مبكرة من حياتي، نوعاً من النجاة. فأنا ابن حي شعبي، وكان من السهل أن ينحرف المرء داخله نحو العنف أو الضياع، غير أنّ القراءة كانت خيطاً خفياً يشدّني إلى نفسي كلما شعرت بأن العالم يحاول إظهار شري وإخراجه. لقد منحتني الكتب إمكانات أخرى للعيش، وجعلتني أتجاوز ضيق الواقع اليومي نحو أفق أوسع من الدهشة والتأمل. كما أنني مدين للدرس الفلسفي؛ لأنه لم يمنحني أجوبة جاهزة بقدر ما أيقظ داخلي الأسئلة، وحثتني على التفكير بطريقة مختلفة. وربما لهذا السبب ما زلت أؤمن بأن الإنسان الحقيقي هو ذلك الذي يواصل طرح الأسئلة، حتى حين يدرك أن الإجابات النهائية لا وجود لها أبداً.

 متى بدأت غواية الكتابة لديك، وهل جاءت الكتابة كتعبير عن شغف، أم كحاجة داخلية لمواجهة العالم؟

بدأت غواية الكتابة لديّ مبكرًا، كما أشرت سابقاً، لكنها في بداياتها لم تكن سوى محاولات طفولية مشوّهة لتقليد ما أقرأه. كنت أمتلك مذكرة صغيرة أعيد فيها تشكيل القصص التي تستهويني، مدعيًا أنها لي. ومع مرور الوقت، خصوصًا خلال المرحلة الجامعية، تحولت الكتابة من مجرد لعبة لغوية إلى حاجة داخلية عميقة. أصبحت نوعاً من المواجهة؛ أواجه بها نفسي أولًا، بما تحمله من قلق وأسئلة وهشاشة، ثم أواجه بها العالم بما فيه من تناقضات وقسوة والتباس. وما كان لتلك النصوص أن تغادر عزلتها لولا الدعم الكبير الذي وجدته من رفيقة عمري، التي آمنت بما أكتبه في وقت لم أكن أفكر فيه إطلاقًا بمشاركة نصوصي مع الآخرين. لقد كان لها فضل حقيقي في دفعي إلى مشاركة النصوص مع غيري.

 هل كانت بداياتك مع القصة القصيرة مباشرة، أم أنك مررت بأشكال كتابية أخرى قبل الاستقرار في السرد؟

القصة القصيرة هي معشوقتي الأبدية، والشكل الأدبي الأقرب إلى رؤيتي الفلسفية للحياة. أشعر دائماً أن هذا الجنس السردي، بما يمتلكه من خصائص، قادر على الإمساك بهشاشة الوجود ولحظاته العابرة بصورة أعمق من الأشكال المطوّلة. إلى جانب ذلك، أكتب المقالة أيضاً، وبعض الشذرات الفكرية، التي لم يأتِ أوان نشرها ومشاركتها.

وحين اتجهت إلى كتابة رواية سحاب النزع الأخير، ظلّ هاجس القصة القصيرة حاضرًا بقوة داخل البناء السردي نفسه، إذْ تتخذ الرواية لنفسها صيغة أشبه بـالماتريوشكا، حيث تتوالد القصص الصغيرة داخل القصة الكبرى الجامعة، وكأنني، حتى داخل الرواية، أبحث دائمًا عن روح القصة القصيرة وإيقاعها الداخلي.

 فوز مجموعتك القصصية، رجل بلا ظل، بجائزة الشارقة للإبداع العربي شكل محطة مهمة في مسارك، ماذا أضافت لك هذه التجربة إبداعياً وإنسانياً؟

شكّل الفوز بـجائزة الشارقة للإبداع العربي عن رجل بلا ظل، ثم جائزة سرد الذهب عن مجموعة نزيف الأطياف التي ستصدر قريباً عن دار مرفأ، محطة مهمة في مساري؛ لأنها منحتني تحفيزًا معنويًا وفرصة للقاء كتّاب ومبدعين من مجالات مختلفة. كما أعتبر الجوائز نوعًا من الاختبار الموضوعي للنص، خصوصًا أنني أشارك دائمًا في فئة الأعمال غير المنشورة، فالكاتب الذي لا يمتلك شبكة علاقات تساعده على النشر يجد نفسه غالبًا بين خيارين: إما تحمل تكاليف النشر بنفسه، أو اللجوء إلى الجوائز الأدبية بوصفها فرصة حقيقية لوصول النص إلى القارئ ونيله قدرًا من الاعتراف والتقدير، وأنا ممتن لكل جائزة فزت بها.

 في رجل بلا ظل تبدو الأسئلة الإنسانية والوجودية حاضرة بقوة، ما الذي يشغلك في الكتابة عن الإنسان المعاصر؟

يشغلني في الكتابة عن الإنسان المعاصر كل ما هو مشترك وإنساني؛ لأن قضايا اليوم لم تعد تخص فئة دون أخرى، بل باتت تمسّ البشرية جمعاء في تعقيداتها وهشاشتها. نحن مجرد تروس داخل منظومة تشبه الآلة، تعيد تشكيل الإنسان وتختزله أحيانًا إلى مجرد عنصر قابل للاستهلاك أو إعادة التوظيف. في هذا السياق، تتحول مفاهيم أساسية مثل الجسد، والموت، والمعاناة، والحرية، والحب، والمرض، والأمل، والأحلام، إلى موضوعات قابلة للتسليع، خاضعة لمنطق السوق والتداول، بدل أن تظل تجارب إنسانية عميقة ومفتوحة على المعنى.
 


 بعد المجموعة القصصية، أصدرت رواية بعنوان، سحاب النزع الأخير. لماذا هذا الانتقال من القصة إلى الرواية؟

لم يكن الانتقال من القصة القصيرة إلى الرواية انتقالًا حادًا أو قطيعةً، بقدر ما كان امتدادًا طبيعيًا لتجربة الكتابة نفسها. فالقصة القصيرة ظلت، وما تزال، فضائي الأثير؛ لأنها تتوافق مع رؤيتي التي تميل إلى التكثيف والالتقاط اللحظي للمعنى. غير أنّ الرواية، في مرحلة لاحقة، فرضت نفسها بوصفها مساحة أوسع للتأمل، وإعادة بناء العالم من خلال طبقات متعددة من الحكايات والشخصيات والزمن. يمكن القول بصيغة أخرى أنّني منفتح على توسيع فضاء الكتابة، ومحاولة لاختبار حدود المعنى والجمال، في أشكال سردية مختلفة ومتنوعة.

 كيف تقيم واقع القصة القصيرة اليوم، وهل ما تزال قادرة على جذب القراء وسط التحولات الرقمية والثقافية؟

إنّ واقع القصة القصيرة اليوم، هو عكس ما يعتقد البعض؛ إنها تتحوّل وتخرج من دائرة الانحسار، فهي تتأقلم مع التحولات الرقمية والثقافية بدل أن تتراجع، كما أنها ما تزال قادرة على جذب القراء لأنها فنّ يقوم على التكثيف والاختزال، وهو ما ينسجم مع إيقاع العصر، رغم التحديات التي يفرضها المحتوى الرقمي العابر.

 هناك من يرى أن القصة القصيرة تعيش تهميشاً نقدياً وإعلامياً مقارنة بالرواية، هل توافق هذا الرأي؟ ولماذا؟

نعم؛ إلى حدّ ما أوافق هذا الرأي، فالرواية تحظى اليوم بحضور نقدي وإعلامي أكبر بفعل آليات النشر والتسويق والجوائز، بينما تبقى القصة القصيرة أقل حظًا في التغطية الإعلامية. لكن ذلك لا يقلل من قيمتها، بل يعكس تفاوتًا في الاهتمام أكثر مما يعكس تراجعا في أهميتها الأدبية، ربما لأنّ كتاب القصة سجناء دوائر ضيقة، أو لأنّ القصة نفسها تظل نخبوية، ربما لا جواب نهائي على هذا السؤال.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها