يَعْرِف العالم اليوم تحولات عديدة في مختلف مجالات الحياة بفعل سلطة الرقمية التي صارت جزءاً لا يتجزأ من مختلف القطاعات السياسية والاجتماعية والإعلامية وغيرها، ولعل من أكثرها تعقيداً وأهمية ما أحدثته هذه العولمة من تأثير في مجال القيم، ما جعل العالم اليوم يعرف تحولاتٍ هامةً على مستوى الثقافة والاجتماع والأخلاق وغيرها، بحيث صارت القيم تتخذ طابعاً عالمياً بفعل التأثير الذي تمارسه الثقافة المهيمنة، وهي دون شك الثقافة الغربية، وهو ما كان له تأثير قوي على الشعوب النامية على مستوى العادات والتقاليد والسلوك والأفكار، وبالمقابل أسهمت في محو كثير من القيم الأصلية والإيجابية التي ترتبط بالتراث الثقافي والقيمي لتلك المجتمعات.
كيف تقوم العولمة بجرف الثقافات المحلية؟
إذا تأملنا عدداً من الدول العربية والإفريقية وغيرها من الدول النامية سنجد أن الثقافات المحلية تعرف تراجعاً على مستوى القيم المحلية، وتعرف انجرافاً بالمقابل نحو الثقافة الغالبة، وخاصة منها الثقافة الإنجليزية والأمريكية التي يبدو أنها المتحكم الأكبر في العالم على مستوى السياسة والاقتصاد والتعليم، وهو ما كان له تأثير واضح على اللغة والقيم والأخلاق وعلى العادات والتقاليد، خاصة في غياب وعي قوي بهذا التأثير الذي يؤدي عادة إلى محو القيم المحلية.
┇اللغة
إن اللغة التي تعبر عن فكر الإنسان وعن وعيه وتميزه عن غيره من الكائنات، تعرف بدورها انقراضاً وموتاً مثل كل الكائنات عندما يحجم الإنسان عن استعمالها، والحق أن الاستعمار والعولمة أسهما إلى حد بعيد في انقراض عديد اللغات مقابل تطور لغات أخرى مثل الإنجليزية، بحيث إن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) تتوقع أن أكثر من نصفها ستنقرض بحلول نهاية القرن الحالي. ويكشف أطلس لغات العالم المهددة بالاندثار الصادر عن المنظمة الأممية أن لغة تنقرض كل أسبوعين، وهذا يعني أن 25 لغة تنقرض سنويًا، وإذا استمر الحال ستؤدي إلى اختفاء 90% من اللغات المهددة أو التي تعاني من خطر الانقراض.
لقد عمل الاستعمار الغربي للدول العربية والدول الإفريقية على زعزعة الاستقرار الثقافي، ومنه القضاء على اللغات المحلية، في المناطق المستعمرة مقابل تشجيع اللغات الأجنبية خاصة من طرف المستعمرات التي كانت تابعة لفرسنا وبريطانيا والتي كانت تقوم بترسيخ ثقافة المحو، ولنا أن ننظر في هذا الصدد عدداً من اللغات التي انقرضت في هذه الألفية فقط، من قبيل لغة "لابو" في غينيا الجديدة، ولغة "الميسميس" في إيثيوبيا، ولغة "البوكيوار" في الهند، ولغة "أكا-بو" في الهند أيضاً، ولغة "بيديارا" في أستراليا.
وعندما نتحدث عن اللغة نتحدث، بطبيعة الحال، عن القيم الثقافية والعلمية والفكرية، فاللغة كما يرى فريديريك هيجل "هي وعاء الفكر" ولذلك فإن محو لغة من اللغات هو محو للذاكرة وللفكر وللهوية، وهذا ما وقع فعلا في الدول التي تخلت عن لغاتها الأم لصالح لغات أجنبية كما هو الحال لبعض الدول الإفريقية التي قضى فيها الاستعمار الفرنسي أو الإنجليزي عن الثقافة الأصلية وفرض ثقافته ولغته، ولعل هذا التحول الذي قضى على ثقافات ولغات محلية في إفريقيا هو ما جسدته رواية "الأشياء تتداعي" (Things Fall Apart" للكاتب النيجيري شينوا أتشيبي، والتي وضحت كيف عمل المستعمر الإنجليزي على اجتثاث القيم الأصلية للمجتمعات الإفريقية التي استعمرها، ومنها موطنه نيجيريا.
┇انمساخ القيم
لقد أدى التحكم في القيم عبر نشر النموذج الأمريكي أو ما يسميه فرنسيس فوكوياما بالرجل الأبيض في كتابه "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" (The End of History and the Last Man)، أدى إلى اندثار كثير من القيم الأصيلة في المجتمعات التي يصنفها الغرب على أنها ثالثية أو نامية أو متخلفة أحياناً، والتي لا بد في نظر فوكوياما وهنتنتون وغيرهما من منظري العولمة، أن تنصاع لنظام القيم الغربية انطلاقاً من مقولة أن الديمقراطيَّة الليبراليَّة بقِيَمها المتمثلة في الحرية الفردية، والمساواة، والسيادة الشعبية، ومبادئ الليبرالية الاقتصادية، تُشَكِّلُ مرحلة نهاية التطور الأيديولوجي للإنسان وبالتالي عولمة الديمقراطية الليبرالية كصيغةٍ نهائيةٍ للحكومة البشرية.
هذه الفكرة التي تؤيد عولمة الثقافة وعولمة القيم وخاصة منها القيم الأمريكية التي في نظر منظري العولمة لا تقبل النقاش، جعلت معظم شعوب العالم تتجه إلى احتضانها وإلى الإيمان بها، وإلى التخلي بالمقابل من القيم القومية والوطنية المتوارثة التي تؤمن بالجماعة والاتحاد والأخلاق التي تقوم على الفضيلة، وهو ما أدى اليوم إلى انتشار قيم سلبية من قبيل الفردانية والذاتية والتغني بالحرية الفردية ولو على حساب القيم الجمعية، وتلك نفسها هي الأفكار التي دعا إليها فوكوياما في كتابه "نهاية التاريخ"، باعتبارها تدخل في حريات الإنسان الأخير الذي لا يسعه إلا أن يتبع، في نظره، المذهب الليبرالي، يقول مؤكداً: "سوف لا يبقى في نهاية التاريخ أي منافس للديمقراطية الليبرالية"*.
┇عولمة العادات والتقاليد
على الرغم من حرص الدول العربية الإسلامية مثلاً على ضرورة الحفاظ على عاداتها وتقاليدها التي يصونها الدين الإسلامي، إلا أنه يبدو أن الغالب اليوم على الثقافة العربية، على مستوى الظاهر على الأقل أنها أصبحت مشوبة بالتقليد الأعمى للغرب على مستوى الحياة الاجتماعية والعادات والتقاليد، فما نشاهده طاغياً مثلاً ليس الاحتفال بالعادات والتقاليد الأصيلة، ولا التشبث بالتقاليد العربية الأصيلة؛ وإنما صار الانجراف وراء التقاليد والعادات الغالبة وأقصد بها عادات الثقافات الأخرى التي يروج لها الإعلام الغربي، وتفرضها الليبرالية سياسياً واقتصاديًا، وأخيراً العولمة الرقمية التي تجري وراء صهر الثقافات المحلية في الثقافة الغالبة.
ما الأسباب وراء هذا الانجراف؟
┇الاستعمار الغربي
لقد عمل الاستعمار الغربي، خاصة منه الاستعمار الإنجليزي والفرنسي، في القرنين التاسع عشر والعشرين، على جرف الثقافات المحلية، وقد استطاع أن ينجح إلى حد بعيد في خلق نوع من الهوة بين الثقافة المحلية أو قُلْ بين مكونات الثقافات المحلية نفسها، والتي تتمظهر بشكل خاص في محاولة طمس التراث الحضاري العربي العلمي والفني، وتهجين القيم العربية لتوائم القيم الغربية السائدة، وفي محاربة اللغة العربية في العالم العربي، والتي تلاقي اليوم تهديداً قوياً بسبب ذلك الاستعمار الذي كرَّهَ العربي في لغته وجعل اللغات الأجنبية تبدو هي اللغات الأفضل من خلال جعلها لغة التعليم والاقتصاد والإدارة خاصة في دول المغرب العربي، كما أنه خلخل الطبيعة التقليدية للمجتمع العربي عن طريق التغريد بحقوق الإنسان وإيهام العرب بضرورة الحداثة، هذه الحداثة التي يبدو أنها تقوم على تقليد القشور لا على محاكاة الجوهر من خلال تقليد الغرب في تقدمهم العلمي والتكنولوجي، على سبيل المثال.
┇عولمة الإعلام
تعتبر وسائل الإعلام من بين أهم مؤثرات التحول التي عرفها العالم منذ ثمانينيات القرن الماضي، والتي عملت على تحويل العالم إلى ما يشبه القرية الواحدة التي تشكل أمريكا والغرب قاعدتها وأسها، بحيث يروج الإعلام خاصة منه الإعلام الرقمي والسمعي البصري للنموذج الغربي، فتحولت معه الصحافة من سلطة تساعد على خلق التوزان إلى سلطة تتسلط على الثقافات المحلية لمحوها؛ وفي هذا الصدد صارت القنوات الإعلامية الرقمية والرسمية أحياناً، تعملُ بوعي منها أو بغير وعي، على التخريب؛ حتى صرنا نشاهد أن الإعلام المحلي السمعي البصري يعتمد في أساسه على نشر الثقافة الغربية والنموذج الغربي في السينما بشكل خاص، كما أن معظم وسائل الإعلام في الدول النامية لم تتحرر من سلطة وكالات الإعلام الغربية التي تعمل على نشر النموذج الغربي الذي يجعل الإنسان العربي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالقيم الغربية، وعلى الرغم من الجهود المبذولة في سبيل محاربة التقليد الأعمى للغرب والـتأثر بالغرب، إلا أننا نرى للأسف أن معظم الشباب العربي ذهب ضحية التقليد الأعمى للغرب على مستوى الأخلاق وعلى مستوى الثقافة والقيم.
┇الرقمية
حين نتحدث عن الرقمية؛ فإننا نشير بها إلى التحول التكنولوجي الذي أتت به ما تسمى بالثورة الصناعية الرابعة، والتي حولت العالم إلى مجتمعات افتراضية تشتغل عن بعد وتتواصل وتنقل المحلي إلى عالمي وتنقل الواقعي إلى افراضي ما يجعلنا في نهاية المطاف نصل إلى هذا الهجين من الثقافات المختلفة التي تسير وفق ما تسيطر له العولمة.
كيف يمكن للثقافات المحلية أن تخرج من المأزق؟
في الواقع يبقى هذا هو السؤال الأهم في الموضوع، فالأهم هو كيفية خلق نوع من المناعة بالنسبة للدول النامية وخاصة منها الدول العربية التي تملك في الواقع جميع المؤهلات التي تساهم في خلق نوع من الاستقلالية الثقافية والقيمية، سيما وأن طبيعة المجتمع العربي الإسلامي تختلف اختلافاً بنيوياً عن الثقافة الغربية.
┇دور التربية والتعليم
يبقى التعليم في الواقع منفذاً أساساً للترويج للقيم الإيجابية التي بإمكانها أن تحفظ القيم المحلية، خاصة في دولنا العربية والإسلامية التي تتميز فيها منظومة القيم بالغنى والتنوع التي تسمح لها بالتفاعل والانفتاح على باقي القيم الكونية؛ كما أنها ترتكز على مقومات تجمع بين التراث القيمي العربي الإسلامي، وبين أشكال التفاعل مع باقي الثقافات والحضارات بفعل العامل التاريخي، ولهذا لا بد من إعداد المتعلم العربي لتشرُّب مبادئ التعددية الثقافية في المدرسة من خلال ربطه بتراثه العربي والإسلامي، ولا بد في هذا الصدد من التعامل مع القيم العليا في بعدها الكوني، عوض الاقتصار على القيم المحلية التي من شأنها أن تعرِّف المتعلم بقيمه الخاصة في حين تجعله معادياً لباقي القيم، أو تجعله ينحرف نحو التمييز العنصري أو العرقي أو التطرف الفكري، فالتركيز على القيم الإيجابية في سياقها الكوني وتعلميها هدف أساسي، لهذا لا ريب من أن مدرس التربية الإسلامية، مثلا، لا بد له من إطلاع المتعلم على العلاقات القائمة بين القيم الإسلامية والقيم الدينية والإنسانية الأخرى، وهو ما من شأنه أن يربي المتعلم على احترام باقي الديانات وباقي الثقافات وباقي الحضارات، من خلال فهم واضح للفرق بين القيم المحلية والقيم الكونية، أو ما يسمى بمنظومة القيم.
┇الحكامة الرقمية
إن الرقمية في الواقع قد أتاحت الانفتاح على القيم العالمية بحيث أصبح من الصعب الحديث عن قيم محلية منغلقة في زمن صارت فيه الانترنيت مجالاً للاشتغال بالنسبة للجميع، في نوع من الديمقراطية، غير أنها تحتاج إلى نوع من الحكامة التي تضمن نوعاً من العدالة الرقمية، إن صح التعبير، من خلال العمل على احترام كافة الثقافات، وعدم استئساد ثقافة معينة، وهو ما يدعو الدول المسماة ثالثية أو نامية إلى ضرورة مراقبة ما يتم تسريبه من أفكار سلبية ومن مواقع تروج للكراهية ولضرب القيم المختلفة أو المخالفة للفكر الغربي الليبرالي السائد.
من جهة أخرى؛ لا بد من تشجيع نشر القيم المحلية عبر الرقمية من خلال رقمنة التراث المحلي، وتعريف الأجيال الصاعدة بالقيم المحلية من أجل التعريف بها عالمياً؛ إذ يبدو أن الآخر الغربي يجهل كثيراً الثقافات الأخرى ويعتبرها هامشية، ويمكن للوسائط الرقمية الحديثة أن تعمل على تعزيز الثقافات الأخرى المغايرة للثقافة الغربية، ومن شأن ذلك أن يساهم في بناء نوع من المناعة ضد انجراف الثقافات الصغرى وراء العولمة الثقافية.
- https://www.aljazeera.net، تاريخ الاطلاع: 2 أكتوبر/ تشرين الأول 2022.
- انظر: https://ar.wikipedia.org/wiki، تاريخ الاطلاع: 2 أكتوبر/ تشرين الأول 2022.
- https://ar.wikipedia.org، تاريخ الاطلاع: 04 أكتوبر/ تشيرن الأول 2022.
* فرانسيس فوكوياما: نهاية التاريخ والإنسان الأخير، ترجمة: فؤاد شاهين وآخرين، مركز الإنماء القومي، بيروت، 1993، ص: 205.