
✦ شكّلت الأختام مرجعاً حيوياً وأساسياً في غياب الوثائق المكتوبة لاكتشاف المجتمعات القديمة المندثرة.
✦ كانت الأختام تُصنع في ورشات خاصة بكميات كبيرة، ولكن لا تأخذ شكلها النهائي إلا حسب الطلب.
✦ يمثل الختم مظهراً من مظاهر تطور الفن القديم في بلاد الرافدين وسورية.
وُجدت الأختام الأسطوانية منذ نشوء المجتمعات الإنسانية الأولى لتكرّس شرعية التعامل الاجتماعي البدائي، وتنظّم أولى المعاملات الإدارية والقانونية والاتفاقات التجارية، وظهرت الأختام في العالم القديم على شكل نقوش رمزية محفورة على الحجر كانت بمثابة وثيقة موقعة تداولتها المجتمعات القديمة، قبل أن تُولد الأبجدية وتنتشر الكتابة في العالم.
وقد شكلت تلك الوثائق الحجرية بالنسبة إلى علماء الآثار مرجعاً حيوياً وأساسياً في غياب الوثائق المكتوبة، لاكتشاف المجتمعات القديمة المندثرة التي كانت حضاراتها أصولاً لقيام حضارات العالم، وإذا كانت هذه الأختام قد أخذت دوراً كبيراً في تصوير معالم حضارات الشرق الأدنى القديم، وقيام المجتمعات الأولى في بلاد ما بين النهرين؛ فإنها لم تخرج عن هذا الدور في سورية التي كانت جزءاً لا يتجزأ من الشرق القديم، وكانت ممراً للطرق التجارية في كل العصور، وظلت مفتوحة على مختلف التيارات الحضارية، وتعايشَ في ربوعها شعوبٌ من جنسيات وأديان متنوعة، وفي بلد مثل سورية لا نستغرب إذا واجهنا في تراثها مزيجاً كبيراً من الأفكار والتصورات الدينية التي تنعكس بطبيعة الحال في فنونها.

◄ فن النقش
الختم عبارة عن شكل أسطواني مصنوع من مواد متنوعة مثل الهيماتيت الأسود، أو حجر الستيتايت، وأحياناً من أحجار كريمة بألوانها المتعددة، ويعود تنوع المادة التي يصنع منها الختم لأسباب فنية واجتماعية، منها قابلية المادة للتشكيل وسهولة تصنيعها، أما الاجتماعية فتعود للمكانة الاجتماعية والطبقية فالأحجار الكريمة محصورة في طبقة الملوك والنبلاء والقادة لغلاء ثمنها وعدم قدرة الجميع على امتلاكها، وباقي الأحجار للأفراد الآخرين من طبقات اجتماعية أخرى كالتجار والزرّاع والصناع.
وقد دلت التنقيبات الأثرية في وصفها للختم الأسطواني أن هذه الأسطوانة تتراوح طولًا ما بين 1.2 سم حتى 3 سم / وقطراً ما بين / 0,8 -1,5 / وهو المقياس المثالي وإن كان الحجم يتجاوزه في أحيان كثيرة.
وكان تصنيع الختم يتم بدحرجته على مادة طينية تشكل لوحة بمشهدين اثنين أو لوحتين بمشهد واحد لكلتيهما، "كانت الأختام تُصنع في ورشات خاصة بكميات كبيرة، ولكن لا تأخذ شكلها النهائي إلا حسب الطلب، وهذا يعني أن الأختام كانت تُقطع وتُعد بالجملة، ثم يُنقش الختم وفق رغبة الشاري، وكان الفنان النقاش يترك فسحة من المكان على الختم لضرورات الإضافة في السطر، وهذا ما نشاهده في العديد من أختام العصرين السوري الحديث والبابلي القديم" – كما يقول الباحث "هورست كلينكل" في كتابه "حمورابي البابلي وعصره" الصادر عن دار المنارة للدراسات والنشر في دمشق عام 1990 بتعريب محمد وحيد خياطة.

◄ رموز الآلهة والملوك
إن ما تحتفظ به المتاحف والمجموعات الخاصة منها تشهد على الأهمية الكبيرة التي كان يتمتع بها الختم ذات يوم، وتتوضح هذه الأهمية في كون الختم يمثل مظهراً من مظاهر تطور الفن القديم في بلاد الرافدين وفي سورية ومن كونه –أي الختم الأسطواني– تسجيلاً مشخصاً لأحداث تاريخية، أو لأساطير قديمة تساعدنا على تفهم مستوى التفكير والحياة وصورة الحدث، ورموز الآلهة والملوك والأشخاص، وتعتبر هذه الطريقة من التسجيل من أقدم طرق النشر الثقافي، وذلك أن الخاتم المصنوع بشكل أسطواني من حجر الهيماتيت أو الستيتاتيت أو الصَدف يمكن طبعه عشرات بل مئات الطبعات على الطين، وبذلك نصنع بسهولة ألواحاً من الطين يمكن نقلها إلى كل مكان حاملة معها أفكاراً وأخباراً تبقى ماثلة بوضوح إلى عهد طويل.
وإذا ما كانت الأختام الرافدية كثيراً ما صورت مواضيع التقديم والعبادة مقترنة بصورة (نارام سين)؛ فإن أختام ماري التي تعود إلى عهد (زميريليم) آخر ملوكها وزوجته (شبتو) تقدم لنا مواضيع جديدة بأسلوب جديد في النقش على الأختام في الألف الثالث ق.م، ومثال على ذلك ما قدمه (مكنيشوم) ناظر القصر على ختمه الذي يحمل صورة (زميريليم ) المنتصر، وهو يدوس بقدميه أعداءه بمساعدة الآلهة المجنحة عشتار، وثمة ختم آخر يمثل موظفاً آخر من موظفي(زميريليم)، ويمثل راقصة عارية تحمل دفاً، وثمة نقش يبدو فيه الرداء السوري للإله المقاتل ذي اللباس الملفوف وهو نوع من الزي انتشر عند سكان ماري من العموريين.

◄ أسلوب النقش النافر
يمكن تمييز حقب تاريخية انتشرت فيها الأختام الأسطوانية في سورية، ويمكن حصر هذه الحقب كما تشير المصادر التاريخية في الفترة الممتدة من اكتشاف الكتابة حوالي 3200 ق.م، وفتح الاسكندر للشرق في 330 ق.م، وهي فترة غنية بالتحولات الحضارية، ومنها حقبة فجر التاريخ السوري الأول (3300-2900 ق.م)، ففي سياق الحملة الدولية لإنقاذ الآثار التي غُمرت بمياه بحيرة سد الفرات عثر المنقبون على طبقات حضارية في عدة مواقع تعود إلى دور الفجر السوري الأول، ومن هذه المواقع موقع (حبوبة الكبيرة الجنوبي) الواقع على نهر الفرات الغربي، ونسبت حضارته إلى دور الوركاء المعاصر لهذا الدور، ومن طبقات الأختام الأسطوانية المكتشفة في هذا الموقع ختم بقياس 6,5 سم (دول السداد)، وارتفاع 4,6 سم وهو من مادة الطين، ويصور مشهداً يضم خمسة حيوانات أليفة (بقر وماعز) تسير وراء بعضها، واحدة منها أنثى يسير وراءها فطيمها ويتبعه حيوان آخر كأنه يثب، انتصبت قرون اثنين من الحيوانات ويمتاز هذا الختم بأسلوب النقش النافر وهو موجود في متحف حلب الوطني، وثمة ختم أسطواني آخر من نفس الحفرية بطول 2,7 سم وقطر 2,3 سم وقطر الثقب 0,4 سم، وهو من حجر قاس غير كلسي بحالة جيدة، ويمثل هذا الختم مشهداً يصور ثلاثة أبقار تسير وراء بعضها فوق خط تحته مثلثات صُفت على خط مستقيم، ويبدو الحيوانان الأول والأخير أكبر من الأوسط الذي يمد ذيله فوق ظهره، والموضع بأكمله يمثل أسرة بقرية ونرى فوق الثور والبقرة صورة سلم منحن، وفوق العجل مثلثات على شكل قوس، ويمتاز هذا الختم بأسلوب النقش النافر أيضاً.