المنهج التأويليّ "الهرمنيوطيقا" في النّقد الأدبيّ الحديث

د. وليد قصّاب


شاع التأويل "الهرمنيوطيقا" وذاع في الفكر الغربيّ الحديث حتى كاد يحلّ محلّ النّقد الأدبيّ بمفهومه المتداول، وقد روّجت له وتبنّته مناهج فلسفية ونقدية مختلفة من خلال التّفكيك ونظريات التّلقي والقراءة وغيرها. ولم يعد هذا التّأويل -كما أصبح يُقَدّم- قضيّة لغويّة فقط، بل غدا موقفًا فلسفيًّا، وقد أتى من حقل الدّين بشكل خاص.

يقول جاثان كلر: "إنّ النّماذج الهرمنيوطيقيّة تأتي من حقل القانون والدّين؛ حيث يسعى النّاس لتأويل نصّ موثوق به، أو نصّ مقدّس؛ بغية اتّخاذ قرار في الكيفية التي ينبغي لهم القيام بفعل.."1.

ثمّ تطوّر البحث في التأويل، فراح يقدِّم صياغات فكريّة للإنسان عن اللّه والكون والحياة، وذلك بسبب الدّور الفعّال للمؤوِّل في قراءة النّصوص، وفهمها، واستنباط التّصوّرات منها، ولاسيما من خلال الاتّجاهات الحداثيّة وما بعد الحداثيّة التي أعطت القارئ سلطانًا مطلقًا؛ حيث سوّدته على النّصّ، وعلى المؤلِّف، وعلى أيّة ملابسات خارجية.

ثمّ راحت النّصوص العقليّة والفلسفيّة تتغلّب على النّصوص الدينيّة، وتبدو لهم أكثر مصداقيّة منها؛ وذلك بسبب التّشكيك في هذه النّصوص الدّينيّة، أو ظهور التّعارض بينها.

ولأنّه قد يبدو من الصّعب عند قوم كثيرين رفض النّصوص الدّينيّة؛ لأنّ ذلك يعني رفض الدّين، والانحياز إلى الإلحاد؛ مضى التّأويل يحاول التّوفيق بينها وبين النّصوص الفلسفيّة أو العقليّة، يلوي أعناقها -من خلال استخدام مناهج تأويليّة يُدَّعى لها العلميّة- لتتوافق مع هذه النّصوص.

ومن رحِم التّفكيكية خاصّة ونظريات القراءة والتّلقِّي ولد ما يُعرف بالنّقد التأويليّ أو التأويليّة "الهرمنيوطيقا".

✲ الهرمينوطيقا Hermeneutics: أشكالها ومنطلقاتها الفلسفيّة والنّقديّة ✲

تعود كلمة "هرمنيوتيك" إلى إحدى الأساطير الوثنيّة القديمة عند اليونان. يقول آلن هاو: تعود هذه الكلمة "هيرمنيوتيك" في أصولها إلى أنشطة الإله اليونانيّ "هرمس" الذي كان رسول الآلهة، فمهمّة هرمس كانت أن ينقل المعرفة الإلهيّة إلى البشر الفانين الذين كانوا سيعجزون من غير ذلك عن فهمها. وبحسب ما تقول الأسطورة فإن هرمس كان يرتدي خوذة تمكِّنه من الاختفاء والظّهور أنّى يشاء.. وكان هرمس ألعبانًا، إله اللّصوص وقطّاع الطّرق.. فهرمس هو الإله الذي يتوسّط، أو يؤوِّل حقيقة العالم في شكل متاح للبشر في شروط حياتهم العادية، وممّا كان ينسجم مع طبيعة هرمس أنّ المعرفة التي كان يأتي بها هي معرفة حاذقة، وجزئيّة، وضمنيّة، تنير للبشر طريقهم، ولكنّها تقاوم الاكتمال.."2.

وستصبح الهرمسيّة -نسبة لهرمس هذا- إحدى اتّجاهات التّأويل المفرِط المغالي في اتّجاهات نقد ما بعد الحداثة.

والتّأويل ليس شيئًا جديدًا؛ إنّه قديم موجود في جميع الثقافات والآداب والفلسفات، وعند الأمم جميعها في جميع مراحل حياتها.

وقد طوف السّيميائيّ الفرنسيّ أمبرتو إيكو في دهاليز الدّين، والتّاريخ، والفلسفة، والأساطير، والمنطق، وغيرها يبحث عن أشكال التّفسير والفهم التي ترسّخت عبر الأزمنة، وعن جذور لأشكال التّأويل المختلفة التي عرفها الفكر الغربيّ، وانتهى به البحث إلى وجود شكلين من أشكال التّأويل، ولكلّ منهما ما يدعمه من الحجج والبراهين:
1-الـتّأويل المنضبط: أو المتناهي، وهو المحكوم بمرجعيّات وحدود وضوابط، يروم الإمساك بمقصديّة المؤلف، ويسعى إلى الكشف عن الدّلالة التي أرادها من نصوصه، أو على الأقلّ الكشف عن طابعها الموضوعيّ.."3.

فهو ليس تأويلًا مطلقًا غير متناهٍ، بل هو تأويل تتحكّم فيه قواعد ومرجعيّات، ينضبط بمعطيات النّصّ، وفرضيّات تتعلّق بالقراءة ذاتها، ولا بدّ أن يأخذ المؤوِّل جميع ذلك في الحسبان، وينتهي به إلى غاية.

وهذا التأويل يؤمن بفكرة "الحضور" والحضور –كما يقِّدمه إيكو- أساس قيام الحضارات؛ لأنّه يؤمن بحدود وضوابط. والحدود هي أصل البناء؛ بناء المدينة، وتحديد تخوم الإمبراطوريّة، وتعيين عاصمتها؛ فالإمبراطوريّة موجودة؛ لأن هناك حدودًا ترسم هُويتها، وإذا حدث أن انتفت هذه الحدود سقطت الإمبراطوريّة، ويحقّ آنذاك لأيّ كان أن يعيِّن من المدن ما يشاء، وستكون العاصمة في أيّ نقطة على الأرض.. أمّا لا نهائيّة التّأويل فلن تقود إلا إلى تدمير المبادئ التي قامت عليها العقلانيّة الغربيّة.."4.

2-التّأويل اللامتناهيّ، أو التّأويل اللامحدود، وهو -على عكس السّابق- يرى أنّ النّصوص تحتمل كلّ تأويل، وأنّ الأفكار التي تقدِّمها هذه التأويلات مقبولة ولو كانت متنافرة متناقضة، أو أدّت إلى إنتاج مدلولات عبثيّة.

وقد مثّل هذا اللّون من التّأويل في الفكر الغربيّ –كما يرى إيكو- تياران فكريّان فلسفيّان، هما "الهرمسيّة" و"الغنوصيّة"، ثمّ ترسّخ بالتّفكيك.

الهرمسيّة: اشتقّت "الهرمسيّة" اسمها -كمامرّ- من الأسطورة اليونانيّة؛ من الإله اليونانيّ القديم هرمس، وتبنّت ذلك اللّون من التّأويل اللامتناهيّ.

وقد قامت الهرمسيّة على مجوعة من الأفكار المتطرِّفة شديدة الغلو، من مثل:
◅ النّصّ كون مفتوح "open end" بإمكان المؤوِّل أن يكتشف داخله سلسلة من الرّوابط اللانهائيّة.
◅ إن اللّغة عاجزة عن الإمساك بدلالة وحيدة ومعطاة بشكل محدّد.
◅ إنّ اللّغة تعكس لا تلاؤم الفكر. إنّ وجودنا في الكون عاجز عن الكشف على دلالة متعالية.
◅ إنّ كلّ نصّ يدّعي إثبات شيء ما هو كون مجهض؛ أي نتاج كائن يشكو من اختلال ذهنيّ، وهو يريد أن يقول" كذا" و"كذا"؛ فإنّه ينتج سلسلة لا متناهية من الإحالات؛ مثل "هذا" ليس "هذا"..."5
◅ وذكر إيكو أنّ الخاصّة الرّئيسة لهذه المتاهة الهرمسيّة التي لا تملك حدودًا "هو قدرتها على الانتقال من مدلول إلى آخر، ومن تشابه إلى آخر، ومن رابط إلى آخر دون ضابط أو رقيب.. والمدلول النّهائيّ سرّ يستعصي على الإدراك.."6.
◅ وأمّا "الغنوصيّة" المعاصرة التي يصفها إيكو بأنّها متسامحة جدًّا؛ فإنّ من تسامحها أنّ "بإمكان أيّ كان أن يكون كائنًا كلّيًّا شريطة أن تكون لديه الرّغبة في أن يحلّ "قصديّة القارئ" محل "قصديّة الكاتب" التي تستعصي على الضبط. لحظتها سيصل إلى الحقيقة، حقيقة أنّ الكاتب لا يعرف ما يقوله؛ فاللّغة هي التي تتحدّث عنه.

ومن أجل إنقاذ النّصّ، أي نقله من وضع الحاضن لدلالة ما، والعودة به إلى طابعه اللانهائيّ، على القارئ أن يتخيّل أنّ كلّ سطر يخفي دلالة خفيّة؛ فعوض أن تقول الكلمات فإنها تخفي ما لا تقول. إنّ مجد القارئ يكمن في اكتشافه أنّه بإمكان النّصوص أن تقول كلّ شيء باستثناء ما يودّ الكاتب التدليل عليه، ففي اللّحظة التي يتمّ فيها الكشف عن دلالة ما ندرك أنّها ليست الدّلالة الجيِّدة. إنّ الدّلالة الجيِّدة هي التي ستأتي بعد ذلك، وهكذا دواليك.

إن الأغبياء -أي الخاسرين- هم الذين ينهون السّيرورة قائلين: "لقد فهمنا" إنّ القارئ الحقيقيّ هو الذي يفهم أنّ سرّ النّصّ يكمن في عدمه.."7.

وإنّ النقد لدى قارئ يجعل هدفه منه الكشفُ عن نوايا النّصّ لهو نقد سيء، وهو سمة من سمات الجهل البذيء النّاتج عن النّقد السيّء...8.

وقد تأكّدت هذه المتاهة التأويليّة -الهرمسيّة الغنوصيّة- عدد التفكيكيّين؛ إذْ لم يعد القصد من التّأويل -كما كان سائدًا- البحث عن مقاصد المؤلف، عن المعنى الضّائع، وإعادة بناء الفهم المستقصي، بل طوّرت التفكيكيّة مفهوم التأويل؛ فهو عندها تأويل مبالغ مُغالٍ يستبعد النّصّ، ويتعدّى المعنى واحتمالاته، فهي لا تهتمّ بما يقوله النّصّ، بل تهتمّ بمضمراته، وترى أنّه لا مكان لقول الحقيقة، وتنظر إلى كلّ خطاب على أنّه مجازيّ. وهي تقطع الصّلة بالمؤلّف ومراده، وبجميع الملابسات الخارجيّة، من تاريخ أو ثقافة أو مجتمع، وتعوِّل على القارئ وحده الذي صار هو السّلطان المطلق في قراءة النّصّ وتأويله على حساب هذه العوامل المهمّة جميعها، حتى كان واحد مثل تودوروف يزعم أنّ النّصّ هو نزهة يقوم فيها المؤلِّف بوضع الكلمات ليأتي القرّاء بالمعنى"9.

وصار النّصّ -في تصوّر دريدا- "آلة تنتج سلسلة من الإحالات اللامتناهية، فهذا النّصّ –باعتبار ماهيته المتعالية- يشكو أو ينتشي من غياب ذات الكتابة، ومن غياب الشيء المحال عليه أو المرجع.. إنّه لا يريد تحدي معنى النّصّ فحسب، بل يطمح إلى تحدي ميتافيزيقا الحضور الوثيقة الصّلة بمفهوم التّأويل القائم على وجود مدلول نهائيّ.."10.

وهكذا؛ فإنّ هنالك لونين من ألوان "الهرمنيوطيقا" يُعنى أحدهما "بكشف معنى الأشياء، ذلك المعنى الذي يمكن أن يكون خفِيًّا عن الأنظار، أو محتجبًا في نصّ. ولكنّ هنالك لونًا آخر من "الهرمنيوطيقا" لا يقبل ذلك، ويرى أنّ المعنى لن يتكشّف للأنظار بصورة كاملة قطُّ؛ فنحن مخلوقات تاريخيّة، يقيِّدنا "تناهينا" ولذلك فإنّ المعنى سوف يتنوّع بتنوّع ظروف الحياة التي نحياها.."11.

ولم تكتف طائفة من النّقّاد بالتأويلات البعيدة، بل راح فريق يدعو إلى تأويلات شديدة الغلوّ والتّطرّف.

يقول جاناثان كلر: "أمّا إذا كانت هذه التّأويلات قصوى فإنها ستحظى بالكثير من الاهتمام، وستكون لها القدرة على الكشف عن العلاقات والترابطات التي لم يُكشف عنها من قبل، أو التي لم يُفَكر فيها من قبل. إنّها علاقات وترابطات ما كان من الممكن الحصول عليها لو بقي التأويل في حدوده الدّنيا، أو المعتدلة.."12.

ومن هؤلاء الداعين إلى التأويل المفرط البعيد أمبرتو إيكو، وعلى الرّغم من تقديمه للتأويل اللامتناهي بصورة منفِّرة، تجعله أقرب إلى العبث والتّضليل، إلا أنّه -وبعد أن عرض لنوعيْ التّاويل: المعتدل، والمفرط اللانهائيّ- بدا من أنصار التّأويل المضاعف اللامتناهي.

يصفه جاناثان كلر في مقال له عنوانه "دفاعًا عن التأويل المضاعف" بقوله: "إنّه - في داخله، وفي حميميّة روحه الهرمنيوطيقيّة التي تقوده نحو أولئك الذين يطلق عليهم "مريدي القناع"- من الذين يؤمنون بأنّ التّأويل المضاعف أكثر أهمية من غيره، ويعدّ الأصلح من النّاحية الثّقافية من التّأويل الأدنى أو المعتدل؛ فلا يمكن لإنسان لم يعِش بعمق جاذبيّة "التّأويل المضاعف" أن يكون قادرًا على خلق شخصيّات، وخلق ذلك الهوس التّأويليّ الذي يسكن رواياته. فأمبرتو إيكو لا يتوقف في محاضراته كثيرًا عند الـتّأويل الأدنى، أو الملائم، أو المعتدل لأعمال دانتي؛ إنّه على العكس من ذلك، يحاول إحياء وبعث الرّوح في تأويل مبالغ فيه يعود لـ"وردة الصّليب"، وهو تقليد يعود إلى القرن التّاسع عشر.. وتمّ تجاهله حتى اكتشفه هو، وحثّ طلبته للاشتغال بهذا النّوع من الممارسة السّيميائيّة الهامّة"13.

وهكذا بالغ التأويليون في إعطاء القارئ سلطانًا مطلقًا، حتى بتنا "نضع القرّاء فوق المؤلِّفين، ونقضي بأنّ كلّ شيء مقبول في التّأويل14.
 

✲ مناهضو التأويل ✲

وعلى الرّغم من ذلك فقد عارضت بعض تيارات في الفكر الغربيّ نفسه التّأويل، ولا سيما التأويل المضاعف، أو اللانهائيّ، ورفضت مبالغاته، وتجاوزات الحّد فيه. إنّ تيارات النّقد المتأثرة باللّسانيّات مثلًا، كان اهتمامها بــ"الشّعريّة" أو "الأدبيّة" أكثر من اهتمامها بالبحث على المعنى أو تأويله.

إنّ اهتمام "الشّعريّة" بأدبيّة النّصّ قام على إقصاء المعنى. ويبدو هذا جليًّا عند الشّكليين الرّوس، وعند البنيويّين، وعند الأسلوبيّين، كالأسلوبيّ ليوسبتزر، وينسحب الأمر على النّظريات الشّعرية الّلسانيّة الخاضعة للمناهج الوصفيّة الجديدة، ولسطوة المثل العلميّة الشّكليّة التي اتّخذت موقفًا مناهضًا للتّأويل"15.

وأمّا مفهوم "النّظريّات الرومانسيّة" عن التّأويل ولا سيما عند دلتاي وشلير ماخر فليس هذا المفهوم المغالي المفرط، بل هو إحداث مطابقة وتماه بين التّأويل ومقولة الفهم، وتعريف الفهم بأنّه التعرّف على مفهوم الكاتب.."16.

والتّأويل كذلك ليس بهذه المغالاة عند البنيويّين، بل هو -كما كانت تقول البنيويّة- البحث عن دلالات متعدّدة للنّصّ، أو "عن امتلاء المدلول لا عن غيابه.."17.

والتّأويل بهذه المغالاة التي رأيت مخالف كذلك للتّصوّرات التي تتبناها "النّماذج الأصوليّة، والأشكال الواقعية الميتافيزيقية المتنوعة.. وفي هذه الحالة فإن المعرفة تأتي للوجود باعتبارها تشكل تطابقاً بين الفكر والأشياء.."18.

إنّ التّأويل -كما سبق القول- ليس شيئًا جديدًا؛ إنّه شيء قديم، وقد استعملته جميع الفلسفات والعقائد والمذاهب قديمًا وحديثًا، وتعدّدت مناهجه واتجاهاته، ولكن التّأويل الحديث شيء أبعد من ذلك بكثير. إنّ التّأويل الحديث قد ارتبط في الفكر الأوروبيّ - بشكل خاصّ- بالدّراسات اللاهوتيّة القديمة والمعاصرة، وبشرح النّصوص المقدّسة، ثمّ توسّع على أيدي بعض الفلاسفة ليشكِّل نظريّة فلسفيّة تأويليّة نقلت البحث -كما عرفت- عن مقصد صاحب النّصّ إلى السّؤال عن فلسفة الوجود الإنسانيّ ككلّ، وأضحى النّصّ كيانًا وجوديًّا مستقلًّا عن صاحبه يجب إشراك الآخرين في قراءته، بل اعتبار الحياة نفسها نصًّا يمكن قراءته وتوضيحه.

يقول نصر حامد أبو زيد: ارتبطت الهرمنيوطيقا "بالبحث في مشكلات الكتب الدينيّة المقدسة اليهوديّة والمسيحيّة.."19.

إذ مع بداية عصر النّهضة الأوروبيّة نشب صراع حادّ بين العلم والكنيسة، ثم آل الأمر عندهم إلى هزيمة الدّين، وتحرّر الفكر من قبضة الكنيسة، وولدت أفكار "العلمانيّة" و"الدنيوية" و"الحداثة" وما بعد الحداثة، وغير هذا وذاك. وهي جميعها تقصي الدّين عن الحياة، وقد تغلو فتتبنّى الإلحاد، وإنكار الأديان جميعها.

وراح الفكر الغربيّ يعيد قراءة نصوصه الدينيّة: التّوراة والإنجيل، وينقدها، ويعيد النّظر فيها: في مصدرها، وكتابها، وتاريخ كتابتها، وما شاكل ذلك، ويؤولها مطبِّقًا عليها المناهج النّقدية الحديثة التي ابتدعها.

وقد نزعت هذه الدّراسات التي قامت حول الكتب الدينيّة -من أجل قراءة موضوعيّة- القداسة عنها، ولا سيما بعد أن قام العلماء عندهم بدراسات جادّة عميقة انتهت -كما سبقت الإشارة- إلى الشّكّ في هذه الكتب، وعدم الثّقة بها، وإلى التّيقن من عدم مصداقيّتها، وإلى التأكّد من تسرب التّحريف والتّزييف إليها.

خضعت الكتب المقدّسة -في مقاربتها- "لما يخضع له كلّ نصّ من أساليب الفحص الفيلولوجيّ والتاريخيّ، وليس للكتاب المقدّس -فيما يقولون– مشكلات تأويليّة خاصّة به، وإنّما يتبع فيه من التّأويل وشروطه ما يتّبع في فحص أيّ نصّ آخر: قانونيّ، أو تاريخيّ، أو أدبيّ.."20.

بدأت الهرمينيوطيقا "التّأويل" إذن بنقد النّصوص الدينيّة عند الغربيين: التّوراة والإنجيل، ثم توسّعت على يد فلاسفة ونقاد من أمثال هايدجر، أمبرتو إيكو، وبول ريكور وغيرهم لتصبح نزعة شديدة الغلو في نزع سلطان النّصّ، وعدم الإيمان بوجود مركزيّة ثابتة له.

وتشكلت نظرية فلسفية تأويلية نقلت البحث عن قصد النّصّ، وصاحب النّصّ، إلى السّؤال عن فلسفة الوجود الإنساني، وإلى تأويل هذا الوجود، وإلى نظرية في المعرفة.

يقول آلن هاو: "في العصور الوسطى قام التّأويل على التّوراتيّ على توتّر بين فهم الكتاب المقدّس بطريقة حرفيّة، بوصفه كلام اللّه الموحَى، وتأويله بطريقة تعكس روح العصر، وتتصادى معها. وفي عالم القرن التّاسع عشر الحديث غدت التّأويليّة أساس العلوم الإنساتيّة.."21.

وكانت بدعة "موت المؤلف" التي نادت بها البنيويّة قد مهدّت لذلك، وآذنت به، فلم يعد يهمّ البحث عن انتماء النّصّ، ولا مصدره، ولا مقصديّة صاحبه. صار النّصّ - مهما كان نوعه- مباحًا لكل مؤوِّل؛ صار كعجينة مرنة تتشكّل كما يشاء هذا المؤوِّل أو ذاك من غير ضابط. فالناقد أصبح يعلم أكثر ممّا يعلمه المؤلّف..22.

وصارت القراءة والتّأويل غير حياديين؛ لم يعودا عملًا علميًّا، منضبطًا بقواعد أو قوانين معيّنة، بل يخضع للإيديولوجيا التي يحملها المؤوِّل أو لأفق انتظاره.

إن القارئ –في هذه البدعة الغربية الخطيرة- لا يقوم فقط بعملية استحضار (الغائب) من (الحاضر) أي استحضار (المدلول) الغائب من "الدّال" الحاضر، استنادًا إلى المفهوم المتداول المتمثل في أنّ معرفة (الدّالّ) تحدده أعراف اللغة، وأساليب الاستعمال، ولكنّ القارئ عندهم يتدخل -بفكره وعقيدته وذوقه- في استنطاق النّصّ، فتمتزج في العمل الأدبيّ، أو -إن شئتَ- بقصديّة المؤلف، فيخرج هذا النصّ عن الحياد، ويصبح له من المعاني بقدر ماله من القراءات والقرّاء23.
 


الهوامش: 1- النّظريّة الأدبيّة: ص: 76. ┇2- النّظريّة النّقديّة: ص: 176.┇3- التّأويل بين السيميائيّات والتّفكيك": ص: 117.┇4- السّابق، ص: 12-13.┇5- التّـأويل بين السّيميائيات والتّفكيكيّة، أمبرتو إيكو، ص: 40-42.┇6- السّابق، ص: 118.┇7- السّابق، ص: 43.┇8- السّابق، ص: 180.┇9- التّـأويل من السّيميائيّات إلى التّفكيك، ص: 22.┇10- السّابق، ص: 124.┇11- النّظريّة النّقديّة، ص: 176.┇12- السّابق، ص: 173.┇13- السابق: نفسه، و"وردة الصليب"- كما شرح المترجم- ثيمة رمزيّة قديمة في الفكر الغربيّ، تشير إلى الصّليب، أو الكأس الذي سيوضع فيه دم المسيح، أو إلى تجليات قطرات هذا الدمّ، أو إلى جروح السّيّد المسيح"، انظر الحاشية "2"، ص: 191".┇14- النّظرية النّقديّة، ص: 81.┇15- انظر "النقد الأدبيّ الحديث من المحاكاة إلى التفكيك"، ص: 127-128.┇16- نظرية التأويل، الخطاب وفائض المعنى: بول ريكور، ص: 15.┇17- التأويل بين السيميائيات والتفكيكية، 119.┇18- السابق، 118.┇19- الخطاب والتأويل، سلطة السياسة وسلطة النص: 173، وانظر "نظرية التأويل" مصطفى ناصف، ص: 17.┇20- نظرية التأويل، لمصطفى ناصف، ص: 36.┇21- النّظريّة النّقديّة، ص: 176.┇22- انظر "النٌقد الأدبيّ المعاصر: مناهج، اتّجاهات، قضايا" آن موريل، ص: 53.┇23- النقد الأدبيّ المعاصر: آن موريل، ص: 22.

 

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها