نَافِذةٌ على الوُجود!

إضاءة على رواية "الغُبار" للكاتب عمر عبد العزيز

محمد ولد محمد سالم

تمثل رواية (الغبار) للكاتب عمر عبد العزيز الصادرة عن دار "ابلاتينيوم بوك" 2023، حلقة في سلسلة رواياته ذات البُعد السيري الذّاتي المرتبط بالأسئلة الوجودية تحرك تفكيره دائماً، وأهم هذه الروايات الحمودي، سلطان الغيب، المتسرنمون، ففي هذه الروايات يقدم الكاتب مقاطع من سيرته الذاتية بشكل صريح تارة وضمني تارة أخرى، لكنها مقاطع مختارة لتطرح سؤالا أو أسئلة وجودية، وتسرد كيف تطورت تلك الأسئلة بتطور شخصية الكاتب، وتقلبات الأمكنة بين الصومال، ورومانيا، واليمن، والإمارات، وبريطانيا، وغيرها من الأماكن التي سكنها أو زارها، وتركت في نفسه أثراً فكرياً أو جمالياً.

في سرده؛ لا يقدم الروائي عمر عبد العزيز حدثاً مركزياً ناظماً للرواية ولا شخصية مركزية أو مكاناً أو زماناً، لكنه يطرح بشكل غير مباشر سؤالاً وجودياً ويتتبعه في تشعباته الفكرية وتفكيكاته الثانوية، ونواقضه الضدية، ويلتقط في تتبعه له الحدث الدال أو الشخصية أو الزمان أو المكان المناسب لتلك الدائرية السؤالية، وكلما تغير اتجاه الفكرة أو السؤال اطّراداً أو عكساً تتغير عناصر الحكاية زيادة أو نقصاناً، وهكذا تبدو الحكاية عنده توليفة من الدوّال الحدثية والشخصانية والزمانية والمكانية الموجهة لمدلولات معينة، ومن هنا؛ فإن سرده يقع في برزخ بين الحكاية والسؤال الفكري الصريح، بين الأدب والفلسفة، تماماً كما تقع الكتابات الصوفية لابن عربي وإخوان الصفا الذين يتماهى الكاتب معهم أدبياً، وكذلك في بعض رؤاه الفكرية التي تستند إلى تاريخ صوفي عريق تسرب إليه من أسلافه اليمنيين المسترنمين، وبذلك يقدم لنا نصاً حرّاً، يأبى الانتماء إلى جنس أدبي معين، يقع بين السرد والشعر، والنصوص الحجاجية والتاريخية والعلمية، فكل ذلك يحتمله نص الكاتب، ونستطيع هنا أن نستعير عبارة الكاتب المفكر الدكتور محمدو ولد أحظانا عن رواية "المتسرنمون"، فنقول عن سرده: إنه سرد (يفتح نافذة على الوجود، وبوابة على ممارسة الحرية عبر الأشكال المتاحة، والتعبير بالممكن عن المستحيل ضمن حدود المعنى المتحرر من إكراهات التحيز وثقالة الاستسلام للقدر الكتيم)، ولا تقتصر هذه البرزخية التجنيسية على رواياته المرتبطة بسيرته الذاتية، بل نجدها أيضاً في كل السرديات التي كتبها، وخاصة راوايات السيرة الغيرية مثل (مريوم، الشيخ فرح ود تكتوك، مهيره)، والتي لا تسلم أيضاً من بعض حضور للذات الساردة (الكاتب)، باعتبارها ذاتاً مفكرة في اللحظة الحاضرة، تقلب الأسئلة الوجودية حول المعنى الثاوي تحت حيوات تلك الشخصيات، وما مثلته كشخصيات شعبية بسيطة في الظاهر، لكنّ لها رمزية وجودية عميقة.

إذا كانت الحمودي بمعنى ما تمثل مرحلة مقديشو في حياة الكاتب الكاتب عمر عبد العزيز، وسلطان الغيب تمثل العودة إلى حضن الوطن اليمن، وإعادة الارتباط بالعشيرة والدم واكتشاف الوطن؛ فإن رواية "الغُبار" تمثل المرحلة العدنية في حياته، ولكن ليس بالتفصيل الذي يجده القارئ في رواية السيرة الذاتية، فحياته الشخصية لا تحضر في الرواية إلا بوصفه شاهداً على الأحداث ورائياً لا يغيب عنه التفكير والاعتبار بما يجري أمام عينه من أحداث وما يتحرك من شخصيات في محيطه، مستخلصاً من ذلك الفكرة الوجودية التي يمكن تعميمها على جميع البشر في حيوات وأزمنة وأماكن تشبه ظروف عدن في ثمانينيات القرن الماضي.

رواية "الغُبار" هي رواية قصيرة في 104 صفحات، وتقوم على حدث مركزي لا يشرحه الكاتب، ولا يذكره باسمه ولا بالأحداث التفصيلية فيه، لكنه يشير إليه بتاريخه المحدد يوم الثالث عشر من يناير عام 1986، وربما هو أشهر يوم في تاريخ اليمن الحديث، وفي تاريخ عدن بالذات التي كانت يومئذ عاصمة اليمن الجنوبي، حيث أدى الخلاف بين مجموعتين من قيادة الحزب الاشتراكي الحاكم في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (اليمن الجنوبي) إلى عملية اغتيال من أبشع ما تكون الاغتيالات، ونتجت عن ذلك مواجهات دامية في شوارع عدن، وحرب أهلية أودت بحياة الآلاف وشردت مئات الآلاف.

دمرت الأحداث مدينة عدن التي كانت في عين الكاتب رمزاً للجمال والتحضر الموروث من الحقبة البريطانية، فقد عاشت ازدهاراً عظيماً في تلك الحقبة، حيث ارتبطت مباشرة بخطوط التجارة الدولية، وكانت منياء حيّاً وحلقة مركزية في الرّبط بين المستعمرات البريطانية في الهند والشرق الأقصى بين بريطانيا أوروبا، وعمل البريطانيون على إقامة عمارة حديثة فيها، ما أدى إلى ازدهارها وتحضر أهلها بحضارة أوروبية حديثة، وانتشرت مظاهر الثراء والبذخ فيها.

ورغم أن تلك المجزرة وما تبعها من حرب أهلية كانت أحد الأسباب التي مهدت للوحدة بين اليمنَيْنِ الشمالية والجنوبية، إلا أن تلك الوحدة لم توقف نزيف الدم في اليمن، ولم تزد أوضاعه إلا غبارية وعماية.. يربط الكاتب ذلك كله بغبارية يرى أنها اجتاحت العالم كله منذ الانهيار الحُر للاتحاد السوفيتي؛ لتمهد الطريق لعالم تحت القطبية الواحدية التي أصبحت تتدخل في أخص تفاصيل الدول والمدن.

كما قدمنا سابقاً، لا يسمي الكاتب الأحداث بأسمائها، ولكنه يرمز لها، فتلك المجزرة يرمز لها في الرواية بــ(الغُبار) الذي يجتاح المدينة، غبار معتم جعل أهل المدينة يعيشون في عماء تامّ، ما أدى بهم إلى أن يغطوا أعينهم وأنوفهم وأفواههم وآذانهم بصفة دائمة، فأصبحوا فاقدين للحواسّ، واضطروا إلى تدبير حياتهم بطرق أخرى، عن طريق الرجوع إلى دواخل نفوسهم واستكشاف قواها الداخلية، وفهم طبيعة أنفسهم، ونجحوا في تدبير حياتهم بتلك الطريق، وأن يعيشوا في ذلك القتام مسترشدين بتلك القوى الدفينة، ليكتشفوا في النهاية أن البدن المرموز له بالحواس، ليس هو اللاعب الرئيس في حياتهم، فهو مجرد مادة ميتة لا تستطيع أن تتحرك إلا بتلك القوى الداخلية التي تأمرها وتدفعها للفعل.

وبناء على هذا الاكتشاف، وتلك القدرة على مواصلة الحياة، رغم تعطل الحواس التي هي الرمز الأكبر للجسد المادي، يقدم الكاتب بعضاً من الأفكار التأملية التي يفترض أن البشر استطاعوا أن يكتشفوها تحت وطأة حياة الظلام التي يعيشون فيها، وليس بالطبع كلهم سيكتشفون ذلك؛ لأنّ غالبيتهم غباريون بكل ما تحمله الكلمة، لكن الذين يكتشفون ذلك هم أولئك المشمولون بالغبار ولكنهم راؤون تستطيع عقولهم أن تتسرب من ثنايا الغبار وتصعد إلى الأعلى متأملة المشهد، ومحاورة كبار المفكرين حول أسئلته، ومن هم السارد بالطبع وزمرته التي تفرَق أفرادها أيدي سَبا.


تتوزع تلك الأفكار التأملية على أحد عشر باباً هي جماع أبواب الرواية، يفصلها الكاتب بالأرقام، وهي:
1 - الحيرة الدافعة إلى إعادة التفكير في الوجود، وهي حالة الغبار التي اجتاحت المدينة، أو بالتحديد الحرب الأهلية، ومقدماتها واستتباعاتها إلى اليوم، فمن الأزمة تنبثق الأسئلة، ويتحفز الفكر لإعادة ترتيب قناعاته، ويصبح السؤال مطروحاً حول كل شيء؛ إنها الحيرة مولدة الأفكار العظيمة، يقول السارد: (ألا تعرف أننا غباريون محبوسون مجبرون عاجزون تائهون؟ بل عليك أن تفهم أننا مغتربون عن ذواتنا.. محاصرون في أماكننا، مخطوفون عن فيزياء جسومنا، وما يحيط بنا من برايا. نحن مفطورون يا قريني على مُكابدة تقلبات الوجود، والتسليم بمقتضَيات الغيوب)، وهذا الانخطاف هو اغتراب وغياب للرؤية، ونحتاج معه إلى خروج من فيزياء الجسم لنصل إلى الرؤية الحقيقية، يقول: (ومن هنا نصل إلى قناعة بأننا نحن السبب فيما نرى وما لا نرى، بل إنّ التغيُّر في حركة الجسوم ضرورة ثنائية لتحقق الرؤية، فبدون تلك الحركة التي تختفي فيها الألوان، وبدون عجز عدسات أعيننا عن الإبصار للمتحرك الديناميكيّ، لا تمكننا الرؤية الحقيقية التي تتجاوز الظاهر إلى العمق).

2- الانخطاف الدائم بالماضي والعيش فيه وحمايته بكل وسيلة، فـ(صالح كرامة) يحاكم؛ لأنه أخذ نفاية أخشاب بالية كانت من قبله مستخدمة في بناء رمزي.

3- الزمان الذي نعيشه الآن ونظنه موجوداً هو زمان صفري (مفهوم الحاضر مفهوم وهمي غير متحقق)؛ لأنه هو الفاصل الصفري بين حركة الماضي وحركة المستقبل.

4- الغياب يولد الظهور: يقول الكاتب واصفاً مشهداً كان (عبارة عن سلسلة متداخلة من التماثيل المتناسخة، تتوالى ظهوراً، من الكبير إلى الصغير، فتؤشر لمعنى انبثاق الظهور من الغياب، وتناسُخ المتشابهات، وتقمُّص المتعددات حجماً، تماماً كالبصلة التي تخفي في داخلها طبقات.

5- الدائرة هي نظام الوجود ينتظم عليه، وهي أعظم حركة فيه، (إننا مأسورون جبراً بالحقيقة الدائرية المطلقة التي تمنحنا التوازن خياراً؛ لكونها تحلق بنا في دائرة الزمن الذي نعرفه، فدوران الكرة الأرضية حول نفسِها يمنحنا الليل والنهار، ودورانها حول الشمس يمنحنا الفصول الأربعة للسنة، وفي كلتا الحالتين نعانق الزمن الأرضي. الحركة الدائرية للوجود لك ناموس يجري على كل المشاهدات والمسموعات والملموسات والمجردات.

6 - الصمت مولد للسماع؛ لأنه يوقف الكلام ويترك الحرية للأفكار لكي تتوالد في الذهن، يصغي الإنسان لذاته وللوجود من حوله، فتتوارد عليه الخواطر والفتوحات الروحية الكبرى، يقول عن إحدى الشخصيات: (فقد كان مثالًا للصمت، مُقيماً في السماع، نادر الكلام).

7- المحدود يشير إلى اللاّمحدود والناقص يدل على الكامل، يقول: (ذلك أن الطبيعة الصحراوية المترجرجة في مخاتلتها وتهتكاتها الظاهرة، تشي بروحيّة التفاعل التجريدي عند قاطنيها، فهؤلاء يتمتعون بالنظر الخاص للبُعد الثالث غير المرئيّ، كما تتطوَّر في دواخلهم الحُدوس والفراسة، ويتمتعون بقوة داخلية قادمة من الانتقاء الدارويني الطبيعي، وبهذا المعنى يتركز في جُوانيّاتهم معنى النظر إلى المحدود بوصْفِه حاملًا للكمال واللامحدود).

8- الفوضى الظاهرة تحمل في داخلها انتظاماً، يقول الكاتب: (غير أن ثنائيّة الحيوان المنوي والبويضة، تمنح الكائن الجديد حياته الخاصة، حيث تبدأ ثنائية الانقسام بوصفها مقدِّمة لتعدُّد لا مُتناهٍ يؤدّي إلى تبادُل الحياة بين الجنين الذي يكف عن الحياة حالَ خُروجه من الرحم، ليؤْذِن بحياة أرضية خاصة، والموت ليس انتهاء بل تحول نحو حيوات متجدّدة، فالموتُ نِسْبي والحياة مطلقة، والغبار عابر والانتِظام أساس، والعواصِف متنقلة ولانسام دائمة).

9- البشر مطلسمون؛ ظاهرهم واضح وباطنهم خفي، وحين يتأملون (يروْن بعين اليقين أنهم ليسوا إلا صوراً عابرة، وأن كينونتهم البرَّانيّة تقبع في جوانياتهم، وأنهم مطلسمون لا يَعرفون أنفسهم ولا يُعرفون، فالإنسان يتميز بخاصيّة فردانيّة لا ينافسه فيها غيره، ظاهرهُ واضح وباطنه خفي، حديثه مباشر، وتضمينات قوله أكثر بكثير من ظاهر كلامه).

10- الغبارية ليست عالمية؛ لأنها طبيعة بشرية (كان الدخان يتصاعد بسحابة كونيّة داكنة تتجول في الجغرافيا الطبيعية للكرة الأرضية؛ يومَها أيقن الغباريّون أن الجائحة ليست مقتصرَة على اليمن وأقاليم الجوار، بل إنها عالمية بامتياز، فالجميع يلتحق الآن وبكفاءة بالغة إلى عالم ما بعدَ البريسترويكا والغبار).

11 - التاريخ يعيد نفسه: سوف تأتي الغبارية بجرائمها المتواصلة اليوم على الكون وتهدمه، وسوف ينجو منه أفراد يبدأون في اكتشاف الحياة من الصفر وترويض الطبيعة لغرائزهم وآمالهم وطموحاتهم الخيرة والشريرة، ويعيدون بناء الحياة من جديد، والسعي في مناكب الأرض بالإصلاح والإفساد إلى ما كتب الله لهم.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها