الطريق إلى النّحل!

معرض الفنانة التشكيلية شهرزاد فقيه

أمير الشلّي

في خضم الأزمة المناخية العالمية، وما تثيره من مخاوف متزايدة بشأن تراجع التنوع البيولوجي وانقراض العديد من الأنواع، توجهت التشكيلية التونسية شهرزاد فقيه، في معرضها الشخصي "الطريق إلى النحل"، إلى الاشتغال على هذه الكائنات الدقيقة التي تكتسب أهمية بالغة في المنظومة البيئية. فالنحل، بما يمثله من عنصر أساسي في عملية التلقيح واستدامة الأنظمة الغذائية، أصبح اليوم في قلب النقاشات المرتبطة بمصير الطبيعة والتوازن البيئي. ومن هذا المنطلق، يأتي اختيار الفنانة لهذا الكائن موضوعًا لمعرضها ضمن سياق عالمي يطرح أسئلة ملحّة حول علاقتنا بالكائنات الأخرى، وكيف يمكن للفن أن يلفت النظر إلى أهميتها.

لكل معرض حكايته، وحكاية هذا المعرض تبدأ عند عتبة منزل الفنانة. ففي أحد الأيام، عثرت شهرزاد على نحلة ملقاة أمام باب منزلها، فحملتها برفق إلى الداخل، وأعدّت لها محلولًا بسيطًا من الماء والسكر. شيئًا فشيئًا، استعادت النحلة عافيتها، ثم انطلقت عائدة إلى موطنها. لكن تلك اللحظة العابرة لم تنتهِ برحيل النحلة؛ فقد تركت وراءها فضولًا قاد الفنانة إلى الغوص في عالم النحل فشرعت في دراسة سلوكياته، ونظامه الاجتماعي وعلاقاته المعقدة داخل الخلية. ومن خلال هذا البحث، الذي جمع بين التأمل النظري والملاحظة الميدانية؛ وُلد هذا المعرض الفني، الذي يجعل من النحلة موضوعًا تشكيليًا وفكريًا في آنٍ واحد، ليعيد لهذه الكائنات الكادحة اعتبارها ويجعلنا نرى عالمها من منظور مختلف.

أُقيم المعرض الفردي "الطريق إلى النحل" في رواق "القرجي" بتونس العاصمة، وضم أعمالاً فنيّة متنوعة تحضر فيها النحلة ضمن مستعمرات وتكوينات عضوية ذات أشكال دائرية ولولبية. وقد اعتمدت الفقيه في بناء لوحاتها على عنصر التكرار بوصفه أداة بصرية وإيقاعية، حيث تحولت تجمعات النحل إلى وحدات متحركة تتداخل وتتوالد داخل التكوين، مانحة العمل إيقاعًا يستحضر صوت الطنين والحركة داخل الخلية.

لم تكتفِ الفنانة بتسجيل شكل النحلة أو محاكاة عالمها؛ بل عمدت على إعادة صياغة حضورها بصريًا من خلال تضخيمها إلى درجات هائلة. لتتحول تفاصيل شعيراتها وخلايا عينيها إلى مشاهد تبدو كتضاريس كونية تكشف عن عالم خفيّ لم نألف رؤيته. ومن خلال هذا التحوير، تنتقل النحلة من كائن صغير غالبًا ما يمرّ دون انتباه إلى كائن ضخم ومهيب، يعكس أهمية دوره في الطبيعة. فالتضخيم هنا لا يهدف فقط إلى منح النحلة حضورًا بصريًا طاغيًا، بل ويعمل على إعادة بناء علاقتنا بها، لتتحول إلى فضاء للاكتشاف والتأمل.

ما يمنح معرض "الطريق إلى النحل" خصوصيته الفنية لا يكمن في فكرته فحسب، بل أيضًا في ثراء مراجعه. حيث تستدعي الفنانة أيقونات أسطورية قديمة، وتعيد صياغتها ضمن رؤيتها الخاصة، لتمنح النحل بعدًا يتجاوز وجوده الطبيعي نحو معاني أكثر عمقًا ورمزية. وتتجلى هذه المعالجة بوضوح في تمثال فينوس، المنبثق من قلب كتلة خزفية، تزحف النحلات على سطحها وتحوم حول رأسها وصدرها، في مشهد تتداخل فيه صورة الجسد الأنثوي مع رمزية الخلق والعطاء. من خلال هذا التحوير، لا تعيد الفنانة استحضار الأسطورة القديمة بقدر ما تعيد تفكيكها وإعادة تشكيلها ضمن سياق معاصر؛ فالنحلة لا تظهر هنا كعنصر زخرفي، بل ككائن رمزي يحمل معاني الجمال والخصوبة. وهكذا تنتقل فينوس من صورة أسطورية ثابتة إلى حضور حيّ تتقاطع فيه الذاكرة القديمة مع الراهن وتحدياته البيئية.

في الختام؛

لا تقدّم شهرزاد الفقيه النحلة كموضوع خارجي، بل ككائن حيّ تدعونا إلى الاقتراب منه واكتشاف ما يحتوي عالمه من ذكاء وتنظيم وبهاء. وهكذا يغدو المعرض رحلة بصرية وفكرية تتداخل فيها التجربة الجمالية بالوعي البيئي.

 

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها