في ذكرى أم كلثوم.. نابغة الزمان

اللغة والشعر على ألسنة الجميع

أميمة سعودي


اجتمع العرب جميعاً على صوت سيدة الغناء العربى أم كلثوم، تسللت داخل كل بيت عربي وأصبح الغناء بصوتها رمزًا للعروبة، ولا يزال صوتها يملأ الأرجاء العربية، تغنت بشعر كبار الشعراء، وساهمت في إثراء الوجدان المصري والعربي، عرف عنها قوة الشخصية واحترامها لفنها، فقدرها الملوك والزعماء، كما قدرها عامة الشعب وأحبها الناس في كل مكان، تفردت بمكانة عالية في الفن والمجتمع لم تصل إليها أية مطربة في الشرق، رحلت في 3 فبراير/ شباط 1975، وودعتها الملايين.

 

قال عنها د. طه حسين عميد الأدب العربي: "إن أم كلثوم بصوتها النادر في امتيازه سواء في الجمال أو في سلامة نطق اللغة العربية، ساهمت عندما غنت القصيدة في إثبات جمال اللغة وطواعية موسيقاها حتى في أصعب الكلمات لموسيقى الغناء، وكان لصوتها فضل في انتشار الشعر العربي على ألسنة العامة والخاصة"، أما شاعر المهجر جبران خليل جبران فكتب قصيدة يخاطب فيها أم كلثوم قائلًا:
                                                                                                                                      "أنت نابغة الزمان.. بلغت من عليائه ما ليس يبلغ بالأماني".

 

◀ سفيرة الفن العربي

فاطمة بنت الشيخ إبراهيم السيد البلتاجي .. ابنة طماي الزهايرة مركز السنبلاوين بمحافظة الدقهلية.. موهبة رائعة ملأت الدنيا.. صوتها جمع ملايين العرب من المحيط إلى الخليج، ودوى مع مختلف الأحداث التي مرت على الأمة العربية، وعاشت وتفاعلت معها، قامت بالعديد من الرحلات الفنية للغناء في الدول العربية والأوروبية، وأصبحت سفيرة الفن العربي مهمومة بقضايا الوطن، بدأت الغناء وهي طفلة صغيرة مع والدها، ثم انتقلت إلى القاهرة لتسطر رحلة نجاح مبهرة مليئة بالكفاح والعطاء، وتكون جديرة بأن يقال لها "عظمة على عظمة يا ست".

فاطمة التي اشتهرت فيما بعد باسم أم كلثوم، اختلف البعض في تحديد السنة التي ولدت فيها، حيث رجحوا أن تكون 1898، إلا أن المكتوب في سجل المواليد حدد تاريخ ميلادها في 4 مايو عام 1908.

حمل القدر لأم كلثوم مفاجآت كثيرة.. كان والدها الشيخ إبراهيم البلتاجى إمام مسجد القرية، وكان يقرأ القرآن الكريم، ويحفظ الكثير من القصائد العربية والتواشيح الدينية، فحفظت أم كلثوم عن والدها القرآن الكريم وبعض التواشيح والقصائد، وبدأت الغناء عام 1917 مع فرقة أبيها متجولة في القرى والأرياف، وكانت ترتدي الزي العربي وتضع العقال على رأسها.

 أم كلثوم وعظماء الفن

تعرف والدها على الشيخين زكريا أحمد وأبو العلا محمد اللذين أتيا إلى السنبلاوين لإحياء ليالي رمضان، وأقنعا الأب بالانتقال إلى القاهرة ومعه أم كلثوم، مثل ذلك بداية مشوارها الفني، حيث كانت قد غنت في القاهرة لأول مرة، وأحيت ليلة الإسراء والمعراج عام 1920، وعام 1922 استقرت أم كلثوم نهائياً في القاهرة، وغنت في مسرح البوسفور في ميدان رمسيس، كما غنت على مسرح حديقة الأزيكية واشتهرت بقصيدة "وحقك أنت المنى والطلب"، وهي أول إسطوانة صدرت لها في منتصف العشرينيات وبيع منها 18 ألف إسطوانة.

تعلمت أم كلثوم من أمين المهدي ومحمد القصبجي أصول الموسيقى، وواتتها الفرصة لكي يسمع صوتها الشيخ علي محمود والشيخ علي القصبجي والد محمد القصبجي والشيخ أبو العلا محمد الذي أعجب بصوتها وأصبح معلمها الأول، وبدأت أم كلثوم في إحياء الحفلات عام 1923، وبدأ نجمها يسطع ودخلت في منافسة مع أشهر مطربات ذلك الزمن.

عام 1924 قدم الشيخ أبو العلا أم كلثوم إلى الشاعر أحمد رامي الذي تولى تعليمها أصول اللغة والشعر، كما تعرفت على نخبة من صفوة الفنانين والشعراء الذين ساهموا بشكل كبير في تشكيل شخصية أم كلثوم ومن هؤلاء أحمد شوقي.

قام القصبجي بتدريبها كما تولى تعليمها المقامات الموسيقية والعود، ولحن لها أغنيات خاصة بها، وحتى عام 1928 كان قد لحن لها 17 أغنية ما بين الطقطوقة والمونولوج منها: "ينوبك إيه من تعذيبى، قلبك غدر بي، تراعى غيري، أحبك وانت مش داري"، كما أنشأ لها فرقتها الخاصة، ونشأت بينهما صداقة فنية استمرت حتى وفاة القصبجى عام 1966، كانت أم كلثوم قد تعرفت عام 1924 على أحمد صبري النجريدي، وغنت من ألحانه 14 أغنية منها قصيدة "مالي فتنت بلحظك الفتان" من شعر علي الجارم، "أنا على كيفك" من كلمات أحمد رامي، مونولوج الحب كان من سنين، والفل والياسمين.

في عام 1928 غنت مونولوج "إن كنت أسامح وأنسى الآسية"، وحققت الأسطوانة أعلى مبيعات وقتها، ودوى اسم أم كلثوم بقوة في الساحة الغنائية من ألحان القصبجي، وسجلت أم كلثوم 4 قصائد للشيخ أبو العلا أعقبتها 4 قصائد أخرى عام 1930 أشهرها "أفديه إن حفظ الهوى" لابن النبيه المصري"، "وحقك أنت المنى والطلب" للإمام عبد الله الشعراوي، وجاءت القصيدة في 16 بيتا، متسمة بقوة التعبير، وجزالة اللفظ، ورقة الشعور، وهي من عيون الشعر الغزلي، والشعر المُغنّى، وقصيدة "الصبّ تفضحه عيونه" لأحمد رامي، وأراك عصي الدمع لأبي فراس الحمداني التي لحنها عبده الحامولي عام 1926، وأعاد تلحينها رياض السنباطي لأم كلثوم عام 1964، كما لحنت لنفسها أغنية "على عيني الهجر"، وكررت تجربة التلحين مرة أخرى في مونولوج "يا نسيم الفجر" عام 1934 ولكنها تراجعت عن فكرة التلحين.

مثل عام 1930 طفرة كبيرة استمرت حتى عام 1932 في إنتاج أم كلثوم من حيث كم الأغاني وعدد الملحنين، فقدمت في تلك الفترة القصيرة أكثر من 50 أغنية جديدة، وغنت في نفس الوقت لأربعة ملحنين هم محمد القصبجي، داود حسني والشيخ أبو العلا وزكريا أحمد، وغنت له عام 1931 لأول مرة: "اللي حبك يا هناه" من كلمات أحمد رامي، وفي خلال عامي 1931 و1932 غنت من ألحانه 15 أغنية منها خمسة أدوار من الأدوار التسعة التي لحنها زكريا لأم كلثوم أشهرها "يا قلبي كان مالك"، و"هوه ده يخلص من الله وإمتى الهوى".

◀ عبقرية السنباطي الموسيقية وفن أم كلثوم

مثلت "القصيدة" 26% من مجمل أعمال أم كلثوم بصفة عامة، فقد اهتمت باللغة العربية وحرصت على تقريبها من الجماهير، وغنت لمعظم مشاهير الشعراء منهم رامي وشوقي وحافظ إبراهيم، وإبراهيم ناجي، ومحمد إقبال، والأمير عبد الله الفيصل، والسوداني الهادي آدم.

وأدى ظهور السنباطي في حياة أم كلثوم إلى تحول في فنها، بسبب تفرده في تلحين القصيدة العربية بالطابع الكلاسيكي، وهو الملحن الوحيد الذي استمر يلحن لها بانتظام، بلغت ألحان السنباطي لأم كلثوم أكثر من 90 أغنية على مدى ما يقرب من أربعة عقود، وشدت من ألحان السنباطي وكلمات شوقي روائع الغناء منها: "سلوا كؤوس الطِّلَى"، و"سلوا قلبي"، و"نهج البردة"، و"النيل"، و"وُلد الهدى"، و"إلى عرفات الله"، و"بأبي وروحي"، واجتمعت لهذه الأعمال فصاحة الكلمة واللحن والغناء.

"سلوا قلبي":
سَلوا قَلبي غَداةَ سَلا وَثابا
لَعَلَّ عَلى الجَمالِ لَهُ عِتابا
وَيُسأَلُ في الحَوادِثِ ذو صَوابٍ
فَهَل تَرَكَ الجَمالُ لَهُ صَوابا
وَكُنتُ إِذا سَأَلتُ القَلبَ يَوماً
تَوَلّى الدَمعُ عَن قَلبي الجَوابا

قصيدة "ولد الهدي":
وُلِـدَ الـهُـدى فَـالكائِناتُ ضِياءُ
وَفَـمُ الـزَمـانِ تَـبَـسُّـمٌ وَثَناءُ
الـروحُ وَالـمَـلَأُ الـمَلائِكُ حَولَهُ
لِـلـديـنِ وَالـدُنـيـا بِهِ بُشَراءُ
وَالـعَـرشُ يَزهو وَالحَظيرَةُ تَزدَهي
وَالـمُـنـتَـهى وَالسِدرَةُ العَصماءُ

"نهج البردة" في المديح النبوي:
ريمٌ عَلى القاعِ بَينَ البانِ وَالعَلَمِ .. أَحَلَّ سَفكَ دَمي في الأَشهُرِ الحُرُمِ
لَمّا رَنا حَدَّثَتني النَفسُ قائِلَةً .. يا وَيحَ جَنبِكَ بِالسَهمِ المُصيبِ رُمي

قصيدة "النيل":
من أي عهد في القرى تتدفق .. وبأي كف في المدائن تُغدق
ومن السماء نزلت أم فجرت من .. عليا الجنان جداولا تترقرق

قصيدة الجلاء:
بأبي وروحي الناعمات الغيدا .. الباسمات عن اليتيم نضيدا.. الراويات من السلاف محاجرا.. الناهلات سوالفا وخدودا.

رباعيات الخيام:
رباعيات الخيام هي تراث مترجم ليس عربي الأصل للشاعر الفارسي عمر الخيام، وترجمها عن الفارسية الشاعر أحمد رامي الذي صاغها في هيئة رباعيات؛ أي مقاطع صغيرة كل منها يتكون من أربع شطرات، وكان شكلا جديداً في القصيدة العربية عام 1949.

سمعتُ صوتاً هاتفاً في السحر
نادى من الغيب غفاة البشر
هبوا املأوا كأس المنى قبل
أن تملأ كأسَ العمر كفُ الَقَدر


 أغاني أم كلثوم

أم كلثوم أسطورة وعلامة في تاريخ الغناء العربي، وتعتبر الستينيات والسبعينيات من أبرز الفترات الفنية لأم كلثوم، حيث أصدرت العديد من الأغنيات الناجحة منها: أنت عمري، للصبر حدود، حب إيه، ألف ليلة وليلة، هو صحيح الهوى غلاب، حيرت قلبي معاك، ظلمنا الحب، أنساك يا سلام، حسيبك للزمن، لسه فاكر، كل ليلة وكل يوم، طوف وشوف، أمل حياتي، أنت الحب، بعيد عنك، فكروني، فات الميعاد، هذه ليلتي، اسأل روحك، ودارت الأيام، الحب كله، يا مسهرني، والقلب يعشق كل جميل.

◀ عظمة على عظمة ياست

منذ قامت أم كلثوم عام 1934 بالمشاركة بالغناء في افتتاح الإذاعة المصرية، بدأت إقامة حفلات شهرية استمرت كتقليد منتظم لمدة 40 عاماً حتى عام 1973، ولاقت تلك الحفلات استحساناً كبيراً من الجمهور في جميع البلاد العربية، حيث ظلت تنقل حفلاتها الشهرية مباشرة على الهواء في الخميس الأول من كل شهر فسمعها الملايين في كل مكان، وهي تقف بكل شموخ ممسكة بمنديلها الشهير وتبدأ الغناء.

بعد يونيو 1967 قامت بعدة حفلات لصالح المجهود الحربي، وقررت التوجه للدول العربية وبعض الدول الأوروبية، كانت فرنسا أول دولة غربية تستضيف أم كلثوم وأقامت حفلين عام 1967، على مسرح الأوليمبيا وغنت الأطلال، أنت عمري، فات الميعاد، وعقب انتهاء حفل أم كلثوم، كُتبت عنها العديد من المقالات الصحفية في فرنسا، بالإضافة إلى ظهور العديد من الكتب، وأرسل شارل ديغول رئيس فرنسا آنذاك إليها برقية تهنئة يقول فيها: "مرحباً بك في فرنسا.. حققتى نجاحاً عظيماً، وأنت تقدمين فناً راقياً.. وتقاليد فنية لها أصول وجذور في التاريخ.. ونحن نرحب بك في بلدنا"، كما خصصت كبرى المجلات والصحف الفرنسية صفحات لها، من بينها "لوموند"، وكتبت "عندما تغني آلهة الفن المصري أم كلثوم تهتز الروؤس، كما تهتز أغصان النخيل على النيل".

وكتبت كذلك: "استطاعت ملكة الغناء العربي أن تسيطر على قاعة الأوليمبيا، وتضع جمهورها تحت سحرها لمدة أربع ساعات، جاذبيتها كامنة في صوتها الملاطف القوي الحنون، النقي كحبات الكريستال".
 

ختاماً؛ ساعدت نشأة أم كلثوم وحفظها القصائد والموشحات منذ الصغر، على صقل موهبتها للغة العربية ببراعة وفصاحة، إضافة إلى عظمة صوتها وقوة ألحان القصائد التي صاغها شعراء كبار، مما جعلها تحظى بقبول جماهيري من المحيط إلى الخليج، ولم تكن لتصل هذه القصائد الصعبة إلا عبر صوت سيدة الغناء العربي فهي، كما قال توفيق الحكيم: "تؤدي كل قصيدة وكل أغنية، وكل لحن الأداء الكامل.. إنها صفة الفنان الأصيل".

وقال عنها الأديب يوسف السباعي: "إنها فنانة الشعب.. أعطت فأجزلت العطاء، وقدمت فبذلت بسخاء، ومن خلال صوتها أذابت روحها، ووهبتها لخير وطنها، عاشت عدة أعمار فنية، كانت فيها همزة الوصل بين أجيال وأجيال، إنها نسيج نادر لا يجود به الدهر إلا بعد أجيال وأجيال، وسيبقى فن أم كلثوم تراثًا خالدًا تتغنى به الدنيا، وسيظل مشعلًا هاديًا يضيء طريق الفن العربي"... ومازالت تتغنى به الدنيا.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها