"بريمشاند" عملاق الرواية الهندية

ترجمة: محمد زين العابدين

 

بريمشاند بين اسمه الأصلي والمستعار

على الرغم من أن اسم (بريمشاند) هو الاسم المستعار، الذي اختاره لنفسه ككاتب؛ إلا أن اسمه الأصلي كان (دهانبات راي). وفي وقتٍ لاحقٍ في حياته، أطلقَ عليهِ عمُّهُ لقب (نَوابْ)؛ ففي بداية حياته المهنية في الكتابة، كتب (بريمشاند)، تحت اسم (نَوابْ رايْ). وبعد ذلك أصبح (بريمشاند)؛ وهو الاسم الذي لازمه.

الحياة المبكرة والتأثيرات

بريمشاند، الذي كتب في البداية باللغة الأوردية، ثم تحول إلى الهندية؛ لم ينحدر من عائلة أدبية، إذ كان والده كاتباً للبريد، وفقد والدته في وقتٍ مبكرٍ من حياته؛ الأمر الذي أثرَ عليه بشدة. بدأ (بريمشاند) تعليمه في مدرسة في (لالبور)؛ وهي قرية بالقرب من مسقط رأسه (لاماهي)؛ حيث تعلم الأوردية والفارسية من أحد أساتذة الدراسات الإسلامية. كان هذا التأثير المبكر، ملازماً له طوال مسيرته في الكتابة. وكانت أصداء هاتين اللغتين تتردد في الكثير من أعماله.

وفي وقتٍ لاحق، ذهب إلى مدرسة تبشيرية؛ حيث اكتسب اللغة الإنجليزية. وخلال مسيرته كتب حوالي 250 قصة قصيرة، والعديد من الروايات، وترجم بعض الكتب الأجنبية إلى الهندية. ويشعر العديد من نقاد أعماله، أنه بدأ بالفعل ككاتب مع أعماله اللاحقة لأعماله الأولى، التي فقد بعضها؛ ولاسيما بعض رواياته مثل (نيرمالا)، و(سيفاسادان)، و(جودان)؛ والتي بمرور الزمن أصبحت من كلاسيكيات الرواية الهندية الخالدة.

وفي صباه المبكر، عاش (بريمشاند) حياة منعزلة لحدٍ ما. وبعد وفاة والدته بفترة وجيزة، تزوج والده مرة أخرى، وظل منشغلاً إلى حدٍ كبير بعمله، وتزوجت أخته في وقتٍ مبكر. ولذلك، فإنه اعتمد على نفسه خلال معظم حياته الصغيرة. وبمرور الوقت، طوَّرَ اهتمامه بالقصص وحبه لها. ويقال إنه في المتجر المحلي، غالباً ما كان يستمع إلى الأشخاص الذين يروون قصصاً أسطورية من الملاحم الهندية والفارسية.

ومن أجل كسب المال، عمل (بريمشاند) لدى بائع كتب؛ مما زاد من تعرضه للكتب وإلمامه بها. ومثل العديد من الشباب في ذلك الوقت، تزوج (بريمشاند) مبكراً -عندما كان عمره 15 عاماً فقط. ويقال إنه لم يكن موفقاً في زيجته الأولى، وركز اهتمامه على الدراسة. لم يكن هذا سهلاً؛ فبعد وفاة والده، لم يتمكن من القبول في الكلية التي اختارها في (فاراناسي). وبعد أن حاول البحث عن بديل، ولم ينجح؛ اضطرّ إلى قطع دراسته لبعض الوقت. وفي وقتٍ لاحق من حياته، تزوج مرة أخرى، وهذه المرة تزوج من أرملة شابة؛ الأمر الذي جعله هدفًاً لكثيرٍ من الانتقادات. وعلى الرغم من أن عدم تمكنه من مواصلة دراسته كان بمثابة ضربة كبيرة له، إلا أنه لم يفقد الأمل. وبعد فترة وجيزة، تولى بعض الوظائف لكسب الدخل. لقد عاش ببساطة شديدة، بل وأرسل بعض المال من أرباحه إلى أسرته؛ لكن بمرور الوقت، لم يكن قادراً على البقاء بعيداً عن الديون.

ويُروى أنه ذهب إلى مكتبة لبيع بعض الكتب، من أجل الحصول على بعض المال؛ وهناك التقى بمدير مدرسة، والذي عرض عليه وظيفة، فانتقل لاحقاً إلى التدريس في مدرسة حكومية. واستمر اهتمامه بالقراءة طوال الوقت، وبدأ أيضاً في الكتابة، وإنتاج الروايات والقصص القصيرة.

مراوغة الوسط الاجتماعي

قضى (بريمشاند) الكثير من حياته القصيرة، في التنقل من مكانٍ لآخر مع أسرته، أو بحثاً عن عمل أو تعليم. وبهذه الطريقة، اتصل بعالم (أوتار براديش) الريفية وشبه الحضرية. لقد كانت فترة مثيرة للغاية في تاريخ الهند في ذلك الوقت. إن النزعة القومية كانت تلوح في الأجواء. وكانت الحركة الداعية للاستقلال عن البريطانيين تزداد قوة. وقد استثمر (بريمشاند) هذه التطورات السياسية بدرجة كبيرة كمصدر إلهام؛ وانعكس الكثير من ظلالها في كتاباته. كان غاضباً من الطرق التي يستخدم بها كهنة المعبد الدين كغطاء للنساء المستغلات جنسياً؛ وروايته الأولى (Asrar-e-Mahabid)، أو (أسرار بيت الله)، تتناول هذه القضية. وقد تم نشر هذا العمل أيضاً في مجلة محلية بمدينة (كانبور)، المدينة التي كان يعيش فيها عندما كتبه.

وخلال ذلك الوقت، بدأ أيضاً في الكتابة لمجلة محلية أخرى، اسمها (زمانة)؛ حيث كان يكتب مقالاتٍ وقصصاً، أظهر في العديد منها التزامه بالقضية القومية الهندية، وانتقاده لما شعر أنه استراتيجيات سياسية كانت شديدة المواءمة. كما نشرت (زمانة) مجموعة القصص القصيرة الأولى لبريمشاند، ومنها (ساز إي وطن)؛ وكانت القصص في هذه المجموعة -وهي أربع قصص- ذات طابع قومي، ودعمت النضال من أجل الاستقلال.

ولهذا السبب، حظر الحكام البريطانيون الكتاب؛ وهو ما فعلوه في كثيرٍ من الأحيان، لخنق النقد ومنع الأصوات القومية من الوصول إلى الجمهور. وقام أحد المكلفين بمصادرة الكتاب في منطقة (هاميربور)، حيث كان يقيم (بريمشاند) في ذلك الوقت، بغارة على منزله؛ وتم الاستيلاء على نسخ الكتاب التي تم العثور عليها هناك، ثم حرقها لاحقاً. وحتى ذلك الوقت، كان (بريمشاند)، يكتب تحت اسم (نَواب رايْ)؛ والذي تحَّولَ إلى الاسم المعروف حالياً (بريمشاند).

لغته في الكتابة

كانت اللغة مشكلة رئيسية بالنسبة لبريمشاند؛ فكثيراً ما يقول الكُتّاب إنهم لا يختارون اللغة التي يكتبون بها، بل إن اللغة بالأحرى هي التي تختارهم. وقد تكونت لغته بسبب تعليمه المبكر باللغة الفارسية، ولأن الأوردية كانت هي اللغة الأدبية في ذلك الوقت، خاصة في بلدات ومدن (أوتار براديش)، التي أمضى فيها معظم حياته. كانت هذه هي اللغة التي اختار أن يكتب بها. ولكن في أوائل القرن العشرين، ومع تزايد ارتباط اللغة الأوردية بالمسلمين، وتزايد الضغوط لاعتماد اللغة الهندية، كلغة لشمال الهند؛ بدأ (بريمشاند) في الكتابة باللغة الهندية. ويشير المؤرخ (سوميت ساركار)، الذي سجل العديد من التطورات التاريخية في نشأة الهند الحديثة؛ إلى أن هذا التحول ربما كان أيضاً بسبب صعوبة العثور على ناشرين باللغة الأوردية.

كانت كتابات (بريمشاند) الجديدة باللغة الهندية، لكنه نقل بعض كتاباته السابقة إلى الهندية؛ فرواية (سيفاسادان) مثلاً، أحد أعماله الرئيسية؛ هي رواية اجتماعية كبيرة مترامية الأطراف، كُتبت في الأصل باللغة الأوردية باسم (بازار حُسْن)، أو (سوق الجَمال)؛ ولكن عندما نُشرت الرواية، نشرت أولاً باللغة الهندية، ثم باللغة الأوردية.

تصوير النساء في أعماله

بحلول هذا الوقت، في وقتٍ ما من عشرينيات القرن الماضي، كانت كتاباته في تدفق كامل. وعلى الرغم من أنه عمِلَ بدوامٍ كامل، إلا أنه تمكن أيضاً من الكتابة جنباً إلى جنب مع عمله الوظيفي؛ حيث استطاع إبداع ما سيصبح فيما بعد ذخيرة هائلة من الأعمال الأدبية. وقد تم تصوير حياة النساء بشكلٍ بارزٍ في أعماله؛ حيث يمكن رؤية العديد منهن، يحاولن بناء حياتهن الخاصة، ومواجهة الظروف الصعبة، واتخاذ خطوات جريئة، كانت غير عادية في ذلك الوقت. البطلة في رواية (سيفاسادان)-على سبيل المثال- هي ربة منزل، تدفعها ظروفها إلى أن تصبح مومساً، وتتحول عبوديتها الجنسية في حياتها الزوجية، إلى نوعٍ مختلفٍ من العبودية الجنسية؛ ولكنها تدفع ثمن ذلك. وخلال أعماله، تقدم شخصياته النسائية اللواتي يعشن حياة "تقليدية"، مرآة لمن تحاولن الهروب من تلك الحياة؛ فيما يمثل وجهين لعملةٍ واحدة.

كما ركّز (بريمشاند) على الظروف الاجتماعية في الريف، والبلدات الصغيرة بالهند. آخر أعماله الكاملة، وأهم عمل له، وهو رواية (جودان)، أو (بقرة هدية)؛ يروي قصة (هوري)، الفلاح الفقير والأمين، والذي يرغب في الحصول على بقرة، ويقع مراراً وتكراراً في الديون، في محاولته لتحقيق هذه الرغبة. فرواية (جودان)، تعكس الواقع الاجتماعي بالهند في ذلك الوقت، وتركيزها انصب على الطبقة الاجتماعية، وعلى قضايا مثل الترَّمُل، واحترام المرأة، و(البانشايات) القروية في الهند؛ وهو مسمى للمجالس العرفية القروية. وقد أصبحت رواية (جودان) بمرور الزمن، واحدة من أعظم كلاسيكيات الأدب الهندي.

ومن خلال تقديمه الانعكاس للواقع الاجتماعي للهند في ذلك الوقت؛ عملت رواية (جودان)، كجزء أساسي من التأريخ لذلك الزمن؛ حيث قدمت -من خلال التصوير الواقعي للحياة المحلية- البعد الذي لم يتمكن التاريخ من خلال تركيزه على التوثيق والأدلة، أن يقدمه كما قدمته الرواية.

بريمشاند واهتماماته الواسعة

الحقيقة أن (بريمشاند) لم يقتصر على كتابة القصص القصيرة والروايات والمقالات فقط. فبقدر ما كان كاتباً روائياً وقصصياً، كان أيضاً محرراً صحفياً. وقد أنشأ دار نشر تحت اسم (ساراسواتي برس) في مدينة (فاراناسي)، التي تقع على ضفاف نهر الجانج، بولاية (أوتار براديش). كما كان محرراً لمجلتين، هما (هانس)، و(جاجاران)، لم يكسب من أي منهما أي أموال. وقد نالت مجلة (هانز) بمرور الوقت مكانة كبيرة؛ حيث حظيت باحترام كبير؛ لأنها أتاحت فرصة النشر للكتاب الجدد.

وقد كانت اهتمامات (بريمشاند) واسعة؛ فبالإضافة للكتابة انخرط في السينما، وسافر إلى(مومباي)، للعمل في السينما الهندية. كتب سيناريو لفيلم عن الطبقات الكادحة، وأوقفت المحاكم صدوره، ثم تم حظره لأن أصحاب المصانع احتجوا على أنه سيشجع الطبقات العاملة على التمرد.

كان هذا الجانب من حياته المهنية قصير الأجل، وسرعان ما عاد إلى عالم الكتابة؛ وهو أكثر ما أحبه. ومع مرور الوقت، أصبح يُنظَر إليه على أنه أحد أهم الكتاب في عصرنا.

 



المصدر: مجلة (BBC Knowledge) الإنجليزية - عدد أكتوبر 2017.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها