انصرف عن مجال العلوم، متفرغًا لكتابة الروايات، وأمضى نحو عامين يعمل في مخبز، وأسس شركة لبيع مجوهرات تحتوي على حمض نووي للمشاهير، وحصل على جائزة نوبل في الكيمياء.
كنت أمر على منشورات فيسبوك فلفت انتباهي أحدها يتحدث عن عبادة الكم على حساب الكيف في البحث العلمي؛ حيث أصبح البعض يفتخر بنشر عشرين أو خمسين أو حتى مئة ورقة في السنة. وأورد المنشور قصة كارى موليس، صاحب تقنية «تقنية تفاعل البوليميراز المتسلسل» (PCR) التي غيرت مسار الطب الشرعي وتشخيص الأمراض والأبحاث الجينية، والذي لم ينشر طوال حياته سوى ستة أبحاث فقط! وانتهى الكاتب إلى أن المشكلة تكمن بالأساس في أن نظام التقييم الأكاديمي الحالي يدفع الباحثين إلى الاهتمام بالعدد أكثر من الجوهر، فيتحول العلم من رحلة اكتشاف إلى سباق أرقام. لكن الحقيقة أن العلم الحقيقي لا يُقاس بعدد الأوراق، بل بجدة الفكرة وعمق الأثر؛ فورقة واحدة تغير مسار المعرفة خير من ألف ورقة لا تضيف شيئًا سوى أرقام في سيرة الناشر. أو على حد قول كاتب المنشور «العلم الحقيقي لا يقاس بعدد الأبحاث وإنما بالفكرة الجديدة والحل الحقيقي. ورقة واحدة تقدم اكتشافاً حقيقياً أفضل من مليون ورقة تقليدية لا تضيف للعلم شيئا سوى أرقام». قادني هذا للبحث عن كاري موليس الذي لم أكن سمعته به من قبل؛ لاسيما أن منشورات الفيسبوك ليست مصدرًا موثوقًا أنقل عنه.

كاري موليس: الرجل الذي قلب علم الأحياء بستة أبحاث فقط
كاري موليس (Kary Mullis) (1944-2019) هو عالم كيمياء حيوية أمريكي ابتكر تقنية تفاعل البوليميراز المتسلسل عام 1983، والتي تُعد تصويرًا مستنديًا للحمض النووي، وهو كشف أحدث ثورة في الطب والوراثة والطب الشرعي، ونال عنه جائزة نوبل في الكيمياء عام 1993.
بتأمل حياة هذا الرجل، سنجد أنه قد عاش الحياة بطولها وعرضها كما يقولون. فبعد حصوله على درجة الدكتوراه في الكيمياء الحيوية من جامعة كاليفورنيا، بيركلي عام 1973، انصرف موليس عن مجال العلوم، متفرغًا لكتابة الروايات. ثم أمضى نحو عامين يعمل في مخبز1. وفي عام 1992، أسس شركة (StarGene) لبيع مجوهرات تحتوي على حمض نووي مُضخم للأشخاص المشهورين المتوفين مثل إلفيس بريسلي ومارلين مونرو. وبرغم هذا كله حصل على جائزة نوبل المرموقة عالميًا2.
إن ما يثير التأمل حقًا في شخصية موليس ليست عبقريته العلمية فحسب، بل التناقض الصارخ بين حياته المليئة بالانشغالات غير الأكاديمية، وبين إسهامه العظيم الذي غير مسار العلم. وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل إذا خضع لويس -هذا الباحث والإنسان الثائر والمثير للجدل لدرجة أن البعض يصفونه بالمتغطرس- لنظام التقييم والترقي الأكاديمي الصارم الذي يُعلي من قيمة الكم على حساب الكيف، ويدفع نحو النشر المكثف والانضباط المؤسسي، أكان سيتمكن من الإبحار في هذه المتاهة ليصل في النهاية إلى اكتشاف يغير وجه العلم ويصعد به إلى منصة التتويج بجائزة نوبل؟ أم أن ميكانيزمات هذا النظام كانت لتصفيه مبكرًا قبل أن تتاح له فرصة الإبداع الحقيقي؟

الأكاديمية المظلمة
في كتابه «الأكاديمية المظلمة: كيف تموت الجامعة» (Dark Academia: How Universities Die)3 الصادر عام 2021، يقدم بيتر فليمنج (Peter Fleming)، أستاذ دراسات المنظمات بجامعة سيدني التقنية، نقدًا لاذعًا للتحول الذي أصاب الجامعات تحت وطأة النيوليبرالية. ويصف فليمنج كيف تحولت الجامعة من فضاء مكرس لإنتاج المعرفة إلى صناعة تطحن الأرقام والمؤشرات؛ مدفوعةً بالربح والمنافسة. ويكشف -في ثنايا كتابه- كيف أن الاعتماد المتزايد على الطلاب الأجانب كمصدر للدخل، وتوسع البيروقراطيات الإدارية، كلها عوامل أسهمت في تآكل الروح الأكاديمية. ويبين كيف أن الأستاذ الجامعي -الذي كان يُفترض أن يكون مفكرًا حرًا، وباحثًا مبدعًا، ومعلمًا ملهمًا- أصبح يُعامل كعامل بسيط في خط إنتاج. فهو مراقب من قبل الإدارة عبر مؤشرات أداء صارمة (كعدد الأبحاث المنشورة، وعدد الاستشهادات، وتقييمات الطلاب، وعدد المشاريع البحثية، إلخ...)، ويرزخ تحت وطأة ضغط مستمر لتحقيق هذه الأرقام، وإلا واجه عقوبات: من قبيل تأخير الترقية، أو فقدان التمويل، أو حتى الفصل من العمل.
عبادة النشر: أول تقويض لجودة العلم
إذا كان فليمنج يتحدث عن المؤشرات الكمية للأداء؛ فإن أكثر هذه المؤشرات إفسادًا هو الاعتماد شبه المطلق على عدد الأوراق البحثية ومعامل التأثير. ففي العقود الأخيرة، فرض النظام الأكاديمي العالمي ثقافة «انشر أو تهلك» (Publish or Perish)؛ وهي ثقافة تكافئ الباحثين على أساس عدد الأوراق التي ينشرونها بغض النظر عن قيمتها النوعية. وقد حذرت العديد من الدراسات من التداعيات الوخيمة لهذه الثقافة، أكتفي هنا بعرض مثال واحد عليها. إذْ تشير نتائج دراسة حديثة نشرتها مجلة (Systematic Reviews) أن التوسع في نشر الأبحاث يثير مخاوف جدية بشأن المحافظة على معايير مراجعة الأقران الصارمة وجودة الأبحاث، وأن ثمة ارتباطًا سلبيًا قويًا بين عدد المنشورات ومعامل تأثير المجلات، مما يعني-وفقًا للدراسة- أن الكم المتزايد من الراجح أن يضعف الجودة4.
وإذا كانت ثقافة «انشر أو تهلك» هي الدافع، فإن النتيجة هي الأزمة الأخلاقية التي تتصدر عناوين الأبحاث مؤخرًا: السحب المتزايد للأوراق العلمية. إذْ لا يقتصر الأمر على البحوث المتواضعة فحسب، بل تعداه إلى السحب من كبريات المجلات لأبحاث كان من الممكن أن تشكل نقلة نوعية في تخصصها (على غرار فضيحة الخلايا الجذعية). وهذه الأزمة تؤكد وجود فجوة هائلة بين ما هو منشور وما هو مستحق للنشر.
ففي دراسة حديثة نشرتها مجلة (Heliyon)، تم تحليل الأبحاث المسحوبة التي نُشرت بين عامي 2003 و2022، والمُفهرسة في فهرس الاستشهادات العلمية الموسع (Science Citation Index Expanded) التابع لقاعدة بيانات مجموعة «شبكة العلوم الأساسية» (Web of Science Core Collection) فقط. وخلصت الدراسة إلى سحب (8466) في غضون هذه الفترة بعد نشرها بالفعل لمشكلات متعلقة بالبيانات والصور الانتحال والتكرار5.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات جافة، بل تمثل انهيارًا في الثقة بمنظومة النشر العلمي. فإذا كان النشر هو المعيار الأوحد للنجاح الأكاديمي، وكانت عمليات التحكيم غير قابلة لاستيعاب هذا الكم الهائل، تصبح الأخطاء والتزوير مكافأتين ضمنيًا. وهذا يقودنا مباشرة إلى التساؤل: كيف سيكون الوضع عندما ينضم الذكاء الاصطناعي إلى هذه المعادلة المعقدة؟
الذكاء الاصطناعي: آلة مساعدة أم أداة للتزييف؟
منذ أيام قليلة وأنا أبحث عن مادة علمية تفيدني في كتابة مقال عن فائدة الملل في التعلم (نعم أعتقد أن الملل مفيد، بل وضروري للتعلم والإبداع، ولكن هذا موضوع آخر)، دخلت إلى قاعدة البيانات العريقة (Elsevier) فوجدت رابطًا لمساعد ذكاء اصطناعي (Leapspace)، وكانت صدمتي الثانية، يا إلهي! إنه يقوم بكل شيء! فقط قدم له سؤالًا أو فكرة أو حتى جملة ما وسينطلق في البحث. ولن يقتصر الأمر على البحث وتقديم مادة علمية مناسبة، بل وتنظيمها وترتيبها ووضع فروض وأسئلة والإجابة عنها وتلافي الانتحال العلمي.
بطبيعة الحال، هناك الكثير من برمجيات الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر تنهض بهذه المهام جميعًا في الوقت الحالي، لكن ما يلفت الانتباه أن هذا مدرج بصورة رسمية ضمن قاعدة بيانات لمجموعة من المجلات الأكاديمية المرموقة والأعلى تأثيرًا في المجتمع الأكاديمي في العالم.
إغراء الإنتاجية السريعة
إذن ما فائدتي -كباحث- إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على توليد أوراق بحثية بدرجة دقة غير قليلة؟ هنا لا بد من النظر من جديد في المسألة كلها. لا بد من معيار جديد يحكم العملية.
لقد جربت وسألته (أريد فكرة بحث عن الذكاء الاصطناعي والتعليم)، فقدم لي قائمة بالموضوعات الممكنة. شيء مذهل، غير أني لاحظت أن ما يفعله في الواقع هو تكرار لأفكار سبق بحثها ولو في سياقات أخرى. على سبيل المثال: (فعالية استخدام المساعدين الافتراضيين الذكيين (مثل ChatGPT) في تحسين مهارات الكتابة الإبداعية لدى طلاب المرحلة الثانوية). والمدقق في العنوان يجد أنه مجرد استعاضة المساعدين الافتراضيين الذكيين بأدوات واستراتيجيات سابقة. فما الذي يضيفه حقًا؟
حتى في المجالات الأكثر دقة، ومع التطبيقات التي يروج لها القائمون على قواعد البيانات مثل أداة Scopus AI من Elsevier (والتي تعتمد على ملخصات الأبحاث التي راجعها الأقران فقط)، لا يمكننا تجاهل واقع أن الأبحاث التي يعتمد عليها الذكاء الاصطناعي قد تكون مشبعة بالتحيزات الخوارزمية أو تنطوي على أخطاء. وبحسب ما أشار لارس بو نيلسن -أستاذ الطب السريري وعميد كلية الطب بجامعة أرهوس الدانماركية- في مقابلة منشورة له بمجلة (Inside Health)، فإن هذه الأرقام الحالية غير موثوقة أصلًا بسبب أزمة الاستنساخ والأبحاث المغشوشة. وهذا يخلق معضلة جديدة للباحث؛ فاستخدام هذه المساعدات لن يثري معرفته بقدر ما يضاعف الأخطاء والافتراضات الخطأ.
لست وحدي من يطرح هذه المخاوف إذن. يكفينا شاهدًا في هذا الصدد أن مجلةً كاملةً (GIJIR) نشرت 48 مقالًا على الأقل من أصل 53 مقالًا كانت مولَّدة بالكامل بالذكاء الاصطناعي، ونُسبت زورًا إلى باحثين من جامعات مرموقة لتعزيز مكانة المجلة6.
ويبدو أن هذه المجلة قد عمدت إلى استخدام المحتوى المولد من خلال الذكاء الاصطناعي لتعظيم مكانتها عبر نشر أوراق بحثية منسوبة زيفاً لمؤلفين مرموقين، وفي الوقت ذاته جذب الباحثين الذين يسعون إلى خلق هالة ثقافية أو قيمة مهنية زائفة من خلال تضخيم سجل أوراقهم المنشورة. هل يمكن إذن اعتماد طرق أخرى للتقييم مثل الإضافة الحقيقية والقيمة العلمية والعملية للبحث؟ وماذا عن علوم الآلة الأخرى الخادمة للبحث العلمي كالترجمة؟
الترجمة في زمن الذكاء الاصطناعي
ماذا عن الترجمة؟ عند عملي على ترجمة كتاب «المواطنة والتعليم في فلسفة رولز» للكاتبة والأكاديمية المتألقة فيكتوريا كوستا، والذي نشره لاحقًا المركز القومي للترجمة، توقفت عند عنوان الكتاب بلغته الأم (Rawls, Citizenship, and Education)7؛ فطريقة الصياغة مقبولة في الإنجليزية، بيد أن نقلها هكذا للعربية لن يخلو من ركاكة. ولأني لا أترجم عنوان أي كتاب أو مقال إلا بعد الانتهاء من المتن، فصبرت على ترجمته حتى أهضم محتوى الكتاب كله ليأتي عنوانه أكثر تعبيرًا عنه عند ترجمته مع عدم الإخلال بالنص الأصلي. ثم إني عرضت العنوان على إحدى صفحات الفيسبوك الزاخرة بالمترجمين أسألهم النصيحة، ولم يخب ظني، فرؤاهم أعطتني منظورًا جديدًا ساعدني على صياغته النهائية لتصبح (المواطنة والتعليم في فلسفة رولز8).
منذ فترة ليست بالبعيدة، إذا كنت قد طالعت أي صفحة مهتمة بالترجمة ستجد مترجمين يعرضون رؤاهم في مهنة الترجمة، وآخرون يتناقشون في التخصص، وكثيرون يعرضون خدماتهم، وثمة كثيرون يطلبون آراء بعضهم (وهو ما حدث معي في كتاب رولز). اليوم، جرى ماء كثير في النهر وتحولت هذه الصفحات -في جلها- إلى منصة شكاوى؛ حيث يتذمر المترجمون من ضيق ذات البين وتوقف تدفق العمل الترجمي لسطوة برمجيات الذكاء الاصطناعي. وغالبية المنشورات عن الانقراض الفعلي أو الوشيك لمهنة الترجمة، وأن هذه البرمجيات تنهض بالعمل كله ولم تعد ثمة حاجة لمترجم.
ما العمل إذن؟
كنت أراجع ملفًا طبيًا عبارة عن ملخص أطروحة دكتوراه (في التمريض تحديدًا) وبه الكثير من النسب المئوية في قسم النتائج؛ علمًا بأن صاحبة الملخص أخبرتني أنه مترجم آليًا وحظي بموافقة المشرفة، غير أنها تود الاطمئنان لسلامة عملها. أول صدمة كانت أن البرمجية ترجمت (Two Fifths) إلى «ثلثين» عوضاً عن «خمسين». والواقع أن هذا أمر معروف بالنسبة لبرمجيات الذكاء الاصطناعي واصطلح على تسميته بالهلوسة (Hallucination). أنا لا أتحدث هنا عن دقة مصطلح أو جودة نقل تعبير أدبي يحمل دلالات في لغته الأم ويتعين على المترجم نقل هذه الحمولة الثقافية إلى اللغة الهدف؛ فقط نسبة مئوية. الغريب أن بعض أدوات الذكاء الاصطناعي المتخصصة في النشر العلمي، مثل Scopus AI، تدرك هذه الهلوسة وتدمج ما تسميه «بطاقات الثقة» التي تظهر للباحث مصادره، لكن هذا لا يحمي من أخطاء الترجمة الصرفة في النصوص غير الأكاديمية فائقة التخصص.
يعني هذا أننا ربما نبالغ عندما نقول إنّ الذكاء الاصطناعي سيقضي على الكثير من المهن الحالية ويحل محلها. الأمر أشبه بمعضلة الحاسبات (Calculators).
قياس الأثر: الحاسبات نموذجًا
يقولون إن معلمي الرياضيات في الولايات المتحدة خرجوا في مظاهرات رفضًا للحاسبة عند اختراعها وتوظيفها في التعليم، وكان رأيهم أنها ستدمر القدرات الرياضية للأطفال وتقضي على وظائف المعلمين أنفسهم. فهل هذا ما حدث؟
حدث هذا تحديدًا في 3 أبريل 1986 عندما نظم المعلمون اعتصامًا أمام الاجتماع السنوي للمجلس الوطني لمعلمي الرياضيات (NCTM) في واشنطن. كان الاحتجاج بمثابة رد فعل على سياسة جديدة تبناها المجلس، والتي أوصت بـ«دمج الآلة الحاسبة في برنامج الرياضيات المدرسي في جميع المراحل الدراسية». وقد غطت صحيفة «واشنطن بوست» الحدث آنذاك في تقرير إخباري، تجسيدًا لمخاوفهم من أن يؤدي استخدام الآلات الحاسبة إلى تراجع القدرة على إجراء العمليات الحسابية الذهنية واليدوية9.
في كتاب «تعليم رديء: تفكيك الخرافات الرائجة في التعليم» (Bad Education: Debunking Myths in Education)10 الذي ترجمته للعربية ونشره المركز القومي للترجمة، يعرض المؤلفون لهذه المعضلة المتعلقة باستخدام الحاسبات والحواسيب منتهين إلى ما يلي: «على إثر ذلك، يمكن الانتهاء إلى أن كيفية استخدام الحاسبات يحدث فارقاً، وهي ملاحظة تصح على نحو خاص بالنسبة للمرحلة الابتدائية. إذْ تشير الأدلة إلى أنه حيثما يتم استخدام الحاسبات في تنمية فهم الأطفال للأرقام وطلاقتهم فيها، يرجح أن تكون ذات أثر مفيد لهم. وعليه فبالنسبة للمرحلة الابتدائية، وكما تبين الأدلة، من الأهمية بمكان تنظيم -وليس حظر- استخدام الحاسبات»11.
الخوف من الغد
السؤال إذن: هل سيكون الذكاء الاصطناعي -بعد أن تهدأ عاصفة الترويج والمديح والتخوف من هذه التقنية الجديدة- مجرد وسيلة أو أداة تفيد الإنسان؛ شأنها في ذلك شأن الحواسيب والحاسبات والسيارة والطائرة وكل أداة أفادت البشرية؟ أم أن الأمر مختلف هذه المرة؟
أتذكر أني في بداية رحلتي البحثية في الدراسات العليا كان البحث العلمي بالنسبة لي مسألة غامضة تثير حيرتي وريبتي أحيانًا وتجعلني أتحسس مسدسي. إذ كنت أفكر: ما الذي سأستفيده من مجرد قص ولصق بعض الفقرات من عدة مراجع وأقول: ها قد أنجزت بحثًا. ثم قادتني الظروف للقاء باحث شاب عائد لتوه من جامعة Essex، ويحمل شهادة الدكتوراه وعدة جوائز فخرية حصل عليها تزين صدره، وتفضل مشكورًا بالإشراف عليّ في مرحلة الماجستير. وهنا اكتشفت الحقيقة المنطقية: أن ما اعتقدت أنه بحث علمي ليس كذلك، وإنما انتحال (مقنن وسافر)، وتعلمت أن البحث الحقيقي هو قراءة واستيعاب وهضم وتحليل للتراكم المعرفي الذي قدمه الآخرون في نقطة تخصصي، ثم الوقوف على الفجوات البحثية لكي تكون مساهمتي هي محاولة سد هذه الفجوة أو جانب منها أو حتى مجرد تسليط الضوء عليها. من هنا صدرت رسالتي بمقولة إسحاق نيوتن في رسالة إلى منافسه روبرت هوك عام 1675 «إذا كانت رؤيتي أبعد من الآخرين، فذلك لأني أقف على أكتاف العمالقة» تعبيراً عن امتناني لمن سبقوني في الدرب.
اليوم إذا أعيدت الكرة، فلست بحاجة لأي من ذلك كله؛ غاية ما هنالك سأقدم الفكرة والعنوان -أو ربما حتى فقط بعض الإرهاصات- لأحد برمجيات الذكاء الاصطناعي وسيتكفل بالباقي. إنها حقًا نعمة عظيمة؛ وفرت لي الوقت والجهد والمال والمعاناة والألم وأتت بالنتيجة المرجوة؛ مراجعة أدبيات ممتازة. لكن ما الثمن مقابل ذلك؟ ببساطة: لم أتعلم شيئًا.
وهل أستطيع إقناع شاب في بداية طريقه في التعلم أو البحث أن الذكاء الاصطناعي قد يقتل فيه أثمن ما يمكن تعلمه: الشغف، والفضول، والألم في التعلم والصبر عليه؟
مما لا شك فيه أن المهارات التي تعلمتها من هذا المشرف الجليل -قراءة واستيعاب وهضم وتحليل التراكم المعرفي- هي الأداة التي جعلتني قادرًا على النقد؛ نقد ما أراه ليس فقط في الكتب وإنما في الحياة، لا لغرض هدمه وإنما تحسينه وجعله في صورة أفضل. لو تمكنت أدوات الذكاء الاصطناعي من منح الباحث المبتدئ هذه المهارات العميقة -وليس فقط تسهيل الإنتاج- فسنكون أمام ثورة تعليمية حقة. ولكن الخطر الحقيقي هو أن نُغري الطالب الجديد بالنتائج النهائية السهلة، فنسلب منه رحلة التعلم ذاتها بما فيها من مشقة ومتعة.
لعل السؤال الأعمق ليس «ماذا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفعل لنا»؟ بل «ماذا يمكنه أن يفعل بنا»؟ هل يصنع منا مفكرين نقديين مبدعين، أم مستهلكين ماهرين فقط؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي هو الحاسبة الجديدة التي نتعلم كيف نستخدمها بحكمة، أم سيكون قوة مختلفة هذه المرة، تستدعي منا يقظة واستباقية لم نشهدها مع أي تقنية سابقة.
هل سيصبح الذكاء الاصطناعي أداة نافعة أم قوة مسيطرة؟ الجواب لن يأتي من التقنية نفسها، بل من فلسفتنا في التعليم، ومن إرادتنا الجماعية في تصميم أنظمة تقييم تحمي الجوهر الإنساني في زمن الآلة، وتضمن أن تظل الأسئلة الحقيقية والفضول الجامح هما وقود العلم، وليس مجرد سباق لا ينتهي من الأرقام.
هوامش:
1 - https://www.britannica.com/biography/Kary-Mullis
2 - https://www.sfgate.com/news/article/From-Hair-to-Eternity-Nobel-chemist-and-3020610.php
3 - Fleming, P. (2021). Dark academia: How universities die. Pluto Books. https://doi.org/10.2307/j.ctv1n9dkhv
4 - El Shamieh, S., & Chebly, A. (2024). Trends in scientific publishing: does quantity compromises quality in life sciences and medicine?. Systematic Reviews, 13(1), 249. https://doi.org/10.1186/s13643-024-02668-0
5 - Koo, M., & Lin, S. C. (2024). Retracted articles in scientific literature: A bibliometric analysis from 2003 to 2022 using the Web of Science. Heliyon, 10(20). https://doi.org/10.1016/j.heliyon.2024.e38620
6 - Spinellis, D. (2025). False authorship: an explorative case study around an AI-generated article published under my name. Research Integrity and Peer Review, 10(1), 8. https://doi.org/10.1186/s41073-025-00165-z
7 - Costa, M. V. (2010). Rawls, citizenship, and education. Routledge. https://doi.org/10.4324/9780203846629
8 - فيكتوريا كوستا. المواطنة والتعليم في فلسفة رولز. ترجمة: نادية جمال الدين والسيد يونس عبد الغني. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2025.
9 - https://www.washingtonpost.com/archive/local/1986/04/04/math-teachers-stage-a-calculated-protest/c003ddaf-b86f-4f2b-92ca-08533f3a5896/?trk=article-ssr-frontend-pulse_little-text-block
10 - Adey, P., & Dillon, J. (2012). Bad education: Debunking myths in education. McGraw-Hill Education (UK).
11 - فيليب إيدي وجوستين ديلون. تعليم رديء: تفكيك الخرافات الرائجة في التعليم. ترجمة: نادية جمال الدين والسيد يونس عبد الغني. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2017، ص: 167.