كمال سليم، رائد كبير من رواد الإخراج السينمائي في السينما المصرية والعربية، فهو أول من قدم الأفلام الواقعية في تاريخ السينما المصرية والعربية، كما أنه رائد كبير من رواد كتابة السيناريو والحوار، وهو صاحب أول فيلم في قائمة أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية، وهو فيلم العزيمة، الذي وضعه أيضاً الناقد والمنظر الفرنسي الشهير "جورج سارول"، في موسوعته الضخمة تاريخ السينما في العالم، بين أهم مائة فيلم سينمائي عالمي، مقارناً بينه وبين مثيلاته في السينما الفرنسية والأوروبية.

نشأته ومكوناته الثقافية:
وُلد كمال سليم بحي الظاهر في مدينة القاهرة عام 1913م، ورحل في إبريل من عام 1945م، قبل أن يبلغ من العمر الثانية والثلاثين، تلقى دراسته بمدرسة العباسية الثانوية، لكنه كان بطبيعته ميالاً إلى الفن، يهوي التمثيل ويعشق السينما، فشغلته هذه الهواية عن كل شيء، حتى عن إتمام دراسته الثانوية، والتي توقف عند مرحلة الكفاءة، حيث كان مفتوناً بحب السينما، يحرص على مشاهدة كل فيلم، خصوصاً أفلام "رودلف فالنتينو"، سافر إلى باريس لدراسة الفن السينمائي، إلا أنه عاد بعد وقت قصير، وبعد عودته قرر دراسة السينما بشكل مستقل، فأخذ يتعلم اللغات، فأتقن الإنجليزية والفرنسية والألمانية، كي يقرأ أمهات الكتب والمجلات السينمائية العالمية الكبرى في لغاتها الأصلية، حتى تأسست له مكتبة سينمائية ضخمة بعدة لغات، أهديت بعد وفاته إلى مكتبة المهن السينمائية، التي كان أحد أبرز مؤسسيها في عام 1943م، وإلى جانب هذه الثقافة السينمائية الواسعة، حرص على الاستزادة من مختلف العلوم والفنون، فقد درس الفلسفة والمنطق والاقتصاد، كما درس فن التصوير على يده صديقه الفنان صلاح طاهر، الذي رسم له لوحة زيتية، قبل وفاته بيوم واحد، كما درس الموسيقى على يد صديقه الفنان، محمد حسن الشجاعي، الذي كان يعهد إليه دائماً بوضع الموسيقى التصويرية لأفلامه، كما تعلم العزف على البيانو على يد الموسيقي الروسي، تشير بنافسكي.
كمال سليم والنهوض بالفن السينمائي:
كانت السينما المصرية، قبل كمال سليم، أو بالتحديد قبل فيلم العزيمة، الذي أخرجه قبل الحرب العالمية الثانية بقليل، بعيدة كل البعد، عن روح الحياة العربية الخالصة، حيث كانت تصور أجواء دخيلة، تعتمد في قصصها على الترجمة والاقتباس، لا تصور سوى حياة الطبقة الأرستقراطية، أو تقدم أفلاماً خيالية، ذات موضوعات ميلودرامية مستهلكة مبتعدة عن معالجة الواقع ومشكلاته الاجتماعية، عدا قلة من الأفلام، كان على رأسها فيلم "زينب"، الذي أخرجه المخرج محمد كريم، في عصر السينما الصامتة، عن قصة الدكتور محمد حسين هيكل، حيث كانت المرحلة، التي خطأ بها كمال سليم بالفيلم العربي، أشبه ما تكون بالمرحلة، التي خطأ بها فنان الشعب، سيد درويش بالموسيقى المصرية، التي نقلها من طور الرتابة والتطريب والتسلية، إلى مرحلة التعبير عن ضمير وجدان الشعب.
بدأت مسيرة كمال سليم في عالم السينما، من خلال تأليفه وإخراجه لفيلم، وراء الستار، ثم توالت بعد ذلك أعماله السينمائية، حتى وصلت أحد عشر فيلماً، نذكر منها، العزيمة، إلى الأبد، قصة اليوم، أحلام الشباب، البؤساء، حنان، شهداء الغرام، ليلة الجمعة، المظاهر، قصة غرام، هذا إلى جانب أنه كتب ثلاثة سيناريوهات، أخرجها بعض زملائه من كبار السينمائيين، الأول فيلم، الدكتور، إخراج نيازي مصطفى، والثاني، لوكاندة الأنس، إخراج جمال مدكور، والثالث ليلى بنت الفقراء، إخراج أنور وجدي. وقد اختلفت وتنوعت موضوعات قصص أفلامه، شكلاً ومضموناً، فكان بينها الفيلم الغنائي، مثل وراء الستار، أحلام الشباب، حنان، شهداء الغرام، والفيلم الاجتماعي مثل، العزيمة وإلى الأبد، قضية اليوم، البؤساء، المظاهر، ليلى بنت الفقراء، والكوميدي مثل ليلة الجمعة، لوكاندة الأنس، ولو ألقينا نظرة سريعة على هذه الأفلام، نجد أن أسلوبه في التفكير في كل فيلم، من هذه الأفلام واضحاً، حيث إنه كان يحمل الكاميرا في يده ليرسم بها ملامح مجتمع جديد، يتميز بسمات خاصة، تختلف عن النماذج التي قدمتها السينما من قبل، معتمداً على الذات والموهبة الفردية، في ظل ظروف صعبة، لا تسعفه فيها الإمكانات في ذلك الوقت.

"العزيمة" ومرحلة التألق السينمائي لكمال سليم:
ويأتي فيلم العزيمة، على قمة رأس هذه الأفلام، لهذه الفترة الهامة من تاريخ السينما المصرية والعربية، هذا الفيلم، الذي دخل به كمال سليم، تاريخ الفن السينمائي من أوسع أبوابه، كمؤلف وسيناريست ومخرج، وهو لا يزال في الستة والعشرين من عمره، إلى درجة أن الأستاذ كليف، أستاذ الدراما بكلية الآداب في ذلك الوقت، أبدى رأيه بأعجاب شديد فيه، فقال: "إذا أردتم أن تسجلوا تاريخ السينما المصرية، فابدؤوه بفيلم العزيمة"، لقد نجح كمال سليم من خلال مقدرة وبراعة في هذا الفيلم، في استلهام الجو الشعبي، عبر تقديم لمسات سينمائية بارعة، في كتابة السيناريو والإخراج، من خلال تقديم قصة مليئة بالصراع والتشويق، فالشخصيات واضحة المعالم متكاملة تجعلنا نتعاطف ونتجاوب معها، ونحس بواقعتيها إلى حد بعيد، حيث تذكرنا بشخصيات نعرفها وتعيش بيننا، حيث نجح في براعة شديدة في تقديم لوحة فنية بديعة عن الحياة في أحيائنا الشعبية.
يقول المؤرخ والناقد السينمائي الفرنسي الكبير، "جورج سادول"، في موسوعته الضخمة، عن تاريخ السينما في العالم، عن فيلم العزيمة ومخرجه كمال سليم: "إن فيلم العزيمة، يعرض مضموناً فكرياً يشغل قطاعاً هاماً من قطاعات المجتمع، الذي يشير لظهور المذهب، الذي عُرف بعد ذلك في إيطاليا باسم الواقعية الجديدة". لقد وقفت السينما المصرية بهذا الفيلم على أرض صلبة، دخلت به مجال التعبير الواقعي في مجال الفن والفكر، ومن هنا جاء فيلم العزيمة، ليكون ليس كمجرد إضافة جديدة للسينما المصرية والعربية فحسب؛ وإنما جاء ليكون عملاً رائداً في الشكل والمضمون، ليضع به كمال سليم اللبنة الأولى في بناء صرح الفيلم الواقعي العربي، الأمر الذي جعل منه مثالاً يحتذى به في التبشير بالفيل
المصادر:
◂ رواد الواقعية في السينما المصرية، د/ وليد سيف، سلسلة آفاق السينما، الناشر الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية.
◂ كمال سليم، رائد الواقعية في الفيلم المصري، محمد السيد شوشه، مجلة الثقافة، العدد 49، يونيو عام 1964م.
◂ كمال سليم، فتح أفاقاً، رحبة للفيلم الواقعي، حسن حداد، مجلة هنا البحرين، يناير عام 1990.