على الهامش!

أحمد راشد أحمد


كالعادة ينتظر دوره في هذا الطابور الطويل والبطيء، لا يعير لهؤلاء الذين يتسللون إلى مقدمة الطابور اهتماماً، ولا يرى لسباب هؤلاء الساخطين أي نتيجة، يلتفت، فيرى مَن خلفه يرمقه باشمئزاز، ينظر إلى نفسه في تلك المرآة التي تواجهه، فلا يجد شيئًا غريبًا، يتغاضى عن نظرات ذلك المُشمئز، ويجتهدَ في تهدئة نفسه حتى يصل إلى الشباك، فلم يجد تذاكر، يحاول مع الموظف أكثر من مرة، بلا فائدة.

يخرج من الطابور منهزماً كعادته، يتوجه إلى أقرب سيارة أجرة، يطلب من السائق أن يخفض صوت تلك المهرجانات وإيقاعها المزعج، فيلتفتَ إليه بجسده الضخم وعضلاته المفتولة ولا يعيره اهتمامًا، ويستمر في الدندنة هو وبعض الشباب الذين طلبوا منه تعلية الصوت، تطلب منه إحدى الحسناوات خفض الصوت، يبتسم ويستجيب لها، بينما عيناه تفترس ملامح وجهها المليء بالمساحيق.

ينزل من السيارة، يجد زحامًا داخل أحد المحلات، يدرك أن هناك عروضًا لبعض المنتجات، يزج بنفسه داخل هذا الزحام، يتوجه إلى مكان بيع اللحوم، وقبل أن يصل إليه، يعلن مذياع المحل، انتهاء فترة العرض.

يخرج منكسراً كعادته، يتوجه إلى منزله، وقد بدت عليه علامات الضيق، لم يكن هذا اليوم مختلفًا عن سابقه، لم تغير زوجته نظرتها له، ولم يتحرك أولاده من أمام هواتفهم المحمولة، وكل منهم يضع سماعة هاتفه داخل أذنه، متعايشًا مع واقعه الافتراضي. تذكر نفسه في مثل عمرهم، كانت أمنية حياته أن يستمر الإرسال التليفزيوني دون انقطاع.

يستجمع قواه ويذهب للصلاة، لم يكسر ذلك الروتين إلا صغيرته التي ألقت بنفسها بأحضانه، وحفرت بقلبه ابتسامة صافية. في صمت تحضر له زوجته فاتورة الكهرباء، يصيبه الفزع عند قراءة الرقم، ينظر إلى الأنوار المضاءة وجهاز التليفزيون الذي لا يلتفت إليه أحد؛ ويعرف السبب، يتناول القليل من طعام العشاء، يتوجه إلى غرفته، ينتظر زوجته كثيرًا؛ طمعًا في القليل من جرعات السعادة، ولكنها لم تأت، كالعادة فضلت النوم مع أطفالها. يطفئ التليفزيون، ونور غرفته، يتوجه إلى سريره.

يتناول بندقيته، يتأكد من حشوها، يختبئ خلف الجدار، يستعد للقادمين بقوة، يضغط على الزناد، لا تنطلق الرصاصات، يحاول شد الأجزاء عدة مرات، تفشل محاولاته، يواصل الأعداء تقدمهم، تستجيب بندقيته أخيراً، يطلق رصاصاته، يتخلص من أعداءه... يسقط على الأرض، يستيقظ منتشيًا بهذا الانتصار، ينهض نشيطًا من رقدته، يتفقد صغيرته التي انحسر عنها الغطاء، ينظر إلى زوجته وقد علا شخيرها؛ فيحمد الله على نفورها منه، يعود إلى غرفته، يحاول النعاس مرة أخرى، باحثًا عن نصر جديد.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها