فيلم "السادة الأفاضل" وسؤال الحكاية!

مازن حلمي


أثار فيلم "السادة الأفاضل" جدلًا، وسجالًا واسعًا بين الكتاب والنقاد السينمائيين؛ بعد نجاحه المدوّي على المستويين الجماهيري، والنقدي. أغلب الأقلام تناولته بوصفه فيلمًا كوميديًا ذا أبعاد فكريّة سياسيّة. وأنه يعرّي الواقع الاجتماعي، كاشفًا الغطاء عن النفوس، والوجوه الحقيقية للمواطنين في المجتمع المصري/ القرية نموذجًا. فهو يرثي حال القرية المصرية، وما آلت إليه.
 

يتساءل بشكل غير مباشر "ماذا حدث للقرويين" باستعارة وتحريف عبارة الكاتب "جلال أمين". القرية التي كانت حصن الأخلاق والفضائل، والفطرة السليمة، يُعلن انهيارها، ووصولها إلى قاع الهاوية.

من جانب آخر، يعدّ نجاحه انطلاقة للفيلم الكوميدي كتميمة حظ في شباك التذاكر، مثلما حدث في نهاية تسعينيات القرن الماضي مع فيلم "إسماعيلية رايح جاي 1997م".

وقبل الخوض في تلك الآراء المتباينة، والوقوف على وجهة نظر موضوعية علينا معرفة قصة هؤلاء "السادة الأفاضل".
 

 مساخر ومَآسٍ

"السادة الأفاضل" 2025م فيلم للمخرج "كريم الشناوي" هو الخامس في مسيرته السينمائية بعد (فردى 2013م روائي قصير، طلق صناعي 2018م، عيار ناري 2018م، سيرة أهل الضي 2025م) كتابة ورشة سيناريو تضم: مصطفى صقر، وعبد الرحمن جاويش، ومحمد عز الدين، تصوير "مصطفي فهمي"، ومن الإنتاج المشترك.

يدور الفيلم عن عائلة "أبو الفضل" المكونة من ثلاثة إخوة: جلال، وخيري، وممدوح. يُعتبر "جلال" الشخصية المركزية، وبؤرة الأحداث فيما الأخيران عناصر مكمِّلة للحكاية الدرامية. اعتمد بناء السيناريو على حيلة كذبة كرة الثلج التي تكبر شيئًا فشيئًا حتى تتعقد الأمور، وتتشابك الخيوط؛ ثم تأتي لحظة التنوير بالتطهر، والخلاص. يضطر "جلال" بيومي فؤاد إعلان خبر موته؛ كي لا يشاركه أخوه "خيري" أشرف عبد الباقي المقبرة الفرعونية القابعة تحت أرضه بعد افتضاح سرها. يتضافر مع هذا الخط السردي، محاولة ثلاثة أشقياء سرقة خزينة مكتب البريد الكائن بجوار بيت "جلال"؛ إذْ يربط عامل المكان بين الخيوط، والشخصيات.

تتصاعد وتيرة الأحداث، بظهور شخصية تاجر الآثار "سمير إيطاليا" أحمد السعدني، الذي يطالب بحقه في مومياء باعها للمرحوم، وامرأة تدّعي أنها زوجته سرًا، تطالب أيضاً بحقها في الميراث. كما يلجأ "خيري" إلى توقيع أخيه الميت على أملاكه؛ حين يتبين له خواء المقبرة من الآثار. من ناحية أخرى، يقضي أحد اللصوص على حارس مكتب البريد بالخطأ.. ينهي المخرج، هذا الصراع المحموم على الثروة نهاية أخلاقية قدرية، حيث يُقتل الآباء، واللصوص، ويُسجن الأبناء، ويضيع أرث العائلة.

 كوميديا سوداء

الفيلم ينتمي إلى الكوميديا السوداء ذات الأسلوب البوليسي، أو فيلم الجريمة الذي يُبنى على الإثارة، والتشويق، والتوتر. فالبطل القصة لا الشخصية، لا يغوص في جوانب الشخصية لمعرفة أبعادها، ومناطق قوتها وضعفها. هي شخصيات أحادية تلعب دورها وفق ما تمليه عليها الحكاية، التوسّع هنا أفقي لا رأسي. لقد نجح المخرج في بناء فيلمٍ متماسكٍ إلى حد كبير، قائم على مواقف درامية، متصاعدة، مشوّقة، تبعث على السخرية، والضحك، والترقب عبر مونتاج متوازٍ محافظًا على إيقاع لاهث دون لحظة ملل. كما غامر باختيار موضوع يمسّ قداسة عند المصريين، هو تناول الموت من منظور كوميدي، لإبراز جوانب خفية بالنفس البشرية، مفجرًا مواقف ومفارقات عبثية.. اشتغل بوجه خاص، على الموسيقى التصويرية بنغماتها الهزلية بتطوير الحدث، وبعث الضحك جنبًا إلى جنب، وإضفاء روح الكوميديا على المأساة الواقعة.
 

 لا ظالم ولا مظلوم

بعد استعراض الخطوط العريضة، ثمّة ملاحظات جوهرية لا بُد من الوقوف عندها:
قام السيناريو على فرضيّة مفادها، أن جميع أبناء القرية لصوص، وأولاد أفاعٍ؛ بينما لا يمكن بحال من الأحوال، أن يحيا مجتمع على النهب واللصوصية، أي يكون الجميع ضد الجميع؛ سيغدو مصيره التحلل والزوال. حتى الجماعات الهامشية من قطاع الطرق، والعناصر الخارجة عن القانون لديهم قوانين، ولهم أعراف يعيشون وفقها، فمن المستحيل تطبيق قانون الغابة بحذافيره على الحياة البشرية. يُكمل السيناريو مساره باستحقاق العائلة -التي لم يرها إلا حفنة من الذئاب- القتل. تلك رؤية تهادن السلطة، وتبرئها من المسؤولية، بينما تُلقي كل الذّنب على الضحية/ الشعب.

علينا أن نسأل أنفسنا: لماذا هؤلاء الناس لصوصٌ، هل ولدوا لصوصًا بالفطرة؟ أم أن هناك طرفًا خفيًا دفعهم لذلك؟

لا ينشغل السيناريو بتلك الأسئلة، لا يريد أن يمسك بجذور المشكلة، والأسباب الحقيقية وراء شقاء الشعب؟ يتبع منطق الأفلام التجارية، يُقدّم حكاية مسليّة ذات غلاف فكرى مزيّف؛ كي لا يشغل المتفرج بأي أسئلة، أو هموم تجعله يفكّر. لقد أدان الضحية، وأصدر الحكم، واستراح المُشاهد لعدالة السماء. لا بد في النهاية، أن ينتصر الخير، ويندحر الشر. في حين أن القاتل الحقيقي ما زال عائشًا، يخرّب حياتنا. هذا هو الفارق بين مخرج صاحب رؤية نقدية، ذات نظرة شاملة للحياة، وآخر مجرد تقني.

 غياب الصورة

الملاحظة الثانية، تنسحب على أفلام عديدة، هي غياب عنصر الصورة بوصفها المفردة الأهمّ في اللغة السينمائية، وإغفال القيم الجمالية التشكيلية، والاتكاء على الحوار وحده؛ مما يحوّل الفيلم إلى عملٍ مسرحيٍ، أو إذاعي. لا يحرّك مخيلة المتفرج، قد يعطيه كل الإجابات دفعة واحدة. باستثناء لقطة الافتتاحية، التي تُستوحى من لوحة "خلق آدم" للفنان "مايكل أنجلو" بسخرية، على طريقة فن "الميم" الرائج على وسائل التواصل الاجتماعي. إذْ يبدّل مواضع اللوحة بين الإله وآدم إلى الأبناء مقابل آدم وحواء، ثم تهبط الكاميرا على الأب المحتضر كذبًا، إيحاءً بأننا سننّزل من الجنة إلى أرض الخطيئة والفجور. إن الصورة تعمل كخلفية، وكإطار تحوي الشخصيات. فالمهمّ سؤال الحكاية لا الدعوة إلى التحليل، والفهم، أو التعبير عن مشاعر إنسانية. ذلك لا يمنع القول، أن هناك جودة عالية في الصورة، والصوت من حيث النقاء، والألوان، لم تكن متوفرة سابقًا. بمعنى أن ثمة تطورًا كبيرًا، حدث في التقنية على حساب الرؤية.

 علّة المكان

الملاحظة الثالثة تخصّ المكان، أراد المخرج أن تكون القرية مسرحًا للأحداث، والقرويون هم أبطال الحكاية. تدور أغلب الأحداث وفق مُخطط القصة، ببيت "جلال" ومشاهد خارجية تعدّ على الأصابع.. فالمكان اُختزل في أمكنة محدودة. لم يستطع التعبير عن هُويّة القرية، أو خصوصيّة تفرقه عن المدنية؛ لذلك يمكن استبداله بحي شعبي بأطراف المدنية دون حدوث تغير كبير. القرية في نظر المخرج، عالمٌ يموج بشخوصٍ غرائبية، قادمة من أفلام حقبة الستينيات، ليست قرية اليوم الواقعية. هل يريد القول، إن الشرور والفحش منبعه الريف، بينما المدينة صاحبة الحضارة، والتعامل الإنساني الراقي؟!

اتصفت شخصيات الفيلم بالشر، والعته، والغرور. هي شخصيات مسطّحة، كاريكاتورية أكثر منها واقعية، فعاهرة القرية مثلًا أقرب لمتخلفة عقلية من امرأة ذات غنج ودلال. لقد زُرعت تلك الشخصيات في بيئة ريفية قصرًا دون حاجة لذلك. إذْ تتكلّم الشخوص لهجة صعيدية أحيانًا، فيما يسود أغلب الحوار اللهجة القاهرية.. رغم أداء الممثلين الاستثنائي، الذي يعدّ مفاجأة الفيلم خاصة جيل الشباب (طه الدسوقي، على صبحي، ميشيل ميلاد، ومحمد ممدوح، ودينا دياب...) بفضل إدارة المخرج، وتوجيهاته، وموهبة هؤلاء الشباب.

ختامًا؛ "السادة الأفاضل" فيلم كوميدي خفيف، يرتدي ثياباً برّاقة على جسد معطوب.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها