كم مرّة حاولتُ ثنيكِ عن المُضيّ في هذا الدّرب قبل أن يشتدَّ عودكِ! قلتُ لكِ: إنّ الطريقَ إليها طويلةٌ، والمسارُ محفوفٌ بالمخاطر، وهي ما تنفكُ تغريكِ بنورها، لا يغرّنّكِ برزخُ الزّجاج الصباحيّ في أول الغسق، فتتعقبِيهِ على سكّةٍ من جموح، أو تحسبيهِ يعلو بكِ ويضيء جبينَكِ! هيهات تسلمينَ ممّا يلحقُهُ بكِ هذا النزوعُ! عليكِ أن تتوجّسي من كلّ الدروب، فربّما يضلّلُ هجيرُها وجهتَكِ، ويحرفُ الخطوَ عن معبدكِ، فتضيعُ نداوتكِ من زحمة اللّهاثِ، للمرّةِ الألف أقولُ لكِ: أَوْهِي طموحَكِ بعيداً فيخفّ حملُكِ في الحياة، لا تسْتَهيني بمشقاتِ العَدْو! فكم من وازع يحولُ دونَ وصولكِ، فتتذرعينَ قائلةً: إنّها توسّعُ لكِ سبيلًا دافئاً تفردينَ فيه طموحكِ، وأنا أقولُ لكِ: بالكادِ تستمدينَ منهُ سرَّ بقائكِ، تأمّلي كيفَ ينتهي بكِ المطاف؟! تُطرقينَ ذاويةً، مطأطئةَ الرأسِ، ومع إشراقة كلّ شمسٍ تُعيدينَ الكرَّةَ، وتتجرّعينَ ذاتَ الكأس، حتّى تجافيكِ تربتُكِ، فإذا بكِ طاعنة بالأحزان، متشبّعة بالخذلان، وزكيُ خيرُكِ تلوكُهُ أفواهُ اللّاهينَ في مساءٍ عابثٍ.
لا يا زهرتي... لا يا بنتي!