يقول (نورثروب فراي) في معرض حديثه عن علاقة التفكير البشريّ بالخيال: إن هذه العلاقة تأسيسيَّة في سؤال الحضارة الإنسانيَّة ولا يمكن القفز عليها. مبعث ذلك بالأساس "أن الناس لا يفكرون بطقم من الافتراضات العلميَّة عادةً؛ بل يفكرون أكثر بأطقُم من القصص، ويشتقون الافتراضات والمعتقدات منها لاحقًا". ومفتاحيَّة هذه العلاقة بين أطقم القصص وافتراضات العلم في كافة أشكاله المختلفة، هي أنّها تتوزع على ميادين خصبة للعلوم الإنسانية بشكل خاص، وفي ارتباط مباشر بما طوَّرته من منهجيَّات، وما حققته تجاه مهمة دراسة وتأويل مختلف النصوص والمخطوطات السرديَّة والأساليب المختلفة للفنّ في مضمار تطوُّر تاريخ الحضارة الإنسانيَّة.
ومن نافلة القول هنا، إنّ هذه النتائج المترتبة على ذلك ليست مستخلصة فقط من ميدانَي الفنّ والأدب والعلوم الإنسانية والاجتماعية فحسب، بل نجد بعض التوكيدات من داخل حقول العلوم الصحيحة بالمقارنة. فعالم الفيزياء (ألبرت أنشتاين) (1879-1955) على سبيل المثال لا الحصر، أكَّد في أحد أقواله مرَّة أثناء هذه المناقشات الضروريَّة عادةً بين العلماء حتى وإن لم تكن صحيحة وذائعة فقط "أنَّ الخيال أهمَّ من المعرفة" لكن ليس هذا هو التأكيد الوحيد أيضاً في هذا المجال كما سنرى، بل يرد باعتباره شكلًا تأسيسياً للإجابة عن سؤال يُعاد طرحه مرَّة أخرى في سياق التحوُّل الكبير داخل فروع جديدة ناشئة جديدة في فلسفة العلم وفي حقول نظريَّة المعرفة المختلفة، باعتباره سؤالاً يمثِّل النقطة الفارقة تاريخيًّا بين شكلين من أشكال المعرفة العلميَّة نفسها، وهما شكلاها المحكومان بقواعد علم المنطق الوضعي التقليديّ القائم على تصوُّرات علميَّة قديمة، وشكلها الآخر المنفتح أكثر على أسئلة العلاقة بين الخيال والمعرفة.
أمَّا بخصوص علاقة أنشتاين بذلك التأكيد فيرد ذكرها في سياق تأثُّره المباشر بكتابات قديمة لـ(ديفيد هيوم) (1711-1776) حول "مبدأ السببيَّة" المنطقيّ وصلته المباشرة بريبيَّة هيوم وأفكاره التجريبيَّة حول الطبيعة البشريَّة التي تبدأ المعرفة بملكة الإدراك الحسِّي وتعتبره مصدرًا وحيدًا للمعرفة الموثوقة. فقد "كان هيوم من وجهة نظر لوك وبيركلي يرتاب في أي معرفة بخلاف ما تستشعره الحواس مباشرةً، وحتى قوانين السببيّة الواضحة كانت في رأيه محلّ شكّ؛ علاقات ألفها العقل لا أكثر. فاصطدام كرة بأخرى قد يسير بالطريقة التي تنبأت بها قوانين نيوتن مرّة بعد مرَّة، لكن هذا ليس في الحقيقة سببًا يدعونا للاعتقاد بأنّه سيسير بنفس الطريقة في المرَّة القادمة".
على النقيض من مبادي فيزياء نيوتن "كان هيوم يرى بوضوح أن المفاهيم مثل مفهوم السببيَّة على سبيل المثال لا يمكن أن نصل إليها بطرق منطقيّة من ملاحظاتنا للتجارِب. وقد ظلّ هذا الحوار مستمرًا بين علماء الطبيعة والإنسانيَّات في مختلف العصور، وقد تأثَّروا ببعضهم بعضًا بطريقة أو بأخرى، يؤكدها مثل هذا الأثر الذي خلفه عالم الإنسانيّات ديفيد هيوم على تصوُّر أنشتاين لدور الخيال في نظريَّته الفيزيائيَّة، بمثلما يمكن أن نلحظ تأثير منهجيَّة العلم الطبيعي في رأي فيلسوف واقتصاديّ لامع في عصره مثل ديفيد هيوم. لكن هل ظلَّت هذه العلاقة محكومة بشكل التأثير الفرديّ المباشر أم ظهرت في ترابط تاريخ العلوم نفسها بطرُق مختلفة؟ وهل هي علاقة منهجيَّة يمكن التدليل على صحتها المعرفيَّة من خلال التأكيد القاضي على أنّ "أي معرفة موضوعيَّة، كما يمثِّلها نموذج العلوم الطبيعيَّة والرياضيَّة، والتي تفترض قيام مسافة لا يجدر تجاوزها بين الذات والموضوع، لا يمكن لها أن تتحقَّق في مجال علوم الإنسان وإلا وقعنا في خدعة الوضعيَّة التشيئيَّة.
في مجالي الرياضيات والهندسة نجد إجابة أوليه لهذا التساؤل، حيث أكَّد عالم الرياضيات الأمريكيّ من أصول فرنسيَّة (بينوا ب. مانديلبروت) (1924- 2010) تاريخيَّة هذه الظاهرة حتى في بواكير الحداثة الأولى التي مهَّدت لأفكار عالم الفلك والفيزيائيّ الإيطاليّ (غاليلو) (1564-1642). فقد أكَّد مانديلبروت "أن التأثير الكبير المعروف لإقليدس على تفكير غاليلو قد تمَّ عبر الرسم وفنِّ العمارة"، وقد حدث هذا التأثير إجرائيًّا بواسطة الفصل الذي تمَّ بين عُنصري الفراغ والفعل في المنظور ضمن فنّ الرسم الإيطالي في تلك الحقبة، حينما "أصبح الفصل بين الفراغ والفعل أحد السمات الرئيسيَّة التي تميِّز إحدى مراحل فنّ الرسم الإيطاليّ بشكل عام. نحن جميعًا نعرف بعض لوحات بداية "عصر النهضة" كلوحة القديس (سبياستيان) الشهيد، بريشة (بييرو ديللا فرانشيسكا) (1420 – 1492) ونرى فيها المنظور وقد بلغ حد الكمال، ونقطة التلاشي تكاد تأخذ بالألباب. الفراغ هو وعاء مجرَّد تحده جدران ضخمة، كما يقول مانديلبروت. وقد كان هذا الأسلوب في فنّ الرسم؛ مرحلةً لا غنى عنها في مسار تطوُّر العلوم الحديثة نحو تأسيسها الجديد على يد غاليلو. فـ"على سبيل المثال كانت فكرة غاليلو المتعلّقة بالقصور الذاتيّ تتطلب فصل وجود الفراغ عما يحدُث داخل الفراغ نفسه. ولم يكن هذا الفصل قد تمَّ سابقًا –هذا ما يؤكِّده مانديلبروت قبل أن يستطرد قائلًا في تطبيق هذه العلاقة على مجال الهندسة والعمارة- "لقد كنت أشعر على الدوام أن الهندسة بالمعنى الإقليديّ والفنَّ مرتبطان بقوَّة. وبالنسبة لي، تتمتع الهندسة بخاصية بالغة القوَّة البصريَّة".
هكذا تأخذنا فكرة السؤال حول خصوصيَّة هذه الظاهرة، بين وعلم آخر، إلى ملاحظتها في المقولات التأسيسيَّة لعِلم الهندسة وعلم الفيزياء النظريَّة، بعد أن أوردناها في السياق الذي عرَّف فيه (نيكولا كوبرنيكوس) فكرة الثورة من خلال استعارة مفهوم إرادة القوَّة التي "تجعل النجوم تسير في الدروب المرسومة لها في السماوات".
نخلُّص مؤقتاً إلى إنّ هذه العلاقة ليست مجرَّد علاقة تُنشِئها المصادفات والتأثير والتأثُّر الفردي المباشر، بل هي تأسيسيَّة في بناء نظريَّة المعرفة وفلسفة العلوم، وتظهر بشكل أوضح عندما تنطرح ضمن حقول الأدب، والفلسفة، والفنون. لماذا؟
إذا أردنا تنظيم إسهام العقل البشريّ في ميدان المعرفة وفق مرجعيَّة تاريخ الحضارات الإنسانيَّة لا تاريخ العلوم؛ فإنّ الأدب يأتي تاليًا بعد الأسطورة من حيث السيادة على العقل وتوجيه تفكير الإنسان في مختلف أشكاله العلميَّة المعروفة تاريخياً. فالأسطورة باعتبارها جهدًا بدائيًّا للخيال البشريّ من أجل المماثلة بين الإنسان والعالم، هي الأقدم تاريخيًّا في محاولات تعريف العقل، أمّا الأدب ابن الأسطورة الشرعي فهو الوريث الأكثر مشروعيَّة لإعادة التفكير فيما هو بدائيّ من جهد الخيال نفسه، بعد مضاهاته بالمعرفة البشريَّة لكل عصر أو لكل حقبة تاريخيَّة منفصلة، ولقد كانت هذه المهمة على الدوام هي مهمة الأدب والفلسفة وموجات أساسيَّة في تاريخ الفنون.
تطلعنا فلسفات اللغة المعاصرة التي هي جزء من فلسفة العقل، على أنَّ الخيال ليس زائدًا على ملكات العقل الأساسيَّة، بل هو جزء أصليّ ومقوِّم لمعنى المعرفة نفسها وشريك أصيل في صناعتها، لكن ماذا يعني الخيال وفق هذا المفهوم؟ يجيبنا الفيلسوف الألماني (هانس جورج غادامير) (1900-2002): من خلال إعادة وضع السؤال في صيغة تقريريَّة مباشرة: "لا يعني الخيال هنا كفاءة مبهمة في تمثُّل الأشياء؛ بل له وظيفة تأويليَّة. إنَّه في خدمة المعنى والشيء الجدير بالمساءلة وإمكانيَّة طرح الأسئلة الحقيقيَّة التي لا يتوصَّل إلى طرحها سوى من يتحكَّم في جميع مناهج نظامه المعرفي" بما فيها من علم وأدب وفنّ؛ وبالضرورة قدر مناسب من الخيال التقويميّ الصانع للمعنى ولتصوُّر العقل عن حقائق الوجود المجرَّد.
من هذا الحد يمكننا إعادة طرح وصياغة السؤال هذه المرَّة، باعتباره سؤالًا محورياً عن دور العلوم الإنسانية والاجتماعية المعاصرة المختلفة في مهمة تفكيك مركزيَّة العقل ومحاولة تخليصه من ميتافيزيقيا التمركز على نفسه وأوهام الهويَّة والأنا، باعتبارها أسئلة المشكلةً التأسيسيَّة للعقل الحديث. ونحاول في هذه الجولة هنا، أن نُطوِّر هذه العلاقة الجوهريَّة للعلوم الرياضيَّة بالفنّ من خلال إقرارهما المشترك بدور رئيسيّ للحدس في نظريَّة المعرفة. باعتباره مفهومًا جوهريًّا في تطوُّر الرياضيَّات وعلومها المختلفة وبعض أشكال الهندسة الإقليديَّة، ويظهر أيضاً دوره المهم ضمن علاقة العلوم بالفنون أو علاقة الخيال بالمعرفة.
وتوسُّعًا في تعاريفه المختلفة يورد عالم الرياضيات المعروف (هنري بوانكاريه) (1854-1912) تعريفه للحدس قائلًا: إنَّ "الحدس شعور بمجموعة من التداعيات والترابطات؛ لذا رفض اعتبار حقائق الهندسة ومقولاتها مفروضة على ملكتَي الحساسيّة والفهم؛ لأنَّ ذلك يتعارض مع دور التجربة في المعرفة العلميَّة، وعليه ينفي حدس الزمان، وبالتالي تزامن الأحداث والظواهر". وفي خطوة أولى لإدخال هذا المفهوم بنيويًّا ضمن وظيفة إبداع البراهين، قام هنري بـ"منح الحدس دورًا جوهريًّا في البناءات الرياضيَّة. فإذا كان المنطق نسقًا من الحقائق التحليليَّة، والحساب بناءً تركيبيًّا قبليًّا بالمعنى الكانطي، فعلى الرياضي استعمال المنطق للبرهنة والحدس لإبداع البراهين".
من جهة أخرى وخلال تحديده لوظيفة محدَّدة للخيال في علم الرياضيَّات يورد بوانكاريه التعريف الثلاثيّ للحدس، كما طوَّره ضمن المنطق الرياضي: "أولًا حدس يعتمد الحواس والخيال، ثانيًا حدس استقرائيّ، ثالثًا حدس العدد الخالص الذي تصدر عنه بديهية الاستقراء الرياضيّ، وهو حدس عقليّ يقينيّ. ثُم يضيف إلى هذه الأنواع نوعًا رابعًا في كتاب العلم والمنهج هو عبارة عن حدس الابتكار الرياضيّ الذي يشبه مفهوم الإلهام لحد بعيد. ويقول في ذلك "تُشتق الحقائق الرياضيَّة من عدد محدود من القضايا الواضحة بواسطة سلسلة من الاستدلالات المنزَّهة عن الخطأ" أو القضايا اللا مُبرهنة كليًّا كما جاءت تسميتها في فروع مختلفة للعلوم الهندسيَّة.
أمَّا بالنسبة لعلاقة الفلسفة بالفنّ أولًا، ثم علاقة الفن نفسه بمفهوم الحدس، فهذا مما أفاضت فيه الفلسفة المعاصرة بشيء من التدقيق، خلال تساؤلها العام عن علاقة الفكر بوصفه معرفة بالخيال النشطـ والمنظَّم الذي هو الفنّ في نهاية المطاف.
إنَّ العلاقة بين الفكر والفنّ هي علاقة جدّ قديمة ومرتبطة عضويًّا بمفهوم الصيرورة ودور الخيال في صقل وتنقيح الفكر في صور مجرَّدة باعثه على التساؤل عبر ما تبثه من إشارات دالة. إذ "ترغمنا إشارات الفنّ على التفكير: إنّها تحرِّك الفكر المحض باعتباره ملكة للجواهر. وتثير في الفكر ما هو أقلَّ اعتمادًا على إرادتها الطيبة: فِعل التفكير ذاته. فالإشارات تحرِّك، وترغم واحدة من ملكاتنا: الفطنة، الذاكرة، والمخيلة"، كما أنها توسَّع دور دراسة هذه العمليات الوظيفيَّة للفنّ في إنتاج الفكر، من خلال عناصر: الإشارة، والرمز، والإيحاء بالمقابل.
إنَّ علاقة العمل الفنيّ بالفكر والفلسفة تكمن في الأسلوب الذي يتكلَّم به الفنّ إلى الإنسان بشكل عام، فمن خلال محاولة إضفاء معنى للحياة في نزوعها الدائم للتغيُّر والانفلات من قبضة المعنى. فالعمل الفنيّ "يُخبر المرء بشيء ما، وهو بذلك يخالف الطريقة التي تقول فيها الوثيقة التاريخيَّة شيئًا ما للمؤرِّخ". فالعمل الفنيّ يقول شيئاً ما لكلّ فردٍ كأنَّه قد قيل من أجله خصيصًا من خلال الأسلوب.
إذْ تكمن قوَّة الفنّ في تلك العلاقة التي تجمع بينه وبين تأثيره المباشر في الإدراك عبر وساطة الخيال الفني الذي يقترح هو الآخر منهجيَّة إنسانيَّة جديَّة في محاولات فهم وتفسير العلاقة بين الإنسان والعالم. لذا "ينبغي أن ننظر إلى الفنون بنفس القدر من الجديَّة بوصفها وسائل للاكتشاف والإبداع، وتوسيع معارفنا بالمعنى الواسع لتقدُّم فهمنا، مثلها في ذلك مثل العلوم"، وربما أكثر سرعة من حيث سيولة منهجيَّتها بذات طريقة سيولة الحياة في المجتمعات الإنسانية المختلفة التي أنتجتها في سياق محدَّد.
يمكننا القول إذن؛ إنّ علاقة الفنّ بالحدس علاقة جوهريَّة وضاربة في القدم منذ أن كانت العلوم كلها مشمولة في علم واحد هو الحكمة، تخصَّص وانفصل كعلم مستقل حسب تطوُّره الذاتي، وقدمه ورسوخه عبر التاريخ، ومدى التزامه بمنهجيَّته، وإنّ "إلقاء نظرة سريعة على تاريخ علم الجمال، يعلمنا أنّ الفنّ والأدب مرتبطان ارتباطًا وثيقًا بمفهوم الحدس"، ويلعب الحدس دوره كاملًا كوسيط للتعرُّف والشعور بحقيقة ما. ويمكننا الإضافة إلى ذلك أيضًا أن المكانة التي يكتسبها دور الحدس في العمليات الفنيَّة نابعة أوليًّا، وقبل كل شيء، من كون الفنّ "يقع في موضع يتوسط الطريق بين الفهم العقليّ وتجربة الحواس كما عبَّر عن ذلك الكثير من الفلاسفة".
وقد اهتمَّت تيَّارات فنيَّة بعينها بفحص وتطوير سؤال العلاقة بين الحواسّ والعقل في التجربة الإنسانيَّة، كما اهتمَّت أيضًا بمحاولات توليد مفهوم مختلف للحقيقة بوصفها أثرًا فنيًّا يسطع عبر لغات الأعمال الفنيَّة المختلفة والرفيعة، ونحن بشكل عام دائماً ما "نقوم أمام عمل فنيّ ما بتجربة الحقيقة التي لا يمكن بلوغها عبر طريق آخر؛ وذلك ما يعطي للفن آخر الأمر معنىً فلسفيًّا"، ويجعل علاقته بالفلسفة أكثر عناية بتدبُّر مسائل الوجود ومتذوقاً لطعم السمو والرفعة، ومُتَّكأً على دور مائز للخيال في نظريَّة المعرفة المعاصرة، خصوصًا في جانبها التطبيقيّ المرتبط بحدس الزمان وبأسئلة الإنسان التي تُشكِّل قوام اللحظة التاريخيَّة الملوسة، وقياساً إلى حدود معرفة العقل بدور المعطى الحسي في نظريَّة المعرفة الفينومينولوجيَّة المبكرة.
لقد كان "هذا التمييز بين المحسوس والمعقول في نظام المعنى هو نفسه الذي شرع ديريدا في تفكيكه في نصوص هوسيرل. والحقيقة أن هذا التمييز نلمسه كما يقول ديريدا في كلّ فلسفة تخضع لفكرة أسبقيَّة المعنى على العلامات اللغويَّة التي تُستخدَم في نقله". وقديمًا كان "كانط يتميَّز بكونه أكثر الفلاسفة الذين انشغلوا بهذه الأسئلة، قد أعاد الاعتبار للمخيلة وأكَّد دورها في عمليَّة الانتقال من الحساسيَّة إلى الفاهمة البشريَّة، وميَّز بين حُكم العقل وحُكم الذوق، وأعطى الذاتيَّة أبعادًا مخالفة لتلك التي أعطاها إياها ديكارت، حين تبرَّم من الفهم التجريبيّ للذوق، معتبرًا أنَّ حُكم الذوق يفترض توسيع إطار الموضوع والذات لخلق تواصل مع الجمال – أو الإبداع الفنِّي.
فإن كان موضوعه شعور خاص وحميميّ، أو مقاربة رؤية كليَّة للعالم، فإنَّه يستنهض نوعًا من أفكار العقل الموجودة لدى كُلّ إنسان. وبذلك يتعالى على الذاتيَّة الخاصة ويولِّد حسًّا مشتركًا، ويغدو الموضوع الجميل موضوعًا حسيًّا وعقليًّا في نفس الوقت، وبالتالي قابلًا للتواصُل والتبادل".
أما بالنسبة لمشكلة مركزيَّة الذات؛ فقد ظهرت وهي تتسمى بـ"ذات التاريخ" المرتبطة بحيل التنوير الهيجليَّة أو ذات الآيديولوجيا عند ماركس، أو الذات المنغمسة في تخيُّلها الميتافيزيقي والمقنَّعة بالأخلاق والأوهام عند نيتشة، ثمَّ الذات المنشطرة المنبعثة من تمزُّق عميق في الكيان الموزَّع بين النزوع إلى الوعي وقوى اللاوعي عند فرويد. بين هذه الاختلافات النقديَّة تزحزحت الذاتيَّة عن مواقعها بوصفها مصدرًا للمعرفة والذوق، بل بِفضلها اهتزت النظرة الغربيَّة للذات اهتزازًا معرفيًّا حقيقيًّا"، وقد أسهمت حركة الفنون إسهامًا فلسفيًّا دقيقًّا من خلال إضاءتها لأساليب عديدة في تأويل الذات وتملُّكها معرفيًّا من خلال الفن.
***
يمكننا تلخيص مشكلة العقل -بوصفه نظامًا منطقيًّا قواعديًّا لا نظامَ خلق وإبداع- باعتبارها مشكلة تمخضت عن تعريف مفهوم عقل عصر التنوير الذي هو متناهيًا في مقابل وظيفة مطلقة، كما يقول (يورغن هابرماس) (1929): "حيث جعلت هذه التعريفات المختلفة العقل محدودًا بوظيفة الفهم حصرًا، وتغاضت عن وظيفته في فعل الخلق والإبداع. "أخطأ هذا العصر –يقصُد عقل عصر التنوير- بوضع ملكة الفهم والتفكُّر مكان العقل وبالتالي؛ رفع شيئًا متناهيًا إلى مرتبة المطلق"، كما أخطأ أيضًا حين رسَّخ فكرة الحقيقة القائمة على مبدأ التطابق والبُرهان التجريبي وتغافل عن جانبها الحدسي والمتخيَّل، ولذلك فقد أفرغ هذا التحديد العقل من وظيفته الأهم المرتبطة بالخيال بوصفها دافعًا للخلق والإبداع، وكلاهما من أخطاء عصر التنوير.
المراجع: 1- حوار مع نورثراي فروب – ضمن كتاب النقد والمجتمع: حوارات – ترجمة وتحرير فخري صالح – دار كنعان للدراسات والنشر والتوزيع – دمشق سورية – ط1 – 2004. ┇ 2- أنشتاين وعالمه – والتر إيزاكسون – ترجمة هاشم أحمد محمد – مراجعة مجدي عبد الواحد عنبة وسامح رفعت مهران – كلمة وكلمات عربية للنشر والترجمة – أبو ظبي القاهرة – ط1 – 2010. ┇ 3- د. محمد علي الكردي – من الوجوديَّة إلى التفكيك: دراسات في الفكر الفلسفي المعاصر – دار المعرفة الجامعيَّة – الإسكندريَّة – ط1 – 1998 – ص112. ┇ 4 - مناهل الإبداع – مجموعة مؤلفين – تحرير كارل ه. بفننغر وفاليري ر. شوبيك – تعريب مها حسن بحبوح العبيكان – الرياض – ط1 - 2003. ┇ 5- فلسفة التأويل: الأصول، المبادئ، الأهداف. – هانز جورج غادامر – ترجمة محمد شوقي الزين – الدار العربيَّة للعلوم ناشرون – منشورات الاختلاف – الجزائر – ط2 – 2006. ┇ 6 - الفلسفة الغربيَّة المعاصرة: صناعة العقل الغربي من مركزيَّة الحداثة إلى التشفير المزدوج – الجزء الأوَّل – إشراف وتحرير د. علي عبود المحمداوي – تأليف مجموعة من الأكاديميين العرب – تقديم علي حرب – منشورات ضفاف الرياض بيروت – منشورات الاختلاف الجزائر – دار الأمان – ط1 – 2013. ┇ 7 – بروست والإشارات – جيل دولوز – ترجمة حسين عجَّة – دار أدب فن والمنتدى الثقافي العربي – القاهرة ط1 – 2008. ┇ 8 - فلسفة الفن: مدخل إلى علم الجمال – جوردون جراهام – ترجمة محمد يونس – الهيئة العامة لقصور الثقافة – سلسلة آفاق عالميَّة – القاهرة – ط1 – 2013. ┇ 9 - هانز جورج غادامر - تجلي الجميل – تحرير روبرت برناسكوني – ترجمة ودراسة د. سعيد توفيق – المشروع القومي للترجمة – المجلس الأعلى للثقافة – القاهرة – 1997- ص305. ┇ 10- مسارات فلسفيَّة – حوارات: "مجموعة من الكُتَّاب" – ترجمة محمد ميلاد – دار الحوار للنشر والتوزيع سورية - اللاذقيَّة – ط1 – 2004. ┇ 11- د. محمد نور الدين أفاية - الفن والسُلطة – مجموعة مؤلفين – الإعداد والتحرير: د. مصطفى عيسى – وزارة الثقافة والفنون والتُراث – الدوحة – ط1 – 2010 – ص80. ┇ 12- عبد المنعم عجب الفيا – في نقد التفكيك: نصوص مختارة مع مقدمة نقديَّة شاملة – ترجمة وتأليف – منشورات الاختلاف /الجزائر – منشورات ضفاف /بيروت/ الرياض – دار الأمان /الرباط – ط1 – 2015 – ص224. ┇ 13- يورغن هابرماس - القول الفلسفي للحداثة – يورغن هابرماس – ترجمة د. فاطمة الجيوشي – منشورات وزارة الثقافة – دمشق – ط1 – 199.