ربى

سهام الوادودي


هرعت ربى إلى الحديقة ودوي صراخها يجلجل في المكان. ثم رأتها تخر ساقطة على الأرض. صديقتها ورفيقة صباها وعالمها كله. كان الرجال بقربها يحملون السواطير في أيديهم وعلى سواعدهم تتلألأ قطرات العرق النافر، بينما تعلو وجوههم القذرة كل علامات الرضا عن النفس. أطلقت صرخة فزع أخرى، وانتفض جسدها بعنف قبل أن تسقط بدورها على الأرض مثل ورقة ميتة عصفت بها هبّة ريح وتقاذفتها عالياً قبل أن تخسف بها على الأرض.

ومنذ ذلك اليوم، حلت ربى نزيلة بمشفى الأمراض النفسية.

يتحدث الطبيب مع والدتها في أحد الممرات، ويقول بأنها تعاني من صدمة نفسية حادة. تطلق الأم ضحكة متشنجة قبل أن تجيب بشيء من الاستنكار: "هذه الفتاة عاشت طوال حياتها آمنة مطمئنة لا ينقصها شيء، ولم تواجه يوما ما يقض مضجعها، عمّ تتحدث يا دكتور"؟ يسأل الطبيب إن كانت قد نجت من فاجعة ما. تضحك الأم مجدداً ضحكتها التي طالما أحبتها ربى نقية كخرير الماء. تتدارك نفسها، وتؤكد بهدوء أنها ولدت بعد الفاجعة بقليل. ثم تروي للطبيب في ما يشبه الاستحياء أعجوبة نجاتها وأسرتها من قذائف القصف الغادر، وأعجوبة مغادرتهم للبلاد.

طوال الليالي التالية، تجد ربى صعوبة في النوم، صوت بكاء وأنين مستمر وصراخ حاد يملأ المبنى. في الغرفة المجاورة، حركات مشبوهة تشعرها بالقلق: خدوش وأصوات واحتكاك وصرير متواصل.

في الصباح، تخبرها الممرضة بأن النزيل في الغرفة المجاورة رجل لا عمر له، يقيم في المشفى منذ سنوات. خلال النهار، يجلس منكمشاً على كرسي أمام النافذة، أما بالليل فيزحف على الأرض ويحاول عبثاً أن يتسلق جدران الغرفة.

يجافي النوم عيون ربى وتعاودها المخاوف من جديد حادة كالسكاكين. في ظلمة الليل، تحدق في السقف، تراقب حركات الوزغ المترنحة وتنصت إلى صوت الرجل الصرصار وهو يركض على جدران الغرفة.

المشفى أشبه بسفينة ليل تجمع أشلاء الإنسانية من قاع سحيق، تنتشل المحترقين بلهيب الحياة. أولئك الذين أرهقتهم أمواج الألم وخذلتهم شواطئ الأمل، المنهكين بالضغوط العائلية والتقاليد الاجتماعية، والهاربين من المسرحية الكبرى، مسرحية العيش وسط مجتمع يراقب أدق ما تفعل وما لا تفعل. إنه يأوي بالأساس تلك الظلال الخاملة التي اختارت أن تحيد عن سكة الحياة المسطرة سلفاً. وتلك الأرواح التائهة التي تعيش في عوالم بلا أضواء مثل أصداف بشرية ملآى بالعذابات والكوابيس التي لا شفاء منها.

يحاصرها الطبيب بأسئلته مجدداً، يريد لها أن تتكلم، يريد أن يعرف ما الذي وصل بها إلى هذه الحال. لكنها لا تجرؤ على قول شيء. تنتمي إلى تاريخ علمها أن تبتلع مشاعرها وتسكن دموعها في المحاجر. يلح الطبيب فتزداد انغلاقاً على نفسها، فالقلوب أسرار. ثم كيف لهذا الرجل أمامها أن يفهم بأن السبب في ذلك هو الشجرة: شجرتها، صديقتها ورفيقة صباها وعالمها كله.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها