تراجيديا الإنسان.. وديستوبيا الحياة

فـي رواية: (عن لا شيءَ يحكي)

د. رياض موسى سكران

منذ (الأبجدية الأولى) وهي الرواية الأكثر شهرة وانتشاراً، يبدو الروائي (طه حامد الشبيب) وكأنه يمارس طقوس الخيمياء التي يجيد عوالمها السرية والسحرية بمهارة كبيرة، ويتقن صنعته بحرفية عالية في روايته الجديدة (عن لا شيء يحكي)، دون أن يجعل قارئه غارقاً في عوالم السرد الإيهامية أو تجليات شعرية الرواية، بل يبقيه مترقباً ومتيقظاً إزاء كل ما حدث في الماضي، وما سيترتب لاحقاً، بناءً على (ما حدث) من وقائع قادمة، حقيقية كانت أم متخيلة، افتراضية كانت أم وهمية، فالأحداث في حركتها المتصاعدة نحو ذروة الفعل التراجيدي، تتداخل وتتشابك، وتتعاضد وتتشاكل، وتسبق الزمن ويسبقها، ليمتزج فيها الألم التراجيدي بالحس الكوميدي، ضمن مفهومات الكوميديا السوداء، ليتفاعل فيها (الواقعي) بكل تجلياته بـ(المتخيل) بكل إنثيالاته.

ويتصاعد البناء الدرامي لأحداث الرواية، وتنمو أزمة البطل التراجيدي باتجاه قمة هرم البنية الدرامية للرواية، وهي الأزمة التي شكلت العمود الفقري لبنية الرواية، وتصطدم المواقف وتشتبك، ويتصاعد معها مؤشر تفاعل المتلقي مع وحدات وعناصر معادلة الطقوس الخيميائية، التي منحت الرواية أجواءها التراجيدية المحتدمة والمتفردة منذ (الاستهلال)، حيث تعرفنا فيه على شخصية (حمادي) الذي فقد بصره حين كان في الخامسة من عمره، وهو الآن في السبعين، على الرغم من إن (مَن يراه يحسبه قد دخل خمسينات عمره تواً)، (ونحن نتقدم نحوه، لم نبلغ مكان وقوفه بعد، حتى صاح: وين صرتوا..؟ ليش اتأخرتوا..؟ ولما سألناه، كيف علم أننا نحن القادمين إليه لا غيرَنا، أجاب، وهو يقسم بروح أمهِ، إن قلبه قد أكد له ذلك..).

فالقارئ إزاء شخصية فقدت بصرها لكنها تمتلك البصيرة الحادة المتيقظة لما يجري حولها، وهي تمتلك الرؤية لما ينبغي أن تفعله، لكنها لا تمتلك أدوات تحقيق هذه الرؤية، فهي لا تمتلك القدرة على تغيير ما يجري في واقعها المرير، وهنا تكمن واحدة من أسباب دفع (حمادي) لليأس والقهر والإحباط، ليس من هذا الواقع فحسب؛ وإنما من الظروف القدرية التي جعلته أعمى، فهذا العمى قد أوثقه بسلسلة لا متناهية من القيود والمحددات، بين ما ينبغي عليه فعله، وبين حدود وإمكانات قدرته المرتبطة بحركته المقيدة بحكم العمى.

فالرواية تحيل إلى ذلك التماهي الذي يحدث بين شخصية (حمادي) التي تمتلك الرؤية والبصيرة والإرادة، وبين سطوة الواقع الذي يحد منها ويحكمها، فالظروف القدرية توجد في التركيبة الداخلية لشخصية (حمادي)، وخارجها أيضاً، وما يحدد الرؤية التراجيدية في هذه الرواية، ليس تعذر الحل أو استحالته، بل الطابع العبثي لمفهوم الحل نفسه، فإذا كان (حمادي) يحتاج إلى حل؛ فلأن شيئاً ما ينقصه، فليست التراجيديا استثناءً عن حياة (حمادي)، مثلما هي ليست استثناءً غريباً عن الحياة بمجملها، ولا عنصراً دخيلاً عليها، بل إنها توجد في كل مكان وكل زمان، وهي جزء أساسي من صيرورة الحياة والواقع.

فتحت مقدمات الرواية أفق القراءة بمستوياتها المتباينة على فضاءات التلقي، منذ البناء الاستهلالي المشحون بمحمولات الطاقة السيميائية المتداخلة لشخصية (حمادي)، الشاهد على ما حدث والرائي لما سيحدث، فهو السارد والبطل في الآن ذاته، وقد خلق لدينا كمتلقين، مساراً استنتاجياً، بأننا إزاء رواية شخصية (بطل)، بغض النظر عن كونها شخصية (بطل إشكالي)، (بطل واقعي)، (بطل متخيل)، (بطل إفتراضي). وعلى الرغم من أن أهم متعاليات بنية شخصية هذا البطل التراجيدي مرتبطة بكونه فقد بصره في عمر مبكر، إلا أنه يمتلك بصيرة حادة، وهي إحدى سمات هذه شخصيتة التي ترى الواقع من خلال بصيرته لا بصره، ليرى من خلال هذه البصيرة تلك الأعماق القصية، ولا يقنع بكشف سطوح الأشياء، كما هي حال الكثير من المبصرين الذين يتعامون عن رؤية الحقائق كما ينبغي أن تكون، أو كما هي على الأقل.

وعزز اعتماد الروائي على أسلوب التماهي في السرد ما بين الراوي والشخصية في سرد الأحداث بضمير المتكلم، فضلاً عن التداخل ما بين أسلوب واقعي مرة، وأسلوب رمزي مرة أخرى، قد عزز من جماليات صنعة الخطاب الروائي، ولعبة السرد التي تمخضت عنها تجليات ونواتج تفاعلات كيميائية بين المتلقي، و(حمادي) الأعمى، بكل ما تحمله شخصيته من تداخلات وتعقيدات واضطرابات ومواقف وتأزمات، وترسيخ الشعور بالتماهي مع هواجسه التي لا تنتهي، عبر خلق حالة التوهم أو الشكوك عند القارئ في صدقية ما يسرد له (حمادي) من وقائع وأحداث، أو عدمية ما حدث وما يحدث.

ومن أجل ربط الحكايا والمواقف المقطوعة بعد توقفها أو مقاطعتها بحدث ما؛ فإن (حمادي) يقول عادةً: (المهم، خلوني أرجع للحكاية أخوان..)، وبذلك غدت الوقائع اليومية الحقيقية أو المتخيلة أو المفترضة أو الوهمية، بل وحتى تلك الخارقة للمألوف والخارجة عن المنطق، كونها وليدة مخيلة شخصية (حمادي) الضبابية لكل ما حوله من وقائع وأشياء وأحداث، تجعل القارئ يمنح الحق لـ(حمادي) في كل ما يقول ويتخيل ويزعم ويتوهم، جراء كل هذا الشعور بالألم والقسوة، وكل هذا اليأس والعذاب والقهر الاجتماعي الذي دفع ثمنه مع عائلته الفقيرة، حتى وصل به الأمر إلى تهديم بيت الأسرة (طابوقة طابوقة) -على حد ما جاء في الرواية- ومساواته بالأرض، إرضاءاً لعقليات ومزاجيات مجتمع متناقض منافق، يرضى بأن يعدم أسرة كاملة من أجل قيم مزيفة.

وبسبب هذا التزييف والنفاق والكذب، تعرضت الأسرة للإهانات والمقاطعة الاجتماعية، ما دفع (حمدية) أخت (حمادي) إلى الانتحار غرقاً، أو الإيحاء بذلك، حمدية الشابة التي تمتلك قدراً من الوسامة والجمال، متهمة اجتماعياً بالانفلات الأخلاقي الذي ألحق العار بأسرتها من جهة؛ فإنها من جهة أخرى تعاني من طمع الشبان وأمنياتهم بالحصول عليها. وسط هذا التناقض الاجتماعي، يصاب الأب بمرض السل المميت، وتشتت أطراف الأسرة إلى مناطق ومدن أخرى، بعيداً عن المكان الذي عاشت فيه وتآلفت لسنوات طويلة، في محاولة للتخلص من حرب الغمزات واللمزات التي صارت تلاحقهم في كل مكان وكل حديث ومناسبة، حتى أطيح بهذه الأسرة الفقيرة، جراء هذا السلوك العدائي الذي رسخته تقاليد اجتماعية وهمية وزائفة، وعقليات إقصائية وأنانية، تبيح لنفسها ارتكاب الأفعال التي تحرمها وتجرمها عند الآخر، لتكشف الرواية في بعدها الإيحائي، ومن خلال أسلوب السرد الرمزي، عن فوضى عالم مرير، ضمن مجتمع مخيف وغير مرغوب فيه، عالم واقعي أم خيالي أم وهمي، عالم ديستوبيا (Dystopia)، ليس فيه مكان لفعل الخير، (وهي نقيض اليوتوبيا Utopia)، إذ يحكمه ويتحكم به شر مطلق، ومن ملامح هذا العالم، الخراب والقمع والفقر والمرض، فهو عالم يتجرد فيه الإنسان من إنسانيته، ويتحول فيه المجتمع إلى مجموعة من مسوخ تناحر بعضها بعضاً، فالرواية كشفت عن قاع مجتمعها وعمقه الحقيقي، عبر أجوائها التي مثلت رؤية وقراءة جريئة، وحفراً عميقاً في طبيعة تحولات الحياة في واقع المجتمع.

يتأثر (حمادي) بهذا العالم المشحون بالمتناقضات، ويتفاعل معه، ويتعاطف في الحالات الإنسانية بصدق روحي وسريرة صافية ونقاء، فليست موضوعات الإنكسار النفسي وعبثية الوجود واللاجدوى واليأس والألم والجنون.. هي مجرد تجريدات ميتافيزيقية، بل هي حصيلة تجارب وجودية واقعية وحقيقية، وهي انعكاس للواقع والفعل الإنساني أو اللا إنساني فيه، حيث يشعر (حمادي) بأنه بعيد عن الشعور بالرحمة والإنسانية، مسكوناً بهواجس العزلة والإحساس بالتهميش والإقصاء، ليجد نفسه أخيراً تحت وطأة هذه العذابات المستمرة والضغوطات المتواصلة، مشدوداً إلى القبح والوضاعة وفعل الرذيلة، يجرفه إلى ذلك واقع عنيد وقاس؛ ليقوده نحو مصيره التراجيدي المحتوم.

إنها رواية الشخصية، والشخصية هو (حمادي) الأعمى، الإنسان البسيط ابن الأزقة الضيقة والحارات الشعبية، ضحية مجتمع قاس وحياة قاسية، لا يجد أمامه سوى وجود فاقد لمعنى الوجود، وقيم إنسانية مسحوقة، وسط مجتمع لا مكان فيه للأمل.

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها