"غليلة" برأس الخيمة.. تاريخها وأهم معالمها!

زلفاء محمود أحمد عطية


 الموقع الجغرافي

هي قريةٌ تقع في أطراف رأس الخيمة بين خور خوير وشعم، وتنقسم غليلة إلى منطقتين، غليلة الجبلية شرقاً، وغليلة الساحلية غرباً، ويمر عبرهما طريق رئيسي، وتشتهر غليلة بأمطارها الغزيرة والرياح القوية السائدة، خلال فصل الشتاء، تملأ مياه الأمطار وادي غليلة والخزان الطبيعي الواقع خلف ساحل غليلة، تغمر المياه المنطقة، ويجلب الناس من جميع أنحاء إمارات الساحل العربي قطعانهم للرعي، ويستخدم السكان المحليون المياه أيضاً لأغراض الرّي. وقد عرفت المنطقة الساحلية أيضاً بالفيضانات، لذلك كانت المنطقة قبل الستينيات غير مأهولة بالسكان، ومع ذلك، تم استخدام المنطقة كملاذ صيفي من قبل السكان المحليين من جميع أنحاء إمارات الساحل العربي، وفي الصيف كان البحر يستخدم لصيد الأسماك والصيد في البحر.

 إعمار قرية الغليلة

بناءً على رغبة السكان المحليين، تم بناء المارينا في عام 1979م، على يد المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وهذا جعل الصيد أسهل وأكثر كفاءة، وأعطى الناس الفرصة لزيادة دخلهم، وهكذا انتقل الناس نحو الساحل، وتم إنشاء مجتمع محلي، حيث تم بناء المنازل، وإنشاء القرية تدريجياً، ومع ذلك، في الآونة الأخيرة، انخفضت كمية الأمطار بسبب التغيرات المناخية في جميع أنحاء العالم، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل تم إنشاء سَدٍ على وادي غليلة، مما منع وصول المياه إلى الخزان الطبيعي في غليلة، وقد أثر ذلك بشكل رئيس على المزارعين، الذين يعتمدون على مياه الأمطار في الريّ بعد فصل الشتاء.. وهكذا تحول الناس إلى الاهتمام والجهود المبذولة في مجال الصيد، فاعتمدوا على البحر من أجل البقاء، ويتكون نظامهم الغذائي من الأسماك، بالإضافة إلى أنواع أخرى من المأكولات البحرية، مثل الجمبري وسرطان البحر والأنشوجة والسردين وسمك القرش، وعلى النقيض من البدو، اعتمد الحضر على الماشية بدلاً من الإبل في الحصول على الحليب واللحوم1.

تم الاحتفاظ بالأبقار لتوفير الحليب الطازج للشرب، وكذلك لإعداد اللبن والدهن والزبدة والسمن داخل الأسرة، وتم الاحتفاظ بالأبقار في مجمع المنزل، حيث تتغذى على النباتات الصحراوية المحلية المكملة بالنباتات الناضجة، والتمر والسردين المجفف2، وعلى عكس البدو، كان الحضر يحصلون على المياه العذبة من خلال الآبار، وكانوا يستخدمون الثيران لسحب مياه الآبار العذبة، ويشربونها ويستخدمونها في الطهي...3.

 سكان قرية الغليلة ومهنهم

يستهلك سكان منطقة الغليلة الساحلية الأسماك بشكل يومي، في الصيف كانوا يصطادون ويبيعون، لكن في الشتاء يصبح الصيد خطيراً جدّاً، وهكذا قبل بداية الموسم يتوقفون عن تناول ثلاثة أنواع من الأسماك؛ الكناد والسد والقباب، يتم تقطيع هذه السلالات الثلاثة إلى شرائح وتنظيفها وتملحها، ثم ترتيبها في وعاء فخاري كبير، ثم يتم إغلاق الوعاء وحفظه في مكان جاف لمدة تتراوح من ثلاثة إلى أربعة أشهر، وبعد انتهاء المدة يتم أخذ السمكة التي تسمى الآن "المالح" أو "الشيف"، ويُقدم مع الأرز. كما يُجفف ويُحفظ الروبيان والأنشوجة والسردين وسمك القرش تحت أشعة الشمس، يتمتع سمك غليلاس المملح المجفف "المالح" بسمعة طيبة في جميع أنحاء إمارات الساحل العربي، ولذلك فهو يوفر للصيادين دخلاً ثابتاً طوال فصل الشتاء، حيث يشتري الناس من جميع أنحاء الإمارات "المالح" من هذه المنطقة.

 أشهر معالم قرية غليلة

يعدُّ وادي غليلة في رأس الخيمة واحداً من الأودية التي تتميز بجمالها الطبيعي؛ إذْ يضم العديد من المسارات والمرتفعات الجبلية، وأحدها يدعى "السلالم إلى الجنة"، حيث يمكنك تسلق السلالم عبر هذه المسارات الجبلية، ولكن ذلك يتطلب مستوى جيداً من اللياقة البدنية، كما ينصحك بأن تكون ضمن فريق مختص من ذوي الخبرة، مع توخي الحذر الشديد خلال عملية تسلق السلالم، والتي قد تستغرق وقتاً لا بأس به. يعتبر مسار السلالم طريقاً جبلياً قديماً للرعاة مكون من سلسلة من الممرات الحجرية التي تصل لارتفاع يقارب 2,000 متر، والتي توصلك في النهاية إلى قمة جبل جيس، خلال هذا المسار من الوادي إلى أعلى القمة، سوف تشاهد العديد من المناظر البانورامية الخلابة للجبال والأراضي الزراعية، حيث تُعرف المنطقة بإنتاجها للقمح، كما تتميز بوجود بيوت زراعية، وبالنسبة للمرافق المتوفرة في وادي غليلة في راس الخيمة، تعتبر المحلات التجارية المختصة ببيع الطعام والشراب داخله وحوله محدودة بعض الشيء4.

 غليلة في التاريخ الشفهي

عن وادي غليلة في التاريخ الشفهي، يُحدثنا سعيد علي أحمد الشحي -42 عاماً- قائلاً: تضم منطقة وادي غليلة العديد من الأماكن التي سكن أغلبها الأهالي، مثل منطقة حلحل والمتان، وسيدة والخب، وفيدات ولغبام، أما المناطق الجبلية التابعة للوادي، فهي بروت والقب، ورأس الغش وذادفلس، وتسمى أيضاً «الحلة»، وجميعها أسماء قديمة جداً ولا نعرف معناها. وأوضح علي سالم سعيد: أن وادي غليلة، يعتبر أكبر واد في المنطقة تغذيه عدة أودية صغيرة، ومنابعها متعددة مثل الوادي المقبل من رعلة جيس، وهو أعلى جبل في المنطقة، ومن الوح ولخوي، تُجرى من تلك المناطق أودية صغيرة تغذي وادي غليلة، وتجتمع في منطقة «السلي»، التي خصصت للوعوب التي يزرع فيها القمح قديماً، وأيضاً منطقة الخبة الشرقية، وقاندوس، وكلها أسماء لأماكن في الجبل كان يسكن فيها الأهالي، أوضح علي سالم سعيد: أن المساكن القديمة الجبلية كانت تصنع من الطين والحصى، وتقتصر حياة الأهالي على الاحتطاب وإعداد الفحم لبيعه في السوق، وما يميز بيئتنا الجبلية الفواكه اللذيذة التي تنتجها الأرض الصخرية، وتسمى «السقب»، وهو تين جبلي أحمر اللون، كانت الجبال تنتجه بوفرة، خاصة بعد المطر، وكذلك الخناصير، وهي نباتات جبلية مرة الطعم، إلّا أنها مفيدة جدّاً، وتستخدم للعلاج في كثير من الأمراض، والأهالي يبتدئون يومهم بأكلها على الريق، اعتقاداً منهم أن فائدتها تكمن في مرارتها، ولعدم اختلاطها بالأنواع الأخرى من الأكل، وقبل أكثر من 60 عاماً، يحكي أجدادنا أنهم كانوا يأكلون الغزلان التي تتكاثر بالجبال بكثرة.

وأضاف الشحي: أما المياه فقد كانت شحيحة، ويحرص أهل الجبال، على إعداد البرك التي تُبنى من الجص والحصى، ليتجمع الماء فيها، وتظل كالمورد يشربون منها هم وأغنامهم ومواشيهم طيلة العام، ويوجد طوي واحد موجود في المنطقة يسمى طوي «خرانة»، يتجمع الأهالي عنده، ليملأوا قربهم، ويعودون أدراجهم، فيما حالياً تتوفر المياه بكل سهولة في كل منزل، موضحاً أن الأهالي الذين عاشوا تلك الحقبة ما زالوا يسردون قصص المشقة، للبقاء على قيد الحياة، والحفاظ على النعم التي يتمتعون بها حالياً، بكل سهولة ويسر، للأجيال المقبلة5.

يقول المواطن سالم سعيد حسن الشحي: سميت، غليلة بهذا الاسم نظراً لشهرتها بكثرة الغلال والمحاصيل، وما زالت تحتضن العديد من الأشجار والنباتات المتنوعة التي تنمو على سفوح الجبال والأودية والسهول، ومن أهمها أشجار النخيل والسدر، والسمر والحناء والمرخ، ومن المحاصيل الشعير والبر واليح والفندال والبصل، ولا يزال الأهالي يمارسون تربية النحل خاصة في الأماكن التي يكثر فيها أشجار السدر والسمر، ويضيف: غليلة؛ قرية زراعية تغلب عليها الأجواء الريفية، وتنتشر فيها بساتين النخيل والمزارع، وكانت إلى وقت قريب مرتعاً للغزلان والظباء، ولا زالت حيوانات أخرى تشاهد حتى اليوم مثل الأرانب البرية، وطيور القطاه والحجل، والحمام وتستجلب مناظر منازل القرية القديمة، وأطلال المكان الذكريات من الماضي البعيد..

ويشير إلى أن الود والمحبة يسود أجواء غليلة الحميمية؛ لأن الأهالي متقاربون، وترجع أصولهم إلى القبائل العربية المعروفة التي سكن أبناؤها المنطقة منذ آلاف السنين، حيث اجتمعت في المنطقة مقومات الحياة إذ امتازت المنطقة بواديها الذي وفر لها المياه، وأسهم في انتشار المزارع وتربية المواشي والجمال، إضافة للتجارة التي اشتهرت بها منذ زمن بعيد إلى أن تغيرت موازين العمل والتجارة في الوقت الحالي، فغدا الوادي معلم أثري وشاهد على أصالة المنطقة6.

 


هوامش:
1 -  Alia Malik, Arfa Suliaman, Hind Dalmook, Mona Al Gurg, Nouf Ali, " As Nationals, it is our duty replenish and restore our traditions and culture, p.4.
2 - Iddison.p, (1999), Dairy Food in the UAE, Retrieved October, 27, 2005 from: http://www.enhg.org/iddison/oxsymp96.htm 
3 - Rashad Bukhash, Personal Interview, Assistant Director at the department of general projects and head of the historical buildings section, Dubai Municipality, October 2006 
 4. دليل وادي غليلة في رأس الخيمة، ماي بيوت، دبي.
5. حصة سيف، وادي غليلة.. أرض السقب الأحمر والغزلان، صحيفة الخليج، 17 ديسمبر2015م
6. شيخة الغاوي، غليلة.. تاريخ خالد تختزنه الجبال وإرث أصيل تستحضره قرية زايد التراثية، وكالة أنباء الإمارات، وام، 3مارس2012م

 


[2026] Video © YT: Be4Traveler
الفيديو: نزهه في وادي غليلة رأس الخيمة | "السلالم إلى الجنة" (تجربة حقيقية)

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها