الذكاء الاصطناعي: أداةٌ لبناء المفاهيم بقوة مدهشة

حوار مع المفكر الإيطالي أندريا كولاميديتشي Andrea Colamedici

ترجمة: يحيى بوافي

أجرى الحوار ألكسندر لاكروا2

 


هل يمكن أن يكون لنص كتبه الذكاء الاصطناعي تأثير عالمي؟ ذاك هو السؤال الذي يكشفه بألمعيَّة ووضوح الكتاب الأخير الذي يحمل عنوان "التنويمُوقراطية" (Hypnocratie) لـ صاحبه (جيانوي شون Xun Jianwei)، وهو الكتاب الذي أدهشنا تأليفه وتلقيه على السّواء، حدَّ جعلِنا في مجلة فلسفة نُلِحُّ على نيل حقوق ترجمته ونشره في فرنسا. وفي الحوار التالي يقدم ناشر النّسخة الأصلية للكتاب أندريا كولاميديشي المفكر الإيطالي الذي ألهمه خورخي لويس بورخيس ورواد النزعة الموقفيّة.

 

 يتمثل التفلسف حسب جيل دولوز في إبداع المفاهيم، ألا يندرج الكتاب الذي نشرته دار نشركم تحت عنوان "التنويموقراطية (الهيبنوقراطية)" داخل هذه الممارسة للفلسفة من خلال اقتراحه لعدد من المفاهيم الجديدة وغير المسبوقة؟

كتب أنطونيو غرامشي أن الثقافة لا ينبغي مُقارنتها بمستودعٍ منظّم جيداً، نعثر فيه على المعلومات، بل أحرى لها أن تتمثل في القدرة على خلق علاقات جديدة بين الذات والعالم، وبين الذات والآخرين، وإبداع المفاهيم، حسب دولوز، يندرج داخل النهج نفسه؛ بمعنى أن الرهان ليس هو إنتاج محتوياتٍ محددةً بل العمل على جعل المفاهيم في تفاعل بحيث يحرك بعضُها بعضاً؛ فالمفاهيم يتم بناؤها وابتكارها، لأننا بحاجة لأن نجد دون انقطاع كيفيات جديدة لربط علاقة بالواقع في الحقبة المعاصرة. لذلك تجدُني أعتقد بأن جزءاً من الارتباك الذي يخيِّم على الجمهور أمام ما يُقْدِم عليه كل من ترامب وإيلون ماسك مَردُّه إلى أننا لا نمتلك كلماتٍ لوصفه، مما يجعلنا بحاجة إلى مفاهيم غير مسبوقة للفلسفة السياسية حتّى نتمكن من فهم الكيفية التي يتحرك وفقها العالم. وبهذا المعنى تكون المفاهيم مثل أغطيةٍ من نسيج نلقيها على أشباح، فإذا كان الشبح يتحرك فإن المفهوم هو ما يمنحه شكلا وصورة في اللحظة ويتيح رؤيته.

 مفهوم التنويموقراطية الذي اقترحه جيانوي شون لا يعني أنه تنويمَنا قد جرى من قبل الشّاشات وهو ما سيمثِّل معنى مبتذلاً، بل إنَّ معناه أكثر تخصيصاً من ذلك، هل بإمكانكم تدقيق هذا المعنى؟

إن النقطة الأساسية هي أننا صرنا منذ الآن نوجد، بفضل الذكاء الاصطناعي، في مستوى إنتاج ما لا يُعد ولا يُحصى من نسخ الواقع، وما يوجد من أدوات تكنولوجية اليوم يُمكِّن من خلق تنويم جماهيري لكنه يستند في فعله على البعد الشَّخصي، وفي غضون بضع سنوات من الآن ستكون النصوص والفيديوهات والصور والموسيقى التي أنتجها الذكاء الاصطناعي والمنشورة على الشبكة العنكبوتية أكبر من نظيراتها التي أنتجها الإنسان. كما أن كل واحد منا ستُرسَل إليه محتويات لها ارتباط بسلوكياته في التَّسوق وبآرائه السياسية واعتقاداته ووسطه الاجتماعي. لقد لخَّص ستيف بانون الذي كان مستشاراً لدونالد ترامب في ولايته الرئاسية الأولى، استراتجيته في التواصل السياسي بهذه الصيغة "أغرق المنطقة بالقمامة" Flood the zone with shit «inondez la zone de merde» . فالصعوبة التي كان يواجهها اليمين الشّعبوي الأمريكي هي معارضة وسائل الإعلام الرسمية، بيد أن التوليد الضخم للأخبار الزائفة ولنظريات المؤامرة أتاح التحايل على هذه المشكلة وتجاوزها، بحيث لم نعد قُبالة نسختين متنافستين (تلك الخاصة بوسائل الإعلام الرسمية ونسخة ترامب)، بل صرنا بمواجهة تمثيلات متعددة تجرّدنا من المرجعية المشتركة، فصار الواقع أشبه ما يكون بسجاد يسحبه الذكاء الاصطناعي من تحت أقدمنا.

 أليس ذلك شبيهاً تمام الشَّبه بمجتمع الفرجة الذي انتقده غي ديبور، والذي يبتعد فيه كل ما يتم عيشه مباشرة تاركاً مكانه لفائدة الصور والتمثيلات؟

ما تغيّر منذ أيام غي ديبور هو أنه قد جرى اختزالُنا بدرجة أكبر في دور المتفرجين السلبيين والمنفعلين، بحيث تتم دعوتنا عبر شبكات التواصل الاجتماعي إلى إنجاز هويتنا الخاصة، وبالتالي أن نكون نحن أنفسُنا فرجة ومشهدا. هذا فضلا عن أن شروط الحياة لم تعد مناسبة بتاتا للتأمل.

 لماذا يعتبر دونالد ترامب وإيلون ماسك رمزين للتنويموقراطية؟

ينطبق على حالتهما المثل القائل: "وافق شن طبقة"؛ فكلاهما رائد في النفاق، فدونالد ترامب أدرك الإمكان الذي تنطوي عليه الأخبار الزائفة؛ فما دام التحقق من الوقائع لمواجهة الأخبار الزائفة في السياسة قد أثبت عدم فعاليته، لأنه يقوم على فرضية مسبقة مفادها أن الناس يمتلكون معلومات خاطئة أو جرى خداعهم وتضليلهم بواسطة الدعاية أو البروباغندا، وبالتالي فكل ما علينا فعله هو أن نبيِّنَ لهم خطأهم، حتى يصيروا راغبين في تصحيحه، لكن الحاصل اليوم هو أن الناس صاروا يعيشون داخل أنظمة واقع موازية، تتمتع بكامل التماسك الداخلي، أما إيلون ماسك فيمَثِّل وجها آخر للتنويموقراطية؛ فهو يوهمنا بمستقبل لم يأت بعد، وهو منتج لا يتوقف للاستباق الذي يجد تجسيده في صيغ كثيرة: "في الغد سنمتلك سيارات ذاتية القيادة"، "غدا سنصير قادرين على زرع شريحة في أدمغتنا ستكون زيادة وتعزيزا لذواتنا وستجعلنا نتواصل مع بعضنا البعض"، "غدا سنسافر للمريخ"، فليس المهم تحقُّق هذه الوعود، بل ما يُعتَدُّ به هو أن ماسك يبدو متوجّهاً إلينا بالخطاب من على منصة المستقبل.

 هل هذا هو ما يطرحه "مفهوم الاستباق المصطنع" الذي اقترحه شون؟

لم تكن اليوتوبيا الكلاسيكية مصطنعة، لكن بنية الخوايرزميات أتاحت اليوم ضرباً من هندسة اليوتوبيا؛ فعلى هواتفنا الذكية وحواسيبنا وعبر خيوط شبكاتنا الاجتماعية، نجد أنفسنا مسجونين داخل فقاعات وحجراتٍ لترديد الصدى، بحيث صرنا مأخوذين داخل نظام يقوم بالرَّشح الأتوماتيكي للمعلومة التي يوجهها إلينا.

 هل ذاك هو مصدر مفهوم "الميطا- ترانس (الغشْية البعدية) méta-transe " بوصفه مصطلحاً جديداً آخر، يمكن العثور عليه في كتاب التنويموقراطية؟

نعم؛ نحن نعيش داخل قاعة كبرى لرياضة عدم الانتباه، فقد تمَّ تمريننا وتدريبنا كي نصير دائماً أكثر اتصافاً بغياب الانتباه، فحين تشاهدون فيلما سينمائياً يمكنكم أن تعرفوا نوعاً من الغشية بالمعنى الكلاسيكي للعبارة، بمعنى وجود تعليق مؤقَّت للرفض؛ حيث نشرع في الإيمان بالقصة التي نشاهد، وإذا لم نعتقد في صحتها ونؤمن بها لا نستطيع الاستمتاع بمشاهدة الفيلم. لكنني أعتقد أنه منذ فترة، قد تكون ابتدأت منذ أن نشر الروائي الأمريكي دافيد فوستير والاس David Foster Wallace روايته الكوميديا اللانهائية [ترجمت إلى اللغة الفرنسية من قبل دار النشر أوليفييه ونشرت سنة 2025]، صار واضحاً أننا لا نصل أبداً إلى الإيمان بالقصص تماماً، وهذا هو الميطا-ترانس [أوالغشية البعدية]؛ بمعنى أننا نوجد داخل الوهم وخارجه في الآن نفسه، فحين استخدامنا لشات جي بي تي، نعرف ألاَّ وجود لشخص في الداخل يتولى التفكير، دون أن يمنعنا ذلك من قراءة النص الذي قام الذكاء الاصطناعي بتوليده كما لو كان له مؤلف، وكما لو كان هناك شخص يتوجه إلينا بالخطاب.

 ألا يرتبط هذا الميطا- ترانس [أوالغشية البعدية] بـ"اقتصاد ما بعد اللَّذة" l’économie du post plaisir الذي تحدث عنه شون؟

إن الاتصال يُبقي علينا داخل حالة شبيهة بالمتعة لا تعرف انقطاعاً، فنحن نسبح في حالٍ أقرب إلى إدراك اللّذة، دون أن يبلغها أبداً، بحيث نَلْبَثُ في موقع أدنى منها، وذلك لسبب بسيط: وهو أنّنا سنتوقف عن الاستهلاك لو عشنا تجربة الإشباع الحقيقي وصرنا سعداء بأتم معنى؛ ما يعني أننا نعيش في كنف حضارة تنزع بوضوح إلى الإعلاء من اللذة، لكن ما يُمَيِّزُها هو أنها تحقق التمَيُّز في الإبقاء على النقص، مع إحداثها في الوقت نفسه للكثير من عمليات إفراغ شحنات الدوبامين. فعبارة "الأفضل لم يأت بعد" « the best is yet to come » le meilleur est » encore à venir «، تُجَسّدُ الوهم الذي تحافظ عليه وتُقَوّيه مسلسلات نيتفليكس والإعلانات، ليُنْتِجَ الإدْمَان، وطبعاً يحول ذلك دون نسجنا لعلاقات خصبة مع الآخرين. فنحن بني البشر تُرعِبُنا في الحقيقة فكرة الهجران، ومن خلال اللّعب على هذا الوتر تَمَّ ثَنْيُنَا دائما بوتيرة أكبر عن قطع الاتصال، كما تَمَّ إرعابُنا بالموت أيضاً فاحتشد أباطرة التكنولوجيات الجديدة على نطاق واسع خلف نزعة ما بعد الإنسانية، تزعم إبراءنا من الموت، وعند ولوجنا خضم هذه اللعبة لن يكون من نصيبنا معرفة ما يعنيه أن يعيش المرء فعلا، إذْ حين لا نبلغ إطلاقاً حالة اللذة، لأنها في حالة اختلاف ومباينة دائمة، لن ننال عندها من الوجود سوى قشرة بقائنا على قيد الحياة.

 هذه المفاهيم الرائعة لأجل فهم حقبة التقنية بدءاً من التنويموقراطية إلى اللذة البعدية مروراً بالميطا- عبور [الغشية البعدية].. من أبدعها؟ هل أبدعها كائن بشري؟

نعم توجد مشكلة، الواقع أن هذا الكتاب الذي يحمل عنوان "التنويموقراطية" لم تتم كتابته من طرف مفكر إنساني يتملكه غضب تجاه العصر الذي يعيش في كنفه، بل كانت كتابتُه عبر تفاعلي أنا مع العديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي، لاسيما منها شات جي بي تي 4 (في نسخته المؤدّى عنها) وكلود 3.5 سوني، وبكيفية هامشية أكثر من خلال التفاعل مع نونوت بوك لـ . م لشركة غوغل وديب سيك الصيني، كما أنني ابتكرت أيضاً غرفة عملت فيها على خلق حوارٍ بين أنظمة الذكاء الاصطناعي.

 هل معنى هذا أن جيانوي شون لا وجود له؟

إن هذه الكيفية في الكلام ليست بالمرضية تماماً؛ فشون يوجد، لكنه ليس بشراً مثلي ومثلك، بل هو اسم لكيان جماعي تشكّل بواسطة ذكاء بشري والعديد من الآلات، أعتقد أن الذكاء الاصطناعي ينطوي اليوم على خطر كبير، يكمن في أنه يجرّدنا من قدرتنا على البحث عن معنى للحياة، وهذا الرهان هو ما حاولت أن أبحثَهُ مع هذه الأنظمة من الذكاء الاصطناعي التَّوليدي.

 كيف تم تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي هذه؟

لقد قدَّمت لها قاعدة عمل مكوَّنة من ثلاثة من مؤلفاتي هي على التوالي: مجتمع الأداء (la société de la performance)، خواريزمية بابل (L’Algorithme de Babel)، وفجر آلهة جديدة (L’aube des nouveaux dieux)، كما تم ربطها بغوغل كلاودGoogle Cloud، الذي يحتوي على كميَّة هائلة من المعلومات.

 لنعُد إلى اللَّحظة التي ظهر فيها مفهوم "التنويموقراطية" لأول مرة على شاشة حاسوبك، هل تم إبداعه من قبلك أم من طرف الذكاء الاصطناعي؟

بكل صدق لا أعرف الإجابة على هذا السؤال، لقد كانت انطلاقتي من مقال للفيلسوفة الإيطالية نادية أوربينتي Nadia Urbinati التي لاحظت افتقارنا إلى كلمةٍ لأجل تسمية ما ينخرط ترامب في فعله، فما كان مني سوى أن طلبت من أنظمة الذكاء الاصطناعي العثور على هذه الكلمة، لتقدم لي لوائح بكلمات عديدة، وانطلاقاً منها قمت بإدخال أوامر توجيهية جديدة nouveaux prompts، وطرح أسئلة جديدة، وفي لحظة من اللحظات كان ظهور لفظة "تنويموقراطية".

 إنها على أية حال النقطة الحاسمة، فهي أشبه ما تكون بأمر: "ليكن النور" في سفر التكوين أو الانتقال والعبور من الجماد إلى الحياة.. نعتقد أن أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدية لا تعمل سوى على إعادة تدوير النصوص الموجودة مسبقاً، والمزاوجة والإقران بينها، هل إبداع بعض المفاهيم بوصفه نشاطاً من بين الأنشطة الإنسانية العليا قد جرى تنفيذُه من قبل الحواسيب، في التجريب الذي أجريته؟

صدقا، يؤسفني القول بأنني لا أتذكر ذلك، ولا أعرف عَزْل تلك اللحظة. لأجل معالجة الصعوبة والتَّعاطي مع الغموض والالتباس الذي يخيم هنا، لا بد لي أن أشرح لكم بالمزيد من التفصيل كيف أعمل وأشتغل مع أنظمة الذَّكاء الاصطناعي؛ في المرحلة الأولى لعملية البلورة، نطرح أسئلة متبادلة؛ بحيث أسألُ نظام الذكاء الاصطناعي، ويسألني هو كذلك، وفي المرحلة الثانية تكون عملية التَّأزيم؛ إذْ أوجِّه انتقادات إلى الإجابات التي قدَّمها نظام الذكاء الاصطناعي، ويقوم هو أيضاً بالأمر نفسه تجاه إجاباتي. فهذا البعد من البحث الخاص بالتفكير القائم على التناقض يبقى أساسياً بالنسبة للسيرورة. لذلك أقول بأنَّ نهجي في الاستكشاف يتمثل في التَّرميق أو البريكولاج، وبهذا الصدد أحب استحضار هذا القول لمؤلف روايات الخيال العلمي "إيتاي براديوري: "علينا الإلقاء بأنفسنا دون انقطاع من أعلى المنحدر، وأن نصنع لأنفسنا أجنحة أثناء السقوط"؛ فلأن الوقت لم يكن كافياً لكي نعدَّ أنفسنا لمجيء الذكاء الاصطناعي، علينا الآن محاولة فهم ما إذا كانت هناك كيفية جيّدة لاستخدامه والاستفادة منه. وهناك قولة أخرى رافقتني لفرنسيس سكوت فيتزجيرالد Francis Scot Fitzgearld : "إن علامة ذكاءٍ من الدرجة الأولى هي قدرة المرء على أن يستحضر في ذهنه فكرتين في الوقت نفسه، إحداهما تناقض الأخرى دون أن يتوقف مع ذلك ذهنه عن الاشتغال".

لقد تعلمنا إجمالا القبول باختبار التناقض وعيش محنته، والحال أن ذلك هو ما أتاح استخداماً حصيفاً لأنظمة الذكاء الاصطناعي التَّوليدية. ولهذا السبب فإن جميع المفاهيم التي اقترحتها على أنظمة الذكاء الاصطناعي تمت الزيادة فيها، وتنقيحها وإعادة كتابتها أثناء تفاعلاتنا، لذلك من العسير علي اليوم أن أسند للإنسان أو للحاسوب أُبُوَّة الأفكار، وبالتالي سيكون من الأصوب أن نتحدث عن إبداع تعاوني أو عن كتابة تعاونية عوض إرادة تمييز إسهام أحدهما عن إسهام الآخر. لكن رغم كل شيء، يوجد مفهوم لم يكن لي عمليا تأثير فيه هو مفهوم "الهامش الخواريزمي" marge algorithmique " الذي تم استخدامه لوصف ما يفصلنا، في ظل المجتمعات المابعد لذية"، عن الإشباع الفعلي والحقيقي.

 ألا تذكرنا هذه الكيفية الجديدة في ممارسة الفلسفة بمعية أنظمة الذكاء الاصطناعي بالمايوطيقا أو فن التّوليد، باعتباره فنَّ التساؤل العزيز على سقراط؟

فعلا، وهي مايوطيقا أو فن توليد متبادل، نظام الذكاء الاصطناعي من خلال إرساله منطوقات لي يجعل أشياء تنبثق في ذهني، كما أنني أعمل على جعل أشياء تتولد في نظام الذكاء الاصطناعي، وبذلك يكون أحدنا مولّداً للآخر بشكل متبادل، لكن حين ينبثق نص نظام الذكاء الاصطناعي، فإن هذا الأخير لا يبحث عنه في داخله أوفي جَوَّانيته، ولا في معيشه الخاص، بل يبحث عنه في معيش الإنسانية، الذي تم تسجيله وضغطه، وكان وُلوجه إليه عبر قاعدة بياناته.

 يبدو أسلوب كتاب "التنويموقراطية" أقرب إلى أسلوب الفيلسوف الألماني ذو الأصل الجنوب إفريقي بيونغ شول هان Byung –Chul Han حيث تشكل الجمل القصيرة والنهائية نقداً حاداً للعالم الراهن، هل الأمر مجرد صدفة أم أن ابتكار جياوني شون كان مستوحى نوعا ما من هذا المفكر الحقيقي الذي من لحم وعظم؟

أنا قارئ لبيونغ شول هان، إذْ سبق لي اللقاء به ووجهت له دعوة لحضور فعاليات مهرجان الفلسفة بمدينة بشنتزا الذي أتولى إدارته، صحيح أن الجانب القَضَوي المرتبط بأحكامه لطالما أثار اهتمامي إلى جانب أسلوبه الشذري، فضلا عن أنني أردت من خلال ابتكاري لشخصية شون، اللعب على حبّنا للغير وانجذابنا إليه؛ فنحن مفتونون بما يأتي من بعيد، وبأفكار الخارج، بحيث سنطلب القليل من البراهين والحجج من جيانوي شون مقارنة بما سنطلبه من أكاديمي أوربي، فكلامه سنتلقاه كما لو كان كلام عرّاف.

 هل أنشأْتَ صورة لشون باستخدام الذكاء الاصطناعي لتقوية اعتقاد الناس بصحة وجوده؟

نعم، وقمت كذلك بإنشاء صفحة حوله على الموسوعة الحرة (ويكيبديا)، وصفحة أخرى تعرض مساهماته البحثية على موقع أكاديميا.

 خصصتَ له كذلك وكيلة باسم "سارة هوروفيتز"، فلماذا وقع اختيارك على هذا الاسم بالتحديد؟

إحالة مني إلى الحاخام إشعيا هورويتز Rabbin Isaïe Horowitz (1565-1630)، مؤلّف كتاب رائع ينطوي على مستويين من القراءة، فهو بالنسبة للمبتدئ مجرّد مجموعة من الصّلوات، وبالنسبة لمن هو ذا اطلاع ومعرفة، هو كتاب حول الكابالا.

 كان نشر النسخة الأصلية للكتاب "التنويموقراطية" في إيطاليا في شهر يناير، فكيف كان استقباله؟

كان تلقيه جيد جداً، إذْ سرعان ما ارتقى في ترتيب لائحة الكتب الأكثر مبيعاً، كما شرعت العديد من الجرائد والصحف في استخدام مصطلح "التنويموقراطية" لوصف ممارسة دونالد ترامب للسلطة، وأطلقت الجريدة اليومية "إيل فوليو" (Il Foglio) على سياسة جورجيا ميلوني وصف "التنويمرقراطية"... وكتب شون مقالا تأمُلياً مباشرةً بعد تنصيب الرئيس دونالد ترمب لولاية ثانية، وتُرجم هذا المقال إلى اللغة الإسبانية وإلى اللغة الفرنسية أيضاً من قبل موقع "القارة الكبرى" (Le Grand Continent)، واستناداً إلى ذلك تم تخصيص صفحة على موقع جريدة لوفيغارو (Le figaro) الفرنسية حول فكر شون (قبل أن يتم سحبها)، وقيل بأن الكتاب تمت قراءته في قصر الإليزيه، فشكّلَ ذلك ذروة مسار شون: فأن يكون لنص كُتِبَ على الآلات تأثير، ولو هامشي على الكيفية التي يدرك بها أشخاص مؤثرون دونالد ترامب، هو حدثٌ لا زلت غير قادر على تجاوزه والقفز عليه لحد الآن، وهو يوضح مدى تأثير الفلسفة، كما تمَّ اقتباس ما كتبه شون ضمن مقال بحثي نشره موقع المدرسة العليا للتجارة (HEC) بباريس حول موضوع "الذكاء الاصطناعي والديموقراطية". وابتدأت الأمور تزداد تعقيداً حين أراد برنامج "C ce soir ( على قناة التلفزيون الفرنسي)" دعوة شون، عندها صار الاستمرار في عملية الدفع إلى الاعتقاد بوجود شون مثار تعقيد شديد... أظن أن الخدعة استمرت وظلّت قائمة إلى حدود شهر يونيو حزيران، ولأن أمري كان على وشك أن ينكشف قررت في نهاية المطاف كشف الطبيعة الحقيقية لمشروع شون بتاريخ 5 أبريل – نيسان الأخير، حيث تم نشر الموضوع في الصفحة الأولى من المجلة الأسبوعية ليسبرسو l’Espresso في إيطاليا، وفي فرنسا بواسطة شريط فيديو على موقع بريت Brut ثم مع نشركم لترجمة الكتاب إلى اللغة الفرنسية.

 قبل تاريخ 4 أبريل ألم يلاحظ القراء الأوائل وجود مشكلة، وأن شون ليس له وجود مادي؟

لا لم يحدث ذلك، مع أنني وضعت العديد من القرائن الدالة عليه بين تضاعيف الكتاب، بدءًا من الفصل الأول الذي يتناول "تجربة برلين"، وفيها جرى الحديث عن مجموعة من الباحثين في جامعة برلين الحرة، بقيادة ماركيوز هايدمان Marcus Heidemann الذي يُزْعَمُ أنه اخترع مفكراً يابانياً لا وجود له اختار من الأسماء اسم هيروشي تاناكا Hiroshi Tanaka لتضليل الجمهور وخداعه، إذْ يكفي البحث على المحرك غوغل للتأكد من أن هايدمان لا وجود له، فضلا عن ذلك، يستشهد كتاب "التنويموقراطية" أيضاً بمجموعة لوثر بليست Luther Blissett الفنية التي يوجد مقرها في بولونيا، والتي مارست عمليات تضليل وخداع عديدة، حيث أقدمت على عرض أعمال فنية بالمؤسسة الإيطالية بينالي البندقية la Biennale de Venise، على أنها أعمال فنان صربي توفي في سجن كوسوفو اسمه دار كو مافير Darko Maver، وهو بدروه شخص وهمي تماماً... إلى جانب أنني أدرجت في مختلف صفحات الموسوعة الحرة (ويكيبيديا) التي تحيل على شون تواريخ شاذة؛ فقد ذكرت على سبيل المثال أن شون ترجم أعمال دولوز إلى اليابانبة والصينية في حقبة زمنية سابقة حتى على ميلاده هو! لكن هذه الإيحاءات لم يتم إدراكها أو أسيء تأويلها... ويبقى المثال الأكثر إثارة للإعجاب هو ما قاله الناقد فليس سيماتي Felice cimatti الذي رأى أن تجربة برلين تجربة زائفة، لكنه خلُص في مقاله المنشور على موقع "دوبيوز زيرو Doppiozero" إلى أن "شون يتلاعب بالقارئ، أو قل بعبارة أفضل؛ إنّه يطلب منه ألاَّ يؤمن بما يحتويه كتابه من أطروحات"، لأن شون إذا كان مُتَّسقاً مع نفسه وذهب إلى منتهى تفكيره"، فإن وجهة النظر الموضوعية حول العالم الرقمي... لا يمكن أن يكون لها وجود".

 لو عدنا خطوة إلى الوراء واتخذنا مسافة، ما خلاصة هذه التجربة؛ هل هي أننا صرنا في مسيس الحاجة إلى التعوّد على العيش وسط عالم سيصير فيه للنصوص المكتوبة بواسطة الذكاء الاصطناعي تأثير جوهري على عالم أفكارنا، سواء في الفلسفة أو في العلوم الاجتماعية؟

أصابت الصدمة الكثير من الناس لما هزم نظام الذكاء الاصطناعي المسمَّى ألفا جوALpha GO الكوري لي سيدول Lee Sedol بطل العالم في لعبة جو go سنة 2016... غير أن خبراً جديداً ظهر في فترة أحدث، لكنه مرّ مرور الكرام دون أن يثير انتباه أحد وهو أن لاعب لعبة الجو الأمريكي كلاين بريلين Klein Pelrine هزم نظام الذكاء الاصطناعي ألفا جو سنة 2023 بعد أن حصل على مساعدة من نظام للذكاء الاصطناعي، مما يدعو إلى التفكير ويحث على التأمل؛ إذْ ربما علينا ألا ننظر إلى أنفسنا باعتبارنا في وضعية منافسة مع أجهزة الحاسوب، لأننا في هذه الحالة سنكون خاسرين في المعركة، لذلك فإن الكيفية الأنسب لاستخدام الآلات هي التساؤل عن الحد الذي يمكننا بلوغه في علاقتنا بأنظمة الذكاء الاصطناعي، عبر استخدامها في كتابة نصوصنا من خلال إشراكها. وبالإجمال يرتبط الأمر بأن نجعل منها حليفاً لنا لا عدواً.

 هل تعتقد أن أفلاطون أو دولوز المستقبل سيعملان بمشاركة أنظمة الذكاء الاصطناعي ليدفعا بخصوبة مفاهيمهما إلى أقصى مدى ولكي يطوّرا فرضياتهما ونماذجهما النظرية؟

أكيد أن البعض سيدمجون هذه الأدوات في طرائق اشتغالهم؛ لأن الذكاء الاصطناعي أداة مدهشة واستثنائية لبناء المفاهيم، لكن لا بد من التحلي بالشجاعة والجرأة حتى يتم استخدامها بحكمة وحذر.

 


هوامش:
1. “L’IA est un outil d’une puissance extraordinaire
pour construire des concepts” entretien avec Andrea Colamedici à propos du livre-événement “Hypnocratie” , propos recueillis par Alexandre Lacroix, philosophie magazine n°189 avril 2025.p :18 – 22 .
أندريا كولاميديشي Andrea Colamedici فيلسوف وناشر إيطالي من مواليد 1987، قرّر بفضول لا حدود له، تحرير الفلسفة من أسر إطارها الجامعي، فأنشأ رفقة زميلته مورا فونسيطانو ـ دار نشر هي دار طلون (Tlon)، كما تولى تنشيط مكتبة ومسرح وإدارة مهرجان الفكر المعاصر بمدينة بشنتزا في إقليم إيمليا رومانيا، أما اسم "طلون" فيحيل في واحدة من قصص خورخي لويس بورخيس وإلى عالم خيالي تولّى بناءه كَتَبَةُ مملكة أوكبار.
كتب أندريا كولاميديتشي الكثير من كتبه بالتعاون مع مورا غوسيتانو (لم تتم ترجمتها بعد إلى اللغة الفرنسية)، وكلها حققت نجاحا في إيطاليا، خصوصا «مجتمع التفضيل" المنشور بدار نشرهما (طلون، سنة 2019) أو "حرر نفسك من الفتاة الطيبة" libère –toi de gentille fille (Harperscollins,2019)، ولأنه شغوف بالتكنولوجيا وبالثقافة الرقمية، فإنه يدرس (التفكير السريع) "prompt thinking " بالمعهد الأوربي للتصميم في روما.

2. ألكسندر دولاكروا من مواليد 1975 يتولى رئاسة تحرير "مجلة فلسفة" الفرنسية، كما يشغل وظيفة أستاذ في معهد العلوم السياسية، له العديد من المؤلفات نذكر منها العناوين التالية:
Se noyer dans l’alcool ? (PUF, 2001, repris en J’ai lu)
Contribution à la théorie du baiser (Flammarion, 2011, repris en J’ai lu)
Comment vivre lorsqu’on ne croit en rien ? (Flammarion, 2014, repris en Champs-Flammarion)
Devant la beauté de la nature (Allary Éditions, 2018)
Photo © 15/01/2026 - ANDREA COLAMEDECI - Foto - Mario Tellez / La Tercera. Por MARIO TELLEZ

رابط الحوار الأصلي:

 

 

التعليقات

اضافة التعليق تتم مراجعة التعليقات قبل نشرها والسماح بظهورها